مسرحك في بيتك – عبدالرزاق الربيعي #عمان

إلى أي حدّ أثّرت الجائحة في تعطيل الحراك المسرحي؟ سؤال يطرح علينا، بين وقت وآخر، حين نراجع واقع المسرح في ظلّ الجائحة، خصوصا عندما نحتفل بمناسبة عزيزة علينا كيوم المسرح العالمي الذي يوافق 27 مارس من كل عام، ومن غير الواقعي أن نقول إنّها لم تؤثّر، فما يطال الحياة العامّة، يطال المسرح كونه مظهرا من مظاهرها، بل إنّه المظهر الأكثر تأثّرا، بعد أن فرضت الجائحة نظاما، وآليّة تسير عكس اتجاه المسرح، وأعني: آليّة التباعد الاجتماعي، بينما جوهر العمل المسرحي يقوم على التقارب، ومن خلال الحوار المباشر يساهم في بناء وعي، ونشر ثقافة، وتقوية العلاقة التواصليّة بين الخشبة، والجمهور العريض لرفع مستوى وعي الشارع، وبثّ رسائل جماليّة، وتثقيفيّة، وذلك منذ بدايات انطلاقه في اليونان القديمة، وحتّى قبل ذلك كونه ظهر كطقس احتفالي يقوم على لقاء الجماعة، حوالي سنة 490 ق.م، كما يرى اردايس نيكول في كتاب “المسرحية العالمية”، مع علمنا أنّ ما جرى تقديمه قبل ذلك هو أقرب ما يكون للطقوس الدينية، ومنذ ذلك الوقت، لم يضع المسرح نفسه داخل إطار، بل يظلّ يعمل خارج الأطر، ولم يتوقّف عن مواجهة التحدّيات، وتطوير أدواته، فتاريخ المسرح يحدّثنا عن تلك الأشواط التي قطعها، عندما كان الشعراء ينظمون قصائدهم، ويلقونها في الاحتفالات بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، ثم انفصل رئيس الفرقة، فجرى تحويل السرد الى تمثيل، وفي القرن السادس “ق.م” أضيف ممثل آخر واستخدمت الأقنعة، وجاء “سوفوكليس” سنة 470 ق.م ليضيف دوراً ثالثاً للدورين، وفسح المجال لظهور الممثل المحترف، في نقلة أحدثت تطوّرا عما كان عليه أيام سخيلوس الذي كان يقوم بوظائف متعدّدة، فتفرّغ للكتابة، وأنجز”120″ مسرحية وصل منها سبع مسرحيات فقط !، وجاء “يوربيديس” في فترة كانت تعيش فيها “أثينيا” حرباً مع “سبارطة” فجنحتْ أعماله للواقعيّة، تبعه “ارستوفان” المولود سنة 448 ق.م حين قدّم أعمالا كوميدية، واستمرت عجلة تطوّر المسرح، حتى ظهور المسرح الحديث، مع بدايات القرن التاسع عشر، وصار المسرح مسارح، واتجاهات مختلفة، ومتعدّدة، ونظريات، وجاء شكسبير، وهنريك أبسن النرويجي الذي بفضله ظهرت الدراما الواقعية المعاصرة حتى لقُّب بـ”أبي المسرح الحديث”، فيما عدّ الألماني بريخت أهمّ كتّاب المسرح في القرن العشرين، وإلى اليوم التطوّرات مستمرّة، لأن المسرح ارتبط بالإنسان، وقضاياه، واستمدّ موضوعاته من واقعه، لذا، علينا الّا نستغرب ظهور مسرح “الفضاء الالكتروني” رغم الجدل الذي جرى بين المسرحيين بشأنه، لدرجة أن هناك من رأى فيه “بدعة”، لكن د. جبار خماط حسن لم يلتفت لتلك المخاوف، منذ الأيام الأولى لتفشّي الجائحة، أطلق مشروع “مسرح ديليفري” تأسيسا على فرضية: “المسرح يأتيك إلى بيتك”، فنظر بعين متفائلة للأزمة، تقترب من عين د. علاء عبدالعزيزالذي رأى أنّها “ستتمخّض عن شكل تجريبي من حيث إنّ الأزمات حاضنات للتجريب” وهو حقل مفتوح للتطور الإنساني، خصوصا أنّ تلك الحلول الافتراضيّة جاءت لردم الفجوة التواصليّة بين العاملين في حقل المسرح من جانب والجمهور من جانب آخر، وأملت علينا تطوير أدواتنا، وأن نقرأ، ونتحاور، ونقيم ورشا تدريبية، كما فعلت فرقة مسرح هواة الخشبة بعد أيام من الإغلاق الكامل في العام الماضي، ونكتب نصوصا مسرحية، وبحوثا، والتواصل مع المسرحيين العرب، من خلال تنظيم لقاءات افتراضية، وندوات، ومهرجانات كما رأينا بمهرجان جامعة صحار للمسرح في دورته التاسعة، محليّا، والأولى عربيّا، وهذا إنجاز يحسب له، ولم لا؟ مادام الفضاء الإلكتروني مفتوحا والمسافة الالكترونيّة التي تفصلنا عن الذي يجلس أمام حاسوبه في الغرفة المجاورة، هي المسافة نفسها التي تفصلنا عن آخر في أقصى نقطة بالكرة الأرضية، وهذه من نعم التطور التقني الإلكتروني، الذي من نعمه أيضا أن المسرح يأتيك إلى بيتك!

عبدالرزاق الربيعي

https://www.omandaily.om/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح