مسرحية الرَّغاية.. عبثية البحث عن جدوى في عالم بِلا معنى –  د.عبد الرحمن بن إبراهيم #المغرب

الرغاية
من مسرحية الرغاية

مسرحية الرَّغاية.. عبثية البحث عن جدوى في عالم بِلا معنى –  د.عبد الرحمن بن إبراهيم #المغرب

مسرحية الرغاية : تأليف وإخراج الفنان عبد العزيز الطيبي

  • العرض المسرحي، الماهية:

    وأنت بصدد مشاهدة عرض مسرحي، تنتابك حالتان: حالة ذهنية لاشعورية على أساس أن فعل المشاهدة يندرج في إطار حفل طقوسي، يثير حالة وَجْدٍ تستنهض الحواس استعداداً لفعل التّلقي. وحالة  ذهنية شعورية تضع المتلقي في واحدة من الوضعيات الثلاث المُحَدِّدَةِ لشرط التلقي:

  • وضعية أولى: مشاهدة عرض من دون سابق فكرة.

بـ-  وضعية ثانية: مشاهدة عرض انطلاقا من نص معلوم.

جـ- وضعية ثالثة: مشاهدة عرض مع امتلاك فكرة/أفكار من خلال ما قيل عنه/كتب عنه.

وإذا كان بديهيا أن تلقي العرض لن يكون بريئا من تمثلات مفترضة في الوضعيتين الثانية والثالثة، باعتبار أن جدلية نص/عرض من جهة، وتداعيات قراءات الآخرين تمثل عنصراً إسقاطياً في إدراك دلالات الأنساق السمعية البصرية واللسانية.

وحتى في الوضعية الأولى لا يجوز الإقرار بحالة صفاء ذهني خالص، على أساس أن قراءة النصوص الدرامية من جهة، والتراكم في قراءة مشاهدة العروض المسرحية من جهة ثانية، سيكون لهما –لامحالة- تأثير في مقاربة العرض المسرحي، وفك شفرات علاماته في نسج علاقة تواصلية خلاّقة  بين فضاءي اللعب والجمهور.

   إن نقد العرض المسرحي يعتبر عملاً إبداعياً في حد ذاته، ويمثل قيمة معرفية مضافة إلى المنجز الركحي، باعتباره في مستوى أول وسيطاً بين المكون الإبداعي المتمثل في المؤلف والمخرج والسينوغراف والممثل من جهة، والمتلقي/القارئ من جهة ثانية. وكاشفاً في مستوى ثان عن المقومات الفنية والجمالية. <<فالفن بصفته منطلقاً للإبداع، والنقد بوصفه مسباراً جمالياً للفن، ومنهجاً من جماليات الفن وروحه المبدع لينتهي إلى تقديره والحكم عليه عبر وعي جمالي نقدي مبدع، لا يختلف عن روح الفن إلا في الشكل والمصطلح وآليات الوعي الجمالي.>>1

    مشاهدة عرض مسرحي يعني بالضرورة الاختلاف في إدراك دلالات علاماته حسب المحفزات الذهنية المتاحة للمتلقي، وأفق توقعاته الجمالية، وخلفيته الثقافية. ولكن أيضاً، حسب الأنساق المعرفية التي يستطيع العرض المسرحي أن يبثها في المتلقي. إن قراءة العرض الذي تتسم مشاهده بالكثافة في الدلالات، والتنوع في العلامات البصرية والسمعية واللسانية، واختلافها أحيانا قد تبرر القول بأن القراءات تكون مفتوحة على تأويلات رمزية، أو من خلال وجود مقاصد أُخَرَ <<إلى الدرجة التي تجيز القول بتعدد القراءات النقدية للعرض بعدد مشاهديه في الحاضر والمستقبل أيضا، ليس بدعوى فوضى الدلالة النصية، ونهائيتها التفكيكية، ولكن إقراراً بثرائها وانفتاحها.>>2

   إن عملية التلقي تختلف من متلق إلى آخر، ومرد ذلك إلى زاوية النظر المعتمدة في قراءة العرض، وإلى تأثير فعل مكوناته على المتلقي. إن الأمر إذن، يتعلق بـ <<“تأويلية الذات” Herméneutique du sujet، انطلاقاً من القاعدة والممارسة: “اعرف نفسك بنفسك” Connais-toi toi même>>3 وبالتالي، فمشاهدة عرض مسرحي يندرج مباشرة في “ثقافة الذات”. وبالرغم من الخصوصية الجماعية للفعل المسرحي؛ فإن “الذاتي” له تأثيره في هذا الفعل الجماعي. فـــ “الممثل” في نهاية المطاف “ذات” تختصر مكونات جماعية تتبدّى في المؤلف والمخرج والسينوغراف، ومصمم الملابس،  والمُجمّل، وتقني الإضاءة والمؤثرات الصوتية… فالتطهير بالمفهوم الأرسطي في جوهره كان يستهدف الذات “ذات المتفرج”، ويمارس تأثيره انطلاقاً منها.

   إن قراءة العرض عملية مركبة وشديدة التعقيد للاعتبارات التالية:

  • لأن الأمر يتعلق بإبداع لغوي معرفي لساني، منطلقه منهجي علمي، وغايته الإقناع الفكري والاشباع الجمالي، على إبداع بصري سمعي لساني يتسم بالزئبقية والتداخل بين أشكال تعبيرية متداخلة حدّ التشابك.

بـ- أن قراءة نص العرض المسرحي يمثل في جوهره قراءة لعديد النصوص، بدءً من نص الناقد نفسه على أساس أنه لا ينطلق من فراغ كما سبقت الإشارة قبلاً، ومروراً بنص المخرج، ونص الممثل، ونص السينوغراف، ونص الجمهور، وانتهاء بنص لحظة العرض التي لا ينبغي إغفالها. ولكل نص من هذه النصوص دور في إنجاح العرض أو إفشاله. وبناءً عليه، فالعرض المشهدي ليس سوى مكوّن من جملة مكوّنات تتضافر لتصنع الفرجة المسرحية.

وهو ما يُفهم منه أن أية محاولة لاستجلاء معنى العرض يقتضي استدعاء العلامات التي تؤلفه، ويتم التعامل معها على أساس أنها رمز/ رموز لعالم تخييلي، يُستوحى من وقائع، ولكن لا علاقة له بالواقع، لأن العرض المسرحي يتجاوز ما هو كائن إلى ما يمكن أن يكون.

  • ملخص المسرحية:
  • المشهد الأول: حوار ثنائي بين زوجين في موضوع الاستعداد لاستقبال المعايدين بمناسبة حلول عيد الفطر. الزوجة لم تتمكن من إعداد الحلوى، لكن الزوج طمأنها لأن كل زائر سيجلب معه طبقاً من حلوى العيد كما هي العادة (غادي يجبوا الحلوى ديالهم). حالة توتر وضغط نفسي يشتتان تركيزهما جعلت الحوار بينهما لا يحقق التواصل المنشود: (رجاء: شحال عندك في الساعة.؟ الصديق: باقي ما لبستش حوايجي. رجاء: معامن كتدوي. الصديق: راها… رجاء: داز وقت الصلاة: الصديق: باقي ما ودّنش. رجاء: اليوم العيد، – رجاء: إمتا؟). عبثية الحوار وعجز اللغة عن تحقيق تواصل بين الطرفين يورط المتلقي في البحث عن طرف خيط رفيع يجعله في قلب الحدث. فقد أبان الزوج المتقاعد الذي لا يكاد يدخر قرشاً واحداً من معاشه: <<راه باقي ما خلصنا حتى حد والمانضة سلات>>عن عجزه منذ بداية الحدث بطلبه العون: <<عاونيني>>، <<راك قلتي أو حسستيني بالعجز قدام أولادي>>

 بـ- المشهد الثاني يتطور الحوار ليشكل عنصر الزمان بؤرة الحدث؛ إذ أن انعدام التواصل بين الزوجين يعود إلى مفهوم كل منهما لعنصر الزمانnotion du temps : <<الصديق: نمشي نبيع الساعة… نشري شي حاجة نفرح بيها الوليدات. رجاء: ما يديها عليك حد… الزمان تبدل. الصديق: كنت شريتها غالية. رجاء: كلشي اليوم ارخاص… أجي تجلس.>> حالة ثانية: <<واش كتفلّى… معامن باغي تباوس. الصديق: مع الحاج المختار.. الحاج سليمان… الحاج بوشتى. رجاء: واش باغي تغفر عليهم في القبر.؟ الصديق: إمتى ماتو. رجاء: ياك أنت اللي غسلتيهم>> الشك في كون اليوم هو يوم العيد: <<ما منظنش اليوم العيد، رجاء: ياودّي راه اليوم العيد.>>

جـ- المشهد الثالث: في المشهد الثالث تتأزم الأحداث لتبلغ ذروتها في القطيعة مع الزمن: انقطاع خط الهاتف، خط التواصل مع الآخر (ابنه محمد الذي انقطعت أخباره بسبب الموت أو لسبب آخر.)

مرة أخرى يحضر الزمان في المشهد الثالث باعتباره الشخصية المركزية في صناعة الحدث، و التأثير على مجرى الحوار بين الزوجين. <<رجاء: علاش منين كنرد الرقاص الحالة ماكتبدلش؟ الصديق: واش نكون نسيت كلشي كما نسيت موت ولدي>>.  الزمان متحول ومتغير ولا يرجع القهقرى. <<رجاء: أجي نوقفها… ولا نرجعوها لأول مرة تلاقينا فيها: الصديق: واش غادي نوقفو وحنا ما قادرينش نوقفو حتى على رجلينا.>> ويتطور الحدث إلى مزيد من التأزيم، من العجز عن فهم ما يجري<<حتى نفهم ونفهمك>> إلى فقدان الاحساس بالذات وبالآخر، إلى السقوط في دوامة الانتظار، انتظار ما لا يأتي (العيد)، إلى فقدان الأمل في الآخر (معايدة الأهالي، عودة الأبناء…) والحنين إلى الماضي الذي لا يعود: <<الصديق: ما عمرهم يعرفو الحب اللي عرفناه.>> <<الصديق: نحيدو الساعة باش ما نعرفوش الوقت و نتهناو.>> وعلى الرغم من تحفظ الزوجة إلا أن الزوج أصر على موقفه بالقول <<ما غاديش تبقاي تسمعي الحس ديال الزمن… غادي ترتاحي>>.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: لماذا يمثل الزمن عنصراً مؤثراً على الزوجين،؟ ولماذا يبدوان عاجزَيْن عن رفع راية التحدي: <<رجاء: الخوف ديما حاضر (تشير إلى دماغها). الصديق: علاش،؟ رجاء: حيت ما بقاش عندنا علاش غانعيشو؟ كملنا مفهوم الحياة.>>

  • الشخصية المسرحية في “الرغاية“:

   إن البنية الذهنية للشخصية المسرحية تتبدّى في أبعادها الثلاثة: البعد الفيسيولوجي، ويراد به هيأتها الجسدية وملامحها الخارجية التي تمثل بعدها المادي الذي تواجه بها المشاهد. البعد السوسيولوجي ويرمي إلى تحديد موقعها الاجتماعي، ومن ثمة معرفة خصوصيتها الثقافية، وموقعها الاجتماعي، والتالي رؤيتها للعالم على أساس أن الموقع هو الموقف. وأما البعد السيكولوجي فهو بمثابة المحرار الذي يقود إلى ضبط توترات الحالة النفسية، وردود الفعل الغير المفهومة، والغموض الذي يلف بعض أقوالها وأفعالها. وإذا كان البُعدان الأول والثاني يساعدان بصريا على رسم معالم الجسد، وتحديد الانتماء الطبقي والمكانة الاجتماعية؛ فإن البعد الثالث يعتبر الأساس رسم ملامح الشخصية المسرحية من حيث سلوكها، وطريقة تفكيرها، وانفعالاتها، ومركبات النقص فيها. 

 الشخصيتان في مسرحية “الرغاية” بدتا غامضتين، عاجزتين بسبب التوتر الذي لازمهما.  وهو ما أضفى عليهما كثافة درامية، وارتقي بهما إلى مستوى الشخصيتين اللانموذجيتن اللتين ليس من السهل تكرارهما، وأسهم بالنتيجة في رفع حرارة المشهد، وفي شدّ اهتمام المتلقي، وجذب انتباهه. وفي ذلك يكمن سر نجاح “الرغاية” كعرض مسرحي. لا شك أن المخرج السيد عبد العزيز الطيبي وهو يصوغ النص المسرحي، كان يستحضر مكونات العرض. وأن صورة الشخصيتين المسرحيتين: “الصديق” و”رجاء” كانتا قد اختمرتا في ذهنه قبل أن يخرج النص إلى الوجود. ولا جَرَمَ أيضاً أنه عانى من مخاض عسير لحظة إخراجهما إلى الوجود. ومما لا ريب فيه أنه نفض يديه منهما، وترك لهما مسؤولية اختيار مصيرهما.

  • الحوار:

   من المسلّم به أن العرض المسرحي لا يمكن أن يتحقق إلا بالحوار. فهو الذي يعبر عن أفكار الشخصيات، ويكشف عن نواياها، ويحدد مواقفها، ويفضح خباياها، ويجعلها عارية بدون ورقة توت أمام الحقيقة؛ بل إلى أبعد من ذلك قد يكون الحوار مدخلاً إلى جذب اهتمام المتلقي باعتباره الطرف الثالث في الحوار، والمعني الأول بما يدور بينها. فهو ليس مجرد حوار بين الشخصيات وحسب، وبواسطته يتحقق التواصل مع المشاهدين. وبالحوار يتم ضبط إيقاع الحدث. فلكل كلمة وجملة وعبارة دورها في الحبكة المسرحية. ويتحقق ذلك على المستويين: البصري والسمعي.

أ- الإيقاع البصري: كل مسرحية تتضمن فصولا ومشاهد. وكل واحد منهما له سنوغرافيته التي تلائمه. وعلى الرغم من ثبات الطاولة والمقعدين في وسط الركح، إلا أن صيرورة الزمن جعل المكان متغيراً باستمرار في ذهن المتلقي: الاستعداد لاستقبال المعايدين بعد صلاة عيد الفطر في المشهد الأول. العجز عن ضبط مفهوم الزمن؛ إذ كانت نهاية الفصل الثاني مفجعة تنم عن حجم الرعب الذي يسكن  الزوجين : <<الصديق: حتى أنا مين كنفكر في الموت كنخاف. رجاء: كنت خايفة  إلى متُّ تتزوج مورايا. الصديق: يا ودي غادي نبقى خلا.

بـ- الإيقاع السمعي: يتمثل في الملفوظ الكلامي والمؤثرات الصوتية المصاحبة التي ليست سوى رنات المنبهات، وآهات حزينة ساهمت رسم معالم صورة صوتية مع الصورة المرئية. في ردود فعل  جمهور المشاهدين التي يعتبر مكوناً مؤثراً وحاسماً في ضبط الإيقاع العام للحبكة التي وصفها أرسطو طاليس بـ: <<نواة التراجيديا التي تنزل منها منزلة الروح.>>4 وقد بدا منذ اللحظات الأولى للعرض أن الأمر يتعلق بمغامرة تجريبية في مجال الإخراج؛ إذ عمد المخرج إلى إيلاء الحوار أهمية قصوى في العرض، تتخلله تعابير صامتة، جسدية وميمية. وفي ذلك دلالة على الدور المركزي للممثل. فقد بدت الممثلتان البارعتان صابرين بوعقلين (الزوج) وخولة الرواد (الزوجة) في صراع ذي مستويين: صراع على مستوى الذات: (الزوج) حالة انفصامية بنفسية مهزوزة. وكل ما يصدر عنه عبارة عن تساؤلات غامضة بدون أجوبة شافية. وصراع على مستوى الواقع: ويتبدّى في تيهه الظاهر في المكان، وانتهى إلى شخصية لا زمانية بالنتيجة: <<الصديق: علاش،؟ رجاء: حيت غادي نتعطلوا. الصديق: علامن؟ رجاء: على الصلاة. الصديق: الصلاة؟ رجاء: ديال العيد)    

 5- مفهوم الزمن في مسرحية “الرغاية”:

          تمثل المنبهات التسعة التي تستأثر بخلفية الفضاء الركحي بؤرة الحدث. منبه كبير الحجم يمثل واسطة العقد، بين أربعة يساراً، ومثيلتها من جهة اليمين، ترمز إلى الزمن الماضي الذي يجثم بكلكله على الحاضر ، وإلى الآتي الذي يراد به الدلالة على الخوف من المجهول. لقد كانت عقاربها ناطقة بلغة بليغة تَحوَّل معها الملفوظ الكلامي بين العجوزين إلى مجرد صدى لصوت اللاشعور.

      حتى التعبير الجسدي المتمثل في رقصتهما الثنائية في المشهد الثالث كانت على إيقاع رنات المنبه الكبير. لقد شكلت دقات عقارب المنبهات التسعة تحدياً قائماً للعجوزين اللذين بَدَوا عاجزَيْن عن صنع الحدث. وكلما ازدادت دقات المنبه كان في ذلك إيذان باقتراب توقفها عن الرنين. إنه الزمن النفسي الذي يتداخل فيه الشعور باللاشعور. وقد برز ذلك من خلال السواد الذي كان يلف الركح باستثناء بقعة الضوء التي تجري فيها الحوار. إن الشخصية المسرحية الثالثة المتمثلة في المنبهات لا تبدو مستقلة بذاتها، فهي دلالة على الحالة اللاشعورية للزوجين  : <<الزوج: نمشيو لدار العجزة… على الأقل… ما نبقاوش بوحدنا… ونكونو جماعة كنراقبو إمتى توقف الساعة.>> 

6- جمالية البناء السينوغرافي:

             من المعروف أن السينوغرافيا تهتم بتأطير الفضاء الدرامي بالأنساق الثابتة والمتغيرة والمتحركة، وبتشكيل فضاءاته المشهدية لبناء نسق متناغم  بين مكونات العرض. إن الأمر يتعلق بفن وعلم في ذات الآن. وهو ما يحتم على السينوغراف أن يكون ذا خلفية معرفية وجمالية بالمكان الركحي، وأن ينطلق في عمله من روح إبداعية في قراءة النص الأدبي المسرحي بهدف تشكيله بمجموعة من العلامات البصرية  والسمعية بغاية تشكيل رسالة العرض من جهة، والايحاء بالمؤشرات السيميوطيقة والمرجعية. وهو ما يفرض عليه الاستعانة بعديد الفنون والعلوم كالتصاميم الهندسية والمقاسات الحسابية للحيز الركحي باعتباره دالاّ يملك مدلولاً، يحيل على مرجع هو المكان الدرامي، كل ذلك من أجل إشباع الحاجة الجمالية للمتلقي، وإضفاء حالة من التأثرية الشعورية لديه.

   إن سيميائية المكان لا تقتصر على المسرح وحسب، فقد تحيل على أي إبداع فني يرتبط بمكان ما كاللوحة التشكيلية على سبيل المثال لا الحصر؛ إلا أن العلامة المكانية المسرحية تتميز بكونها تحيل على مكان/أمكنة أخرى متخيلة تجد صداها في المكان الدرامي الذي تتفاعل فيه الأحداث وهو ذهن المتفرج. وهنا يكمن واحد من أهم مميزات المسرح الحداثي الذي يتأسس على إسقاط مبدأ الإيهام الذي ساد في المسرحَيْن الأرسطي والكلاسيكي الغربي. وبناءً عليه، فالإعجاب بالأنساق البصرية المكانية في المكان الركحي قد يثير لدى المتلقى شعوراً جمالياً يلبي الحاجة إلى التذوق الفني، ولكن من دون أن يكون سببا في الإحالة على الواقع. وهو ما نجح فيه المخرج الفنان عبد العزيز الطيبي حين عمد إلى تفقير الفضاء على الرغم من أن الحدث يحيل على مناسبة عيد. وفي ذلك انسجام مع جملة من السمات التي نجملها في الآتي:  

  • الفوضى واللامنطق: يبدوان جلياً أكثر على مستوى اللغة المتبادلة بين الزوجين، فكل واحد منهما يتحدث لغته الخاصة. وكل مسعًى إلى مد جسور تواصل مع الثاني تنتهى إلى اللاتواصل. فقد بقي كل منهما طوال المشهدَيْن الأول والثاني في حالة قطيعة؛ إذ راوحت الزوجة الجناح الأيمن côté cours فيما لزم الزوج الجناح الأيسر côté jardin، ويفصل بينهما طاولة ومقعدين. وعلى الرغم من أنهما لم يحيدا عن المستوى الأول من الركح premier plan إلا من أجل معاينة المنبه في وسط الخلفية، بعدما فُقِدَ معنى الزمن من حياتهما <<الصديق: صمنا رمضان وكمّل. رجاء: أنت ما صمتيش. الصديق: ما يمكنش.>>؛ كانا في حالة انفصال مؤكدة على الرغم من رابطتي الحب والزواج اللتين تجمع بينهما. حاولا عبثاً أن يجدا لنفسيهما معنى في عالم بلا معنى. فقد انتظرا معايدة يوم العيد، لكن لا أحد سأل عنهما. وهو ما يؤكد أن اللاتواصل بينهما مجرد انعكاس لعالم زائف تنعدم فيه قيم التآزر والتعاضد.  

بـ- الصراخ والهذيان: <<الصديق: ياك اليوم العيد.. تكلموا معك أو قالوهاليك.. رجاء: ألاّ.. أنا غير قلت معا راسي.. ضروري يجيو.>> يتمثل الهذيان في الاستفسار عن شيء غير مفهوم أو غير مؤكد. تلك حالة الصديق العجوز الذي لا يكاد يجد جواباً شافيا عن تساؤلاته المتناسلة باستمرار بسبب غموضها أو فقدانها للمبرر السياقي. إنها محاولات عبثية منه لاستعادة الثقة المفقودة، واسترجاع التوازن النفسي في مواجهة عدوانية واقع لا يرحم.

جـ- العبث والجنون: <<الصديق: واش شفتِ الشهر؟ رجاء: سمعت البارود. الصديق واش العيد هو البارود… ياك هو الشهر والزغاريت. الصديق: مكنظنش اليوم العيد؟ رجاء: علاش؟ الصديق: حيث ما دخل عندنا حد.. ما غفر علينا حد.. واش أنا خرّجت الفطرة.؟>> إذا اعتبرنا أن مسرح العبث يعكس واقعاً اجتماعيا معيناً، فإن مسرحية “الرغاية” ليست سوى صورة عارية لحياة زوجين في حالة صدام مزمنة مشروطة ببقاء المبرر الموضوعي له (البحث عن الانسجام العاثر مع الآخرين (الجيران والأبناء).  

د- العزلة والوحدة: كثيراً ما ساد الحوار فترات صمت كلما تعلق الأمر بحالة انتظار، انتظار الذي لا يأتي.  فقد انتهت الأحداث من حيث بدأت، ذلك ما عبر عنه الزوج في يأس وقنط بقوله: <<ستانينا ما فيه الكفاية.>>  لقد شكل حلم العجوزين برؤية الجيران وقدوم الأبناء والأحفاد منفذاً إلى أغوار نفسيهما المنفصمة بين واقع مرّ وواقع محتمل. وفي ذلك رمز إلى عبثية الوجود والاكتواء المرير بالضياع. وهو ما يعكس غياب معنى حقيقي لواقع آلي يكرر نفسه باستمرار بدون أمل في الأفق، مما يكرّس الاحساس بالعزلة والفردانية الخانقة التي تحاصر الكائن داخل ذاته، وتفقده  الشعور بانتمائه الإنساني.

هـ- القلق والخوف:. يتخلل لغة الحوار أسلوب التهكم والسخرية الذي يعكس درجة الضغط النفسي للعجوزين بسبب الجزع الذي يرقى إلى مستوى اعتباره التيمة الأساسية في العرض. وهو ما انتهى بهما إلى تساؤلات ميتافزيقية عن ماهية الحياة، الموت، الزمن من دون أن يلتمسا لها جواباً. عجز عائد إلى لغة الحوار التي بدت عاجزة عن التبليغ والاقناع. لقد ظل كل من الصديق ورجاء يتساءل ويسأل من دون أن ينتظر ردّاً بسبب حالة اليأس الذي ولّد قلقاً وجوديا، وخوفا مرعباً من المجهول، <<رجاء: أمنيتي.. نموتو بجوج مرة واحدة. الصديق: هاذي اللي خايف منها. رجاء: علاش تخاف منها؟. الصديق: حيت غادي  نبقاو هنا حتى نخنازو، أو حتى واحد ما يجيب لينا خبر.>>

  • خصوصية اللغة في مسرحية “الرغاية”:

         إذا كانت لغة السرد الواقعي أداة تواصل وتفاهم كما هو الشأن في المسرح التقليدي حيث وظيفة اللغة محددة في كونها تعبير عن مضمون، وتعبير شفاف لمحمول مستقل عنها؛ فإنها في مسرح اللامعقول تفقد شفافيتها وتمسي كلاماً غامضاً مكتفيا بذاته لا علاقة له بمحمول .. وبدل أن تكون وسيلة باتت غاية في حد ذاتها. وعلى المتلقي في هذه الحالة أن يستنفر محفزاته الذهنية، ويستنهض طاقته المعرفية لفك شفرات أنساق سمعية كلامية باعتباره طرفاً مباشراً ومعنياً على أساس أن ما يجري على الركح ليس سوى صورة لما يكتوي بناره في اليومي.<<الصديق: قلت ليك جاوبيني.. (صمت).. إلى متّ في الصباح، ألاّ في الليل دفنيني مع الظهر.>> لقد نجحت الممثلتان صابرين وخولة في تحقيق مسافة بينهما وبين الشخصيتين المسرحيتين الصديق ورجاء، وقد بدا ذلك بيّناً في كون الخطاب كان خطابها، وليس خطابهما. لقد ترددت كلمات، وتراكيب على مدى كل النص ساهمت في تحديد الهوية السوسيوثقافية للشخصيتين المسرحيتين، جعلت المتلقي يعي جيداً أن الأمر يتعلق بتمثيل، وأن الإعجاب بصابرين وخولة كان بسبب اقتدارهما على استحضار الصديق ورجاء من دون التماهي فيهما، الذوبان فيهما. 

  • تراجي كوميدي أم عبث؟:

   المثير في مسرحية “الرغاية” أنها تضعك كمتلقٍ في ملتقى تيارين متضادين من حيث الهوية الدرامية: أهي تراجي كوميدي أم عبث؟، أو أنها جامعة بينهما.؟  إذا كان التراجيكوميدي يعرف بكون <<الشخصيات تنتمي إلى الطبقات الشعبية والأرستقراطية، مزيلة بذلك الحد الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا. والحدث الجاد لا يفضي إلى كارثة. والأسلوب يتأرجح بين الراقي والمنحط، بين ما هو لائق وفخم من التراجيديا، و المتداول والمبتذل من الكوميديا،>>5  وإذا كان العبث فهو << ما يبعث الاحساس بعدم الانسجام، وفقدان تام للمعنى أو الرابط المنطقي بباقي النص الدرامي أو العرض؛>>6 فإن العرض نجح في طرح تصور جديد يتجاوز الحدود الفاصلة بين هذا الجنس وذاك. فقد كانت النهاية كارثية لكنها اختيارية عن طواعية؛ إذ اختار الزوجان دار العجزة كملاذ أخير على الرغم من أنها مذمومة في ثقافة المجتمع المغربي. كما أنهما رضيا بالمصير الذي انتهيا إليه: تنكر الأبناء لهما ولو بمعايدة عبر الهاتف، وأخيراً الخوف من أن يداهمهما الموت، وتفوح منهما الرائحة النتنة. إننا أمام شخصيتين مسرحيتين لا يعيشان أي زمن بالمفهوم البيولوجي، أحال حياتهما إلى دائرة مفرغة من أي معنى، لأن الزمن إذا ارتبط بالشخصية فذلك يقتضي التسليم بوجود تاريخ، وتوقعات وآمال وأحلام قابلة للمنال؛ في حين ظل العجوزين الصديق ورجاء في عالم عبثي سمته الأساسية التشاؤم وفقدان الأمل، والقلق الروحي والوجودي، والانكفاء على الذات. شخصيتان ممكن أن يكونا كل شيء إلا منسجمَيْن مع الذات، ومتناغمَيْن معاً، متفاعلَين مع الواقع. 

على مستوى الحدث، فقد سبقت الإشارة إلى أن الحدث الأساس هو الزمن، وهو صابع الحدث والمؤثر في مجراها. في مقابل، ذلك بدت الشخصيتان منحازةً إلى التهويل إلى حد الهوس، وفي ذلك يكمن الطابع المأساوي. أما الطابع الكوميدي فيتجسد في التحضير للاحتفال بالعيد، واستقبال المعايدين، وفي التعبير الجسدي المتمثل في الرقصة المعبرة،  والمفعمة بالحنين إلى الذي مضى (الهوى والشباب). وهو ما أثر على الحبكة التي انحصرت في خط دائري (البقعة الدائرية البيضاء في وسط الركح)، محاطة بسواد في بقية أرجاء الركح. في ذلك دلالة على سوداوية العالم، وضبابية الواقع، واغتراب الذات.

  استطاعت مسرحية “الرغاية” أن تعبر عن موضوع محلي بتقنيات كونية، منطلقها هو اللامنطق في الحدث، ورهانها على اللامألوف في اللغة. وهما أسلوبان ينسجمان مع انهيار القيم، فوضى العالم الذي نحياها: ضجر الإنسان، تناقضاته مع نفسه، ومع ما يحيط به. لقد وفق المخرج المقتدر والفنان الموهوب عبد العزيز الطيبي في اعتماده الأسلوب الكوميدي المتهكم في ابتداع مسرحية تقوم على الإدهاش والإثارة الجمالية، واختراق الباطن الإنساني المنكسر ضمن وجود منكسر ووجود مأساوي. حاولت تجسيد الاغتراب والفردانية وعبثية الشرط الإنساني… وتلك هي خصوصيات دراما اللامعقول.

         إن مسرحية “الرغاية” لا ينتقد الواقع الاجتماعي كما قد يتبادر إلى  الذهن من خلال السخرية اللاذعة والأسلوب الساخر، بل تهتم بأساسيات مركز وجود الإنسان بعيدا عن انتمائه الطبقي أو محيطه التاريخي أو تفاصيل حياته اليومية. لقد تناولت تعامل الإنسان مع الزمن وما يصاحب ذلك من شعور بالضياع في المكان والزمان. وأبانت الممثلتان صابرين وخولة عن موهبة نادرة، وتميز متميز في التشخيص. 

الرحمن بن براهيم
د.الرحمن بن براهيم

هوامش:

*   “الرغاية” هو العرض الذي شاركت به “جمعية بصمة  جيل الإبداع” – جرادة في الدورة الثانية لمهرجان أضواء الخشبة الوطني بالمركز الثقافي الفقيه محمد المنوني بمكناس

(11-14 يوليوز2019). شاركت فيه فرق من الدار البيضاء، بن سليمان، مراكش، جرادة، أولاد تايمة وبرشيد.      

  • محمد مصطفى حسانين (تحرير وتنسيق وتقديم)، النص الأدبي القديم من الشعرية إلى التداولية، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع-الأردن، ط1-1439هـ 2018م، ص243
  • نفسه، ص243
  • ميشيل فوكو، ما هو النقد- ونصوص حول ثقافة الذات، ترجمة محمد ازويتة، دار أفريقيا الشرق- الدار البيضاء، 2018، ص23.
  • أٍسطو طاليس، كتاب الشعر، نقل أبي بشر متّى بن يونس القنائي من السرياني إلى العربي، تحقيق وترجمة شكري محمد عياد، الهيئة المصرية العمة للكتاب-1993، ص54
  • Patrice Pavis,  Dictionnaire du théâtre, Editions Sociales, Paris 1987, P 423
  • Ibid, P 21

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح