مسرحيات تونسية تزور مدارس الأرياف وتؤسس لثقافة الأمل

 

المسرح فعل فني جماعي، لكن لطالما ارتبط بمراكز المدن، وهذا فيه نوع من التقصير في انفتاح الفعل المسرحي ثقافيا وجماليا وفنيا على بيئات أخرى، وهو ما بات يترسخ أكثر فأكثر في العقود الأخيرة، في محاولة من المسرحيين لاستعادة أدوارهم التنويرية والثقافية وحتى التعليمية والترفيهية وخاصة الاجتماعية والسياسية، إذ المسرح فن جامع. ووفق هذه الرؤية انفتح مركز الفنون الركحية والدرامية بمحافظة سليانة التونسية على مدارس الأرياف ليقدم فيها الدورة الأولى من مهرجان “مسلك المسرح”.

اختار مركز الفنون الركحية والدرامية بمحافظة سليانة التونسية مسارا آخر لفعالياته ونشاطاته فعلاوة على إنتاجه لعملين مسرحيين موجهين للأطفال، لم تقتصر أنشطة المركز على المسرح وإنما انطلقت إلى الأدب التونسي مع تظاهرة “أنا كاتب” التي تستضيف أهم الكتاب التونسيين، وإلى القراءة المسرحية والحفلات الموسيقية التي تقام من الشرفة، والورشات التكوينية الموجهة للشباب، وقدم هذه الأيام تظاهرة جديدة بعنوان “مسلك المسرح”.

ينظم مركز الفنون الدرامية والركحية بسليانة الدورة الأولى لتظاهرة ”مسلك المسرح”  التي تنطلق يوم السادس من أكتوبر الجاري لتتواصل إلى غاية التاسع منه في مختلف جهات محافظة سليانة وبمشاركة بقية المحافظات التونسية ممثلة في مراكز الفنون الدرامية والركحية.

صالح الفالح: المهرجان يجعل المسرح مسألة عضوية وغذاء للفكر والوجدان

برمجة ثرية

على عكس التظاهرات المسرحية المعتادة في قاعات العرض أو مراكز المدن أو حتى شوارعها، اختار القائمون على المهرجان الذهاب بالعروض المسرحية والفعاليات المصاحبة إلى المناطق الداخلية وتحديدا إلى مدارس الأرياف، حيث اختيرت العروض في أغلبها من مسرح الطفل واختارت جمهورها من هذه الفئة، تأسيسا لحراك مسرحي مختلف يبدأ من الأعماق، ولا يكتفي بالفعالية الآنية والاحتفالية وإنما يؤسس لمسار آخر يطمح إلى أن يكون دائما ويرسّخ الفعل المسرحي لدى الأطفال قبل غيرهم.

ويقترح المهرجان في دورته الأولى برمجة فنية متنوعة تراوح بين الموسيقى والأعمال المسرحية الموجهة للطفل. ووفق ما جاء في بيان المركز يفتتح اليوم الأول للمهرجان بعرض مسرحية “تعويذة قرقورة ” إنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بزغوان وذلك بالمدرسة الابتدائية الحذايقية على الساعة العاشرة صباحا، كما يستمتع تلاميذ المدرسة الابتدائية بالدليوات بعرضين الأول موسيقي بعنوان “تجليات موسيقية” للفنان عادل بوعلاق، والعرض الثاني مسرحي بعنوان “كن ربيعا” لمركز الفنون الدرامية والركحية بجندوبة.

ويستهل المهرجان يومه الثاني  الخميس السابع من أكتوبر 2021 بعرض تجليات موسيقية بالمدرسة الابتدائية وادي الرمل وتختتم بعرض مسرحية “يد بيد” لمركز الفنون الدرامية والركحية بصفاقس، أما عروض يوم الجمعة الثامن من أكتوبر والتي وقع برمجتها بالمدرسة الابتدائية بوعبدالله فتقدم أيضا فقرة تجليات موسيقية وتختتم بعرض مسرحية “أفان” إنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بسليانة.

وتختتم عروض المهرجان يوم السبت التاسع من أكتوبر 2021 على مرحلتين، الأولى صباحية ستكون في المدرسة الابتدائية عين الديسة حيث يقدم عرض مسرحية “طائر الفينيكس” لمركز الفنون الدرامية والركحية بالمهدية، فيما تدور بقية الأنشطة وعروض الاختتام مساء في المنطقة الأثرية جامة وتستهل بندوة فكرية بعنوان “مسرح الطفل في تونس بين ما هو كائن وما يجب أن يكون” يقدمها كل من المخرج المسرحي عماد المي والناقدة والكاتبة المسرحية سهام عقيل، ليختتم التظاهرة إثرها بعرض من موسيقى الجاز للفنان المنصف بن مسعود، يليه عرض مسرحي بعنوان “حنبعل فري فاير” لمركز الفنون الدرامية والركحية بمنوبة.

وكما جاء في بيان المهرجان فإن الانفتاح على المدارس الابتدائية في قرى محافظة سليانة وأريافها تجربة مختلفة عن نظائرها، تجربة تقوم على رؤية فنية وفكرية تدعو الحالمين الصغار إلى الأمل.

وفي تصريح لـ”العرب” يؤكد المخرج التونسي ومدير مركز الفنون الدرامية والركحية صالح الفالح أن المركز هو الفكرة، المشروع، أحدث ليكون الاجتماع حولها، فيكون الفعل والعمل والبحث والأثر. المركز هو تأسيس لفكرة المجموعة وإعادة الاعتبار لها، باعتبار أن المسرح هو تعايش الأفراد والأفكار والألوان. فهو إطار استيعاب للمعاني والأنساق المتنوعة أي الأفكار الحرة. هو مجال يستأنس له الشباب فكرا وطاقة وعواطف.

المركز أيضا أكاديمية مفتوحة أبوابها للبحث والمختبرات والتوثيق والدراسات والإنتاجات يدخلها الكل، وأيضا تتنقل إليهم باعتبارها فكرة تبحث عن مساحة في عقل المتلقي وإحساسه. لذلك فهي مشروع مجتمعي.هكذا المركز هو افتراض وحتمية للتحقق.

الذهاب بالمسرح إلى المدارس الريفية إشارة إلى أن المدرسة هي فضاء لتعلم معاني المواطنة والقيم النبيلة

الثقافة فعل جماعي

ويقر الفالح أن انفتاح المهرجان المسرحي الجديد يأتي تجاوزا للتهميش، فسليانة كأغلب المحافظات التونسية عرفت تاريخا من التهميش والنسيان وغياب الدولة، باعتبار أن السياسات السابقة والمتتالية هي سياسات للزينة والإخفاء والمركزية. لذا تأتي التظاهرة لتعيد الاعتبار إلى ما همّش بوعي أو عن غير وعي.

تسأل “العرب” صالح الفالح حول أهمية الانتقال بالفعل المسرحي من الخشبات والفضاءات المعتادة إلى المدارس في الأرياف، وأي رسالة يريدون إيصالها، ليجيبنا “الذهاب بالمسرح إلى المدارس الريفية إشارة إلى أن المدرسة هي فضاء لتعلم معاني المواطنة والقيم النبيلة، هذه المدرسة العمومية التي خرج منها الشعراء والكتاب والمسرحيون، هذه المدرسة التي ساعدت على الذهاب نحو تحديث المجتمع” .

ويضيف الفالح “المدرسة اليوم في حاجة إلى ضوء لتكون مكانا وفضاء يدخله الطفل ليتعلم ويفكر ويحب أرضه لينتج لهذا الوطن الأمل. هذه المدرسة التي تنتظر وقفة حقيقية لإعادة الاعتبار لها ومساندتها لتصمد من أجل جيل آخر، من خلال تطوير مناهجها وإطارها وظروف عملها حتى تنير العقول وتفتح نافذة ما للفن”.

وحول انتظاراتهم من الدورة الأولى للمهرجان، والأهداف التي يريدون تحقيقها، يقول الفالح في حديثه مع “العرب” إن “هذا المهرجان يحتفل بالمسرح والطفل والمدرسة والريف، ويذكّر بهؤلاء ملح الأرض وحقهم الطبيعي في الفن عموما والمسرح خاصة. إضافة إلى أشياء أخرى حياتية تسهل لهم حياتهم، هذا الريف الجميل مكان للحفل والرقص والفرح، أطفاله حالمون، والأثر المسرحي يذهب إليهم من أجل أن تصبح الحياة محتملة وممكنة، إنه مهرجان الأمل، إنه مهرجان الأرض والزراعة، مهرجان الحياة”.

ويضيف “يطمح هذا المهرجان إلى جعل المسرح مسألة عضوية كالخبز. بل هو غذاء آخر للفكر والوجدان. وإن إقامة مهرجان ليس مجرد تقديم عروض فقط بل هو مشروع فكري يتحقق عبر مراحل. هذا المهرجان في نسخته الأولى ميثاق وعقد بيننا وبين السكان هناك. لذا في سنواته القادمة سيكون احتفالا كبيرا بين المسرح والموسيقى والرقص في المدرسة ومع الأهالي، علاوة على إقامة للفنانين وسهرات في الجبال أين تسكن المجموعات البشرية التي لم يكن يصلها الفن”.

Thumbnail

وتتطرق “العرب” مع الفالح إلى الحديث عن المصاعب التنظيمية التي واجهتهم، وكيف يمكن تجاوزها، ليقر المخرج التونسي بأن الفعل الثقافي هو فعل جماعي بالأساس كما المسرح، لذلك يكون عمل الفرد دائما منقوصا من شيء ما، نتيجة حدود وصعوبات مادية وبشرية ولوجستية.

ويتابع “إن الحلم هو تقديم العروض في ظروفها كما في العاصمة أو المدن بتقنياتها الحديثة لذلك سنعمل في السنوات القادمة من أجل وضع منصات مجهزة وخيمات في كل الأمكنة وإقامات للفرق والمتدخلين من فنانين ولقاءات بين الفنان والجمهور، لقاء حي ومباشر حديث وحوارات لفهم هموم ومشاكلهم وأحلامهم”.

ويلفت الفالح إلى أن هذه السنة هي سنة التأسيس لذلك يدعو الجميع في هذه الجهة وغيرها من أفراد وجمعيات ومؤسسات إلى المساهمة في هذا الفعل الثقافي لأن المشروع الثقافي يتسع للكل، يكبر وينمو بالحركة الجماعية التي يلتقي فيها المسرحي بالشاعر والرسام والموسيقى والمواطن، خاتما قوله “اذهبوا إلى سليانة هناك ناس لطفاء”.

العرب

محمد ناصر المولهي

https://alarab.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح