مسرحية الليلة الثانية عشرة لشكسبير د.علي خليفة

من منا لم ينبهر طويلا وهو يقرا إحدى روائع شكسبير التراجيدية كهاملت أو ماكبث أو الملك لير أو غيرها من روائعه؟ وبعضنا شعر بعد قراءته إحدى هذه الروائع التراجيدية أنه اكتشف معدنا نفيسا لم يره من قبل ،ومنا من شعر أنه أبصر بعد أن كان أعمى حين قرأ إحدى هذه الروائع التراجيدية له
وهذا ما أشعر به مع إعادة قراءتي أي مسرحية من روائع تراجيديات شكسبير ، ولكن كوميدياته حالي معها مختلف ،فقد قرأتها منذ سنوات بعيدة ، وأكاد أكون قد نسيتها أو نسيت أكثر ما فيها ، وحاولت من وقت قريب أن أعيد قراءتها ولكنني لم أنبهر بها باستثناء مسرحية أو اثنتين منها
ومسرحية الليلة الثانية عشرة هي في رأيي كوميديا خفيفة فيها القصة المشوقة ، وجرعة مقبولة من الفكاهة ، ولكننا لا نرى بها فن شكسبير في تراجيدياته الكبرى فليس فيها شخصيات لها أبعاد تثير الاهتمام وليس فيها أفكار عميقة
والحقيقة أن المسرحية ممتعة في قراءتها ومشاهدتها ، ولهذا نفذت عدة مرات في السينما العالمية ، ولكنها مع ذلك لا تقارن بروائع شكسبير في تراجيدياته ، بل هي عندي مع إحكام بنائها أقل من روائع ملاهي موليير
وقبل أن أعرض مقارنة بينها وبين فن موليير في كوميدياته أعطي ملخصا سريعا عنها، وتتحدث المسرحية عن أخ وأخت توءمين كانا في سفينة ، وغرقت وأنقذ كابتن السفينة الأخت واسمها فيولا ورأى نفسيهما في جزيرة ، وظنا أن أخي فيولا وهو سبستيان قد غرق في حين عرف بعد ذلك أن سبستيان قد نجا من الغرق مع صديقه أنطونيو
وتتنكر فيولا في ملابس رجل خشية أن يغتصبها أحد من أهل هذه الجزيرة ، وتذهب لحاكم الجزيرة وهو الكونت أورسينو وتعمل تابعة له مدعية أنها غلام اسمه سيزريو، ويرسلها الكونت لتتوسط له عند محبوبته الأميرة أوليفيا ، ولكن فيولا تحب الكونت ، وأوفيليا تحب فيولا وهي متنكرة في ملابس غلام
وتتطور الأحداث فيمر سبستيان قريبا من بيت الأميرة أوليفيا وتعرض عليه الزواج ظانة أنه الغلام الذي تحبه ، ويوافق لإعجابه بجمالها ، ويتزوجان في دير ، وتحدث المفارقات المضحكة حين يظن البعض أن فيولا هي سبستيان وأن سبستيان هو فيولا ، وتنكشف الحقيقة في النهاية فيتزوج الكونت من فيولا وقد نزعت ثوب الغلام عنها ،وتسعد أوفيليا بزواجها من سبستيان
ولكن مسرحية الليلة الثانية عشرة لشكسبير ليست مجرد هذا الخط الدرامي الذي ذكرناه فيها ، بل بها خيوط أخرى تتواصل مع الخط الرئيس فيها ،ففيها نرى عّم الأميرة أوليفيا السكير الذي تحبه وصيفتها وتقوم بعمل مقلب في شخص محب للأميرة أوليفيا فتوهمه أن الأميرة تحبه ويتصرف بالشكل الذي يظن أن الأميرة ترغب في أن تراه هكذا فينتج عن ذلك مواقف مثيرة للفكاهة ، وهناك أيضا عاشق آخر للأميرة أوليفيا هو أرنولد الذي يبدو فيه بعض سذاجة وقد أوهمه توبي عّم الأميرة أنها تحبه
وكما قلت فهناك حكايات فرعية داخل الخط الرئيس لهذه المسرحية وتلتصق به
وحين نقارن بين كوميديات موليير وهذه المسرحية الكوميدية لشكسبير وغيرها من كوميدياته نرى أن مسرحيات شكسبير الكوميدية أحكم في بنائها من مسرحيات موليير ، وفيها حوادث فرعية تتداخل مع الحدث الرئيس فيها أما مسرحيات موليير الكوميدية فليس في كل واحدة منها غير حدث واحد يتم التركيز عليه ، وفِي كل مسرحية كوميدية لشكسبير نرى أحداثا جديدة ، أما مسرحيات موليير فالحبكة في أكثرها متشابهة ، فغالبا ما نرى فيها شخصا متطرفا في صفة فيه -كالبخل أو الادعاء أو الحذلقة-ويرغب في أن يزوج ابنته لشخص يتناسب مع التطرّف السلوكي الذي به ولكن الابنة ترغب في أن تتزوج ممن تحبه ، ومن خلال بعض الحيل تنجح الابنة في الزواج ممن تحبه أما النمط الكوميدي فيظل -في الغالب -على ما هو عليه،
وموليير يركز في مسرحياته الكوميدية على النمط الكوميدي الذي يضعه في مواقف تفجر الفكاهة ،ولهذا يكون محور المسرحية عنه ، أما شكسبير فلا يركز في كوميدياته على أنماط متطرفة في سلوكها وإن ظهر بعضها في مسرحياته ، ولكنها لا تكون الشخصيات الرئيسة فيها، ففي مسرحية الليلة الثانية عشرة نرى نمط السكير في شخصية عم الأميرة تومي وهو شخصية ثانوية وكذلك نرى شخصية المضحك الذي يقول الحكم ويسخر من الجميع وهو أيضا شخصية ثانوية، وإلى جانب ذلك نرى شكسبير في مسرحيته هذه وغيرها من كوميدياته يلجأ في بث الفكاهة فيها إلى وسائل أخرى من رسم المواقف الطريفة ، وذكر الإشارات الجنسية على لسان بعض الشخصيات -كما نرى في مسرحية العبرة بالخواتيم-ووسائل أخرى
وقد لاحظت أن شكسبير وظف شخصية المهرج في بعض تراجيدياته كمسرحية الملك لير لتخفيف الأثر التراجيدي فيها ،ووظفها في بعض كوميدياته كوسيلة لبث جرعة كبيرة من الفكاهة فيها-كما نرى في مسرحية الليلة الثانية عشرة- أما موليير فلم أره يوظف -فيما قرأته له -هذه الشخصية في مسرحياته ، وهو لم يكن بحاجة إليها فالنمط الكوميدي الذي يوظفه في كل مسرحية يكون أشد فكاهة من شخصية المهرج الذي يتعمد الإضحاك بأقواله وأفعاله، ومع ذلك يمكن اعتبار بعض الشخصيات في بعض مسرحيات موليير أقرب لشخصية المهرج كشخصية سجاناريل في مسرحية الطبيب رغم أنفه، وشخصية سكابان في مسرحية ألاعيب إسكابان
وملاهي موليير الكبرى مثل مسرحية عدو البشر ومسرحية مدرسة الزوجات ومسرحية البخيل نرى في خلفيتها مواقف إنسانية تستدعي التأمل ، ولا نرى هذا في كوميديات شكسبير إلا القليل منها مثل مسرحية ترويض النمرة
وأخير فالكوميديا عند موليير في مسرحياته الكوميدية أقوى بكثير من الكوميديا عند شكسبير في كوميدياته على الرغم من أن وسائل الكوميديا في مسرحيات شكسبير الكوميدية أكثر تنوعا منها في كوميديات موليير ، لأن موليير يركز في كوميدياته على الكوميديا فيها قبل أي شيء آخر ، في حين يهتم شكسبير بأسلوب بنائها فبل أي شيء آخر فيها، بما في ذلك بث الكوميديا فيها

محمد سامي / موقع الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.