أخبار عاجلة

مسرحية “جي بي إس”.. أو عندما تتوقف الأزمنة ويعلو صوت المسخ – يوسف الحمدان

     بحسه الكاريكوتوري المفرط في السخرية الغروتسكية المسخية السوداء، يؤسس المخرج الجزائري المبدع محمد شرشال تجربته المسرحية الاستثنائية المغايرة نصا وخلقا ( جي بي إس )، التي حصدت “جائزة القاسمي” لأفضل عرض مسرحي عربي في مهرجان الهيئة العربية للمسرح بدورته الثانية عشر. التي أقيمت في العاصمة الأردنية عمان والتي تم عرضها على خشبة مسرح قصر الثقافة في افتتاح أيام الشارقة المسرحية في دورتها الثلاثين.

إنها رحلة المسخ البشري والاجتماعي في عالمنا العربي منذ النطفة الأولى وصولا إلى أقنة التدجين حتى غياب بوصلة الوعي حد متاهة الرؤية وانعدام ملامح الكائن في شتى تكويناته العضوية والمادية والمعنوية والرمزية، إنها رحلة الانقياد نحو الكارثة ، حيث لم يعد الحلم مسعفا لنقل الكائن من حالاته الخردوية الصفيحية المفككة الهشة المهشمة الأولى إلى أول بؤر التكوين الحية القابلة للتحول الخلقي السوي .

لقد تمكن خالق التجربة محمد شرشال من أن ينسج بفكره المتوقد ومخيلته الجامحة عرضا قادرا على استنطاق كل تفاصيل وتضاريس ارتحالات المسخ البشري والاجتماعي المتباينة والحائرة والمضطربة والمتأرجحة، وذلك من خلال استثماره لكافة تقنيات اللعبة الغروتسكية، كالدمى المشوهة والأقنعة المزيفة والأجساد المفولذة والصحف الجدارية الوهمية وأقنة الخلق المدجن والساعة اللازمنية، لتصبح جميعها وتتكثف في رحلة خارج الزمن وخارج السياق البشري والإنساني، إذ تصبح كل الحبال السرية قيودا تأخذنا نحوأزمنة المسخ في أقسى حالاته، وإذ تصبح كل العيون التي كان لها أن ترى وتبصر، عمى يقودنا إلى أزمنة التيه والظلام واللامعنى للوجود، وإذ تصبح كل الوجوه التي نرى من خلالها تباين الخلق والشكل، أقنعة تزجنا إلى أزمنة المتشابه والمتماثل حد غياب ملامح الوجود حتى بعد نزعها من الوجوه التي ألفت بتقادم الأزمنة القهرية عتمة استقرارها الطويل على قلب هذه الملامح ذاتها .

إنها اشتغالات بحثية إخراجية عميقة في قراءة الأزمنة المسخية التي تحيلنا إلى (مسخ) الروائي التشيكي فرانز كافكا تارة، وتارة أخرى تحيلنا إلى (العمى) للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو، وإلى تمدد العفن في (خرتيت) أوجين يونسكو تارة أخرى، وتارة إلى (جودو) صموئيل بيكيت، وإلى مسرحية (الطابعان على الآلة) للكاتب موري شيزجال حيث الشيخوخة والعجز مصير أزمنة اللاجدوى في هذا الوجود، إلا أن مخرجنا شرشال بقراءته الشاخصة الفاحصة الحاذقة، يضعنا في قلب إشكالات أكثر كارثية من هذه الإحالات، حيث يصبح الزمن المعول انتظاره لمن يرغب بالحظوة به، زمنا ينتظره من لا يدرك قيمة وأهمية هذا الزمن، ليصبح الزمن ذاته منفصما عن من ينتظره، وكما لو أن من ينتظره هو خارج لعبة الزمن، وهنا نلحظ قدرة المخرج شرشال على تعميق حالات العبث والمسخ، خاصة حين تصبح هذه الكائنات الممسوخة تتحرك في أزمنة طوابير الطاعة القسرية منذ نطفة الخلق الأولى والتي تجسدت في اكثر من صورة فوتوغرافية حية.

القطار يمضي والمستقبل والكائنات المشوهة الممسوخة مشغولة بتوافه الأمور وبمسخها وكما لو أنها خلقت صماء وإن أصغت لصوت تكتكة القطار.
لقد استوقفني طويلا وأدهشني اشتغال المخرج صانع تجربة المسخ في هذا العرض على اللابشري بالرغم من حضورالمؤدين بأجسادهم وأرواحهم على الخشبة، إذ أننا في حضرة هؤلاء المؤدين المتمكين من أدواتهم الأدائية والتقنية والقادرين على جذبنا بقوة ، نتبين مدى الزمن الرؤيوي الإبداعي لاشتغالات المخرج شارشال كي يبدون مجازا خارج أزمنتهم البشرية وخارج ملامحهم الأدائية البشرية، وهو اشتغال مخبري صعب وشائك بلا أدنى شك، خاصة وأنه ينقلنا معهم من حالة إلى أخرى إلى أكثر من طريقة وأسلوب واتجاه، ولكن ضمن سياق رؤية واحدة لزمن المسخ، حيث الحركة لا تتباين في اشتغالاتها عن الصورة (البافيسية المكثفة) المعبرة الجمالية والكارثية في آن، وحيث الاتكاء على الأصوات المجردة اللابشرية التي تلغي اللغة المنطوقة بوصفها كائنا حيا، لا يتغاير والموسيقى الغرائبية ومؤثراتها التقنية والبشرية الموازية لها، وحيث النشاز فيها يتسق وحالات المسخ والموت العبثي والمجاني في أكثر من لحظة وموقف.

وإن كانت لي ملاحظة أو ملاحظتين حول هذا العرض الإبداعي المغاير، والذي ستظل ذاكرتي مسكونة به إلى زمن قبل أن تصاب فيه بعطب الشيخوخة والزهايمر، فهي وقوع بعض المشهديات الصورية في خانة الأرجحة الاختيارية لدى المخرج، حيث تبدو بعض المشهديات غير مشظية لما بعدها أو شكلا ارتحاليا لا يضفي على ما سبقه وهجا جماليا أكثر قدرة على الانتقال به إلى ما هو في دائرة الفعل المسخي، وأعني بذلك التورط إلى حد ما في التشابهية أو التماثلية الشكلية خارج القيمة الجمالية الموظفة.

أما الملاحظة الأخرى، فتكمن في الشروح المستفيضة في نهاية العرض والتي أرى أنها زوائد لا حاجة للعرض بها، كنزع الساعة من موقعها والعودة إلى الحضن الأول، علما بأن وجود الساعة في موقعها أو في برجها العبثي ستبدو أكثر أهمية في تأجيج حالة المسخ من نزعها، كما أن صورة العودة إلى الحضن الأول، أرى أنها نهاية مباشرة تأتي في سياق الأمنيات الموجوعة، فكان بالإمكان الوقوف عند لحظة الشيخوخة ومرور القطار دونما حاجة إلى تكرار تقريري. هما ملاحظتان لا تقلل حتما من قيمة هذا العرض المسرحي العميق والآسر.

يوسف الحمدان – البحرين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح