مسرحية «المانعة» في سجن منوبة إخراج أمل البجاوي ضمن مهرجان مسرح الأمل: النسوة صانعــات الـقـــرار دائمـــا #تونس

«المانعة» حكاية امرأة، قرية تحكمها امرأة، وتسن شريعتها النساء، هن صاحبات العقل والحكمة والتدبير، لهنّ القدرة على صياغة القوانين التي تطبق

على الجميع، المانعة هي الحكمة والظلمة والوطن والفوضى والسعادة و الحزن كل المتناقضات تجتمع في عمل مسرحي فرجوي قدمته نزيلات سجن منوبة بتاطير أمل البجاوي ونص عصام الطبابي وتقني صوت علاء صميدة وتقني إضاءة وحيد البجاوي.
«المانعة» عرضت ضمن مهرجان «مسرح الأمل» الذي ينظم بالشراكة بين جمعية رؤى للثقافة والفنون والهيئة العامة للسجون والإصلاح والمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب ضمن برنامج تجليات مودع بدعم من «برنامج تفنن تونس الإبداعية».
انسجمت مكونات السينوغرافيا لخدمة الفكرة
المانعة عمل مسرحي متكامل، حضرت فيه كل مكونات السينوغرافيا من ديكور وإضاءة وموسيقى وتماهت مع أداء الممثلات، مع العزف المباشر «العود» مع سمير بن فرج و«البندير» ليكون العرض ساخرا ونقديا، كوميديا سوداء تمتعن العين بمكونات الفرجة وتدفع العقل إلى طرح الأسئلة.
المانعة صراع الخير والشر صراع الحكمة والقوة، هي قصة امرأة تحكم قرية لوحدها، تسن شريعتها النساء في انشغال الرجال بالعمل، في المسرحية جمعت المؤطرة بين الرقص والمسرح والعزف لتقدم عرضا مسرحيا فرجويا يمتع المتفرج ويسكنه بالسؤال فكانت «المانعة».
شموع تضيء المكان وتزيد الركح بهاء، إضاءة خافتة، أعلام مختلفة الألوان كتلك التي نجدها في الزوايا، صوت للدفوف ينبعث من مكان ما، رائحة البخور يفوح شذاها في القاعة، صندوق كبير فوقه «جثة» بلباسها» الأبيض، تجسيد لعملية غسل الميت بطريقة فنية قبل أن تصبح الموسيقى أكثر قوة كأنها تنقل الانفعالات الداخلية للشخصيات، فالموسيقى هي صوت الداخل، صوت نبضات القلب ورائحة الخوف تجسد بطريقة ذكية على الركح.
«مانعة» المراة القوية والأرض الشامخة والمسرحية الثابتة، مانعة قيمة العمل وتيمة السلطة، مانعة عمل مسرحي انسجمت داخله عناصر السينوغرافيا من ديكور واضاءة وموسيقى مع أداء الممثلات للرحيل بعيدا خارج الجدران التي أنجز فيها العمل فالفكرة الحرة تعجز الأبواب الحديدية عن سجنها، والممثلات كنّ شامخات قويات لعبن ادوارهنّ بكل حرفية وحيين الجمهور واشتركن في مقولة «المسرحية خلاتني نعرف روحي من الداخل، نعرف شكون انا، المسرحية خلاتني نتصالح مع ذاتي».
الصراع الازلي على المنتصب الخادع:
في المسرحية تغوص المخرجة امل البجاوي وكاتب النص عصام الطبابي في الصراع الانساني والصراع على السلطة، تنبش في الركن المظلم داخل الانسان، تحاول البحث عن الوحش المخفي داخله، ذاك الوحش الذي يخرج الى العلن احيانا بسبب هفوة او ضغط من الاخرين كما حدث لابنة المانعة.
المسرحية تنقل الصراع على السلطة بين ابنة المانعة الجينية وابنتها بالتبني، فالاولى تنتظر وفاة والدتها وانعقاد مجلس القرية وتحاول إجبار أختها وسجنها حتى تتنازل على المنصب لها لانها الاحق «انا ابنة بطنها» والثانية مسالمة وهادئة يؤرقها الحزن على وفاة والدتها، تكره السلطة ولا تريد منصبا لكن سجن أختها ايّاها ايقظ الوحش داخلها وانطلق الصراع حدّ قتلها لاختها، حينها يتحول الصراع الى شخصية ثالثة هي المشرفة على المقام الطامعة بدورها في المنصب لتضحياتها الكثيرة «قوانين القرية تمنعها من الزواج والإنجاب وتكرس حياتها لخدمة المقام» فالعمل ينقل تفاصيل الصراعات الكثيرة التي تسكن الانسان، صراعات ووحشية تولد فجأة ليتحول الإنسان الى كتلة من الشرّ أمام المنصب الخادع.
«المانعة» حين تكون الأرض بيداء للموت الصارخ والقرية في ساعة حشرها غولا يقتات من الناس وهم في هذه الحكاية نسوة فقط، نسوة من نار وحكاية الليالي الحنادس، بهمومها وأخبارها وهمساتها وهلوساتها وسكراتها وشطحاتها الصوفية، تكون المانعة حكاية السلطة والمنصب الخادع، مصنوعة من سرّ وحبر وفكر لاذع، وعلى الركح أصبحت الأفكار حقيقة مجسدة في مشاهد راقصة وأغان مباشرة واداء مقنع لممثلات تقمصن الشخصيات حدّ التماهي.
الجسد وسيلة للتعبير، تصمت اللغة المنطوقة امام لغة الجسد فينضوي متحدثا عن اوجاع اختزنها لاعوام، وجع يصعّده على الركح ليكون الاداء مبرا في لحظات كثيرة، الاداء الصادق النابع من الداخل من اعماق الممثلة ووجع مخفي مكتوم، يصبح في مشاهد درامية مسرحية ترجّ الجمهور المتفرج فيقابلها بالعبرات والشهقات التي تسمعها داخل القاعة، الجسد يكون مطيتهم الصادقة للتعبير وتتغير لغته وطريقة التعبير حدّ الانتشاء في رقصات صوفية وشطحات ملولية تحمل الذهن بعيدا وترحل بالقلب وتترك الجسد في دورانه ذاك ورقصاتهم داخل العرض كانت سبيل من سبل الحرية التي ابدعوا في استغلالها فرقصوا وغنوا واقنعوا الجمهور.
«مانعة» قصة الشر داخل كل انسان، هي محاولة علاجية ليكتشف الانسان ما يخفيه ويتصاللح مع ذاته واوجاعه، عمل نجحت فيه المخرجة الشابة امل البجاوي في اخراج طاقة الحب على الركح.
زياد غنانية: مدير مشروع تجليات مودع:
بعد صناعة العروض سيصنع النزلاء اركاحهم
«التجربة كانت اكثر من ناجحة ومتميزة، تقاسمنا معهم لحظات من الفرح والصدق وذاك هو الهدف الاول، النبش في انسانية الانسان والتاكيد على ان المسرح فعل نبيل وسام» هكذا تحدث زياد غنانية مدير مشروع تجليات مودع عن تقييمه للمهرجان.
ويضيف محدثنا في المشروع العديد من النقاط الايجابية والعديد من النزلاء تبنوا الفكرة وامنوا بذواتهم ونجحوا، واغلبهم يريد المواصلة في ممارسة النشاط المسرحي، لان صعوده على الركح ليقدم عرضه امام الجمهور كان بمثابة الحلم واليوم اصبح حقيقة يعيشها منخرطو نوادي المسرح بالسجون التونسية ولقيمة المسرح وايمان المودعين به هناك نزلاء انهوا مدة العقوبة قبل المهرجان لكنهم عادوا اثناء العرض وصعدوا على الركح وقدموا ادوارهم مع اصدقائهم.

«تجليات مودع» المشروع الذي يعمل على تكوين النزلاء في المسرح وتقديم العروض وستكون المرحلة القادمة بعد التنسيق مع الهيئة العامة للسجون والاصلاح هو العمل على ترويج الاعمال المنجزة «سنعمل على الترويج للاعمال، كل ذاك الحب الذي شاهدناه على الركح نريد ان يتشارك فيها الممثلون مع جمهور مختلف داخل الفضاءات السجنية وخارجها».
ويضيف غنانية ان الافكار لا تنضب وهناك العديد من المبادرات المتعلقة بفكرة المسرح في السجون وفي البرنامج القادم هو تأسيس اركاح مسرحية داخل المؤسسات السجنية للفرق المسرحية داخل السجن والمودعون هم من سيصنعون ركحهم وفضاءهم كما صنعوا عرضهم المسرحي.
اما المشروع الاقرب حسب مدير تجليات مودع هو دورات تكوينية وورشات في فن الممثل والصوت والحركة للنزلاء الذين انهوا مدة العقاب واستعادوا حريتهم وستكون الورشات في الفضاء الثقافي «RED ROY» بصفاقس حتى نسقي بذرة المسرح التي زرعت فيهم داخل المؤسسة السجنية.
و»تجليات مودع» مشروع ثقافي انساني يضمّ مجموعة عمل صغيرة بروح قتالية عالية وهم في الادارة الفنية المبدع صبري البوعزيزي والإدارة محمد غنانية ومريم ادريس في كتابة الإنتاج وفي التقنية اويس الهرابي وحمدي عبد الجواد وكل اطارات جمعية رؤى للثقافة والفنون والتنسيق بين الجمعية والهيئة العامة للسجون للسيد فتحي بن عثمان.

فتحي بن عثمان:
المسرح حياة
يطلقون عليه صفة «الربان» او «سفينة الامان» هو النقطة الرابطة بين جمعية رؤى للثقافة والفنون والهيئة العامة للسجون والاصلاح، السيد فتحي بن عثمان اطار سام بالهيئة العامة للسجون محبّ للمسرح فرجة وممارسة يقول عن المهرجان «بدعة جديدة، حلمة مزيانة انطلقت صغيرة واليوم كبرت لتصبح مهرجانا قائم الذات، المهرجان فرصة للمودعين ليمارسوا فنا نبيلا، على الركح هم ممثلون، نريدهم ممثلين، لسنا ملائكة او لنا عصا سحرية لاصلاح الجميع ونشر ثقافة الخير لكننا نعمل على الجانب الاصلاحي نزرع فيهم حبّ المسرح والحلم والمسرح حتما سيعلّم النزيل معنى السؤال».

وفتحي بن عثمان من المدافعين الشرسين عن وجود المسرح داخل المؤسسة السجنية ومراكز الاصلاح، يؤمن ان الفن حياة وسيلة للحلم ايضا، و المميز انّه كلما دعا شخص ليشاهد عرض مسرحي يطلب منه «اريد النقد، لن نتقدم دون نقد».
المسرح داخل السجون هدية للمودع ليحلم ويبدع
مهرجان مسرح الأمل ومشروع تجليات مبدع، فرصة أخرى للحلم، فرصة متجددة للقاء إبداعات النزلاء في إطار الدفاع عن الحق في الثقافة، تجربة انطلقت منذ أربعة اعوام بعمل وحيد لتكون النتيجة في العام الحالي 31عرض مسرحي في كل الوحدات السجنية والإصلاحية تقريبا، انتشر حبّ المسرح وانتشرت عدوى الفن في السجون التونسية وأصبحت المنافسة شرسة بين النزلاء للفوز بجائزة افضل ممثلة وافضل عمل متكامل، من عمل واحد يتيم إلى واحد وثلاثين عمل مسرحي، عمل جبّار ومجهود يجمع الإطار المشرف على المشروع اي جمعية رؤى للثقافة والفنون والهيئة العامة للسجون والإصلاح و المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب وكل الشركاء من مندوبيات جهوية للثقافة خاصة مندوبية منوبة وقابس.

مسرح الأمل فرصة أخرى للدفاع عن إنسانية الإنسان وإعطاء النزيل فرصة ليمارس أب الفنون ويقدم عرض مسرحي بحضور العائلة (قبل كل عرض تعلم إدارة السجن عائلة السجن وتدعوه ليشاهد العرض ويتمتع بمقابلة مباشرة مع ابنهم المودع كهدية للمودع أو المودعة لنجاحه في النشاط المسرحي لقاء مباشر مع عائلته) .
المهرجان والمشروع تجربة جدّ مختلفة، تجربة انسانية وفنية، على الركح تنتفي صفة مودع او نزيل ويقدمونهم بصفة ممثل، اشهر من العمل و البرايف، لحظات الانتظار بتقديم العرض على الركح هي اكثر أمنيات المودعين «ننتظر العرض كما ينتظر الطفل هدية العيد» كما يقول احد النزلاء، ليصبح المسرح بمثابة العلاج للمودعين «لم اكن اعرف انني احب التمثيل كما اليوم» او «وين كان المسرح قبل الربطية» و للعائلة ايضا «اول مرة نشوف ولدي هكة،محلاه» فالتجربة الانسانية المسرحية نفت الحواجز وارتقت فقط بالانسان الممثل.
مسرح الامل مهرجان ولد كبيرا بحب المودعين للفعل المسرحي وتشجيع الهيئة العامة للسجون والاطلاع على الفعل الثقافي وانخراط بعض المؤسسات السجنية في فكرة الانتاج والتشجيع لتقديم منتوج فني محترم، على سبيل المثال سجن منوبة الذي امنت ادارته بالمسرح وأهميته لتشارك هذا العام بثلاثة اعمال كاملة وثلاثتها متكاملة نصا واخراجا واداءا وهي «حادث» و»صندوق العجائب» و»المانعة» الذي تحصل على جائزة ثاني افضل عمل متكامل، وكذلك سجن برج العامري الذي تحصل عمله على جائزة افضل عمل متكامل في الدورة الوليدة لمهرجان مسرح الامل.
تجليات مودع:
21 عملا من بين 30 عملا في المهرجان
أسدل الستار على فعاليات مهرجان مسرح الامل، المهرجان الحدث ابطاله من مودعي السجون وممثلوه نزلاء احبوا المسرح ومارسوه مع مؤطريه ليقدموا على الركح اعمال ترتقي الى الحرفية، وفي المهرجان قدّم 21عمل مسرحي المنضوي تحت مشروع تجليات مودع مع اساتذة ومؤطرين اختاروا تجربة مسرحية مختلفة وهم: كريم خرشوفي بسجن حربوب ، و لسعد حمدة بسجن ڤفصة وأحمد نصرلي بسجن القصرين و عبد السلام بوزيدي بمركز اصلاح الاطفال الجانحين بسيدي بوزيد و علي بوكادي بسجن صفاقس، عمر بن سلطانة بسجن صفاقس وحسام الغربي بسجن المهدية و أكرم بوڤرين بسجن المسعدين و رياض الزواوي بسجن المسعدين و محمد علي سفينة بمركز سيدي الهاني زياد وغنانية بسجن صواف و شوقي سالم بسجن السرس و صالح الفالح بسجن سليانة وأمنة حاجوني بسجن منوبة و الازهر فرحاني بسجن جندوبة و نزار الكشو بمركز الاصلاح مجاز الباب وهدى اللموشي بسجن برج العامري و ايناس الفيلالي مركز الموروج و هناء الوسلاتي مركز المغيرة ولطفي الناجح بسجن المرناقية و ومحمد امين الزواوي بسجن برج الرومي.

بقلم مفيدة خليل

https://ar.lemaghreb.tn/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح