“مرتجلة الشرق” مغامرة تجريبية مغايرة في كتابة مسرحية ارتجالية د.عبد الرحمن بن إبراهيم

“مرتجلة الشرق” مغامرة تجريبية مغايرة في كتابة مسرحية ارتجالية

د.عبد الرحمن بن إبراهيم

      قراءة في العرض المسرحي “مرتجلة الشرق” للدكتور مصطفى الرمضاني

 

  • مؤلف النّص باعتباره مخرجًا للعرض:

      يمثل النص الدرامي الهُوية المعرفية للفعل المسرحي، فهو بمثابة بطاقة تعريف للعرض المسرحي، ومنه يستمد المخرج مقومات الرؤية الإخراجية، ومنه يستوحي الممثل التعبيرات الأدائية. بهذا المعنى فالأنساق اللسانية النصية تمثل قنطرة تواصلية، من حقل الملفوظ الكلامي إلى شفرات بصرية سمعية، يتم بموجبها تبليغ الرسالة إلى المتلقي. وبمقدار ما يتحقق التواصل يحصل التفاعل بين طرفي العرض: الممثل (المرسِل)، والمتلقي (المرسَل إليه).

   حين نُشاهد عرضًا مسرحيا لنص سبق أن قرأناه من قبل، وحين يكون هذا العرضُ لمخرج هو بالذات من أَلَّفَ النص، ففي هذه الحالة فنحن أمام عرض ذي خصوصية مركبة. فالذي ألَّف النص ليس هو ذات من أخرجه على أساس أن الكتابة الإبداعية على الورق لا علاقة له بعملية الخلق الإبداعي على الخشبة، التي يتم بموجبها تحويل كلمات ثابتة ومعزولة بين دفتي كتاب إلى حركة نابضة بالحياة أمام جمهور.

   إن المؤلف حين يكتب فهو يمارس طقسًا فرديًّا لاإراديّا في لحظة مخاض يحضر فيها الإلهام في حالة فيض شعوري تنتهي فصوله بصرخة حياة النص، واستوائه حيًّا مستقلاً قائم الذات. بهذا المعنى فالمؤلف وهو في خلوته الخَلْقِيَّةِ لا يستحضر سوى عالمه الرؤيوي التّخييلي.  ويكتب بدافع الكتابة أولاً، حتى لو كان يُمنّي النفس بأن يرى مخرجًا أو مخرجين يتهافتون على إبداعه، وبأن يشاهد كائنه النّصّي وقد استوى عرضًا حيًّا على الرّكح.  

  أما المخرج المسرحي، فحتى لو كان مؤلف النص الذي هو بصدد إخراجه، ـ حالة مصطفى الرمضاني في مرتجلة الشّرق ـ فهو شخص آخر على أساس أن طقوس الكتابة الأدبية الدرامية لا علاقة لها البتّة بالكتابة المسرحية. فاللغات المتاحة في الإخراج المسرحي تفوق بكثير أحادية اللغة الكلامية الأدبية؛ ومن البديهي أن يصير النص مجرد مكون من عديد مكونات أخرى. إن الأمر يتعلق إذًا بعمليتي تفكيك

 وتركيب وفق رؤية فنية إخراجية تعيد تشكيل العالم بما يستجيب لانتظارات المتلقين، استنادًا إلى خلفية معرفية تعكس ثقافة المخرج، وتجربتة الميدانية، وخلفيته الإيديولوجية.

   إن الأمر لا يتعلق بالرأي النقدي القائل بـ “موت المؤلف”، و”سيادة المخرج”. ولا بالإشارة إلى فكرة “مسرح العرض” في مقابل “مسرح النص”ـ Théâtre texte، اعتقادًا منا أن كلاّ منهما يستدعي الآخر ويستحضره، واقتناعًا منا كذلك باستحالة بناء عرض بدون الاستناد إلى نص حتى ولو تعلق الأمر بمجرد إعداد، بصرف النظر عن طبيعة المقاربة الإخراجية المعتمدة. ونسوق مثال قسطنطين ستانيسلافسكي صاحب مدرسة الممثل الذي كان يرى في نصوص أنطون تشيكوف Anton Tchekhov (1860ـ 1904) مصدر إلهام ومحفزًا على الإبداع في العملية الإخراجية.

   وعلى الرغم من ظهور الشعريات الجديدة التي أحدثت ما يمكن اعتباره ثورة في الإخراج المسرحي، وانقلابًا في مفهوم النظريات الإخراجية، مثلما فعل السويسري أدولف آبياـ Adolphe Appia (1862ـ1928) رفقة الإنجليزي إدوارد كوردن كريج ـ Edward Gordon Caig (1872ـ1966) حين حوّلا الفضاء المسرحي إلى مختبر تجريبي للتقنيات الجديدة؛ ممّا جعل الخاصية الجمالية تؤسس لمفهوم جديد حولت السينوغرافيا بمقتضاه إلى علامات ايحائية ورموز بليغة من خلال لغتها البصرية على الخصوص، وهو ما سوف يفقد الملفوظ الكلامي مبرّره، ويمسي غير ذي جدوى. إن الأمر إذن يتعلق بلغة مسرحية مكوناتها أنساق بصرية وسمعية وشمّية باعتبارها شفرات تواصيلة ذات دلالات مرجعية متوافَق عليها.

2ـ المرتجلة والارتجال في المسرح المغربي:

 

   ما ينفرد به العرض المسرحي كونه أداءً مركبا   يسعى   وباستمرار إلى تحقيق فرجة مغايرة للسائد،

متجاوزة للمألوف، وباحثة باستمرار عن مناطق بكر غير مأهولة. إن إبداعية الفعل المسرحي تتمثل في سعيه الدائم إلى ما هو جمالي المتمثل في المدهش والمختلف، باعتباره بنية محايث للتاريخ لأنه يعيد صياغته في قالب يعيد اكتشاف الحياة من خلال الماضي، ومشاكس في الواقع لأنه يتقن فن هندسته في صيرورة درامية تستنطق الوقائع باعتبارها امتدادًا للتاريخ، واستشرافًا للمستقبل. وعلى الرغم من أن سلطة الفعل المسرحي محدودة؛ إلا أنها تملك قدرة اختراق هائلة على إذكاء التأثير الجمالي، وعلى خلق لحظات سرمدية من داخل الزمن المحسوس.

 وتمثل المرتجلة حقلا تجريبيا بامتياز، ومغامرةً مفتوحة على آفاق رحبة لاعتبارين:

أـ أنها من جهة تتجاوز ـ بحكم طبيعتهاـ حدود الأساليب المعتادة في الكتابة الدرامية والمسرحية، وتتخذ من قضايا المسرح والمسرحيين مادة وموضوعاً.

بـ ـ اعتبار “المرتجلة” تجسيدًا لتطلعات المسرح الحديث والمعاصر في سعيه الحثيث للفكاك من هيمنة القواعد الأرسطية، ولتجاوز القواعد الصارمة في الكتابة الدرامية الكلاسيكية وذات النفس الكلاسيكي، ولتفجير العرض المسرحي التقليدي من الداخل.

جـ ـ أنها تمثل ذاتها Autoreprésentation، ولا تحيل سوى على نفسها Autoréférentialité. وقد سعت الحداثة المسرحية إلى البحث عن أشكال فنية تتساوق وروحها التفاعلية، ووجدت في المرتجلة ما يلبي حاجتها.

إن المرتجلة ـ كما عرفها باتريس بافيس في معجمه “قاموس المسرح”، تقدم نفسها باعتبارها جنسًا ذا مرجعية ذاتية”. فهي تقدم نفسها في قالب درامي مستقل عما هو سائد. وتتحدد الخصوصية الارتجالية أساسًا في اصطناع مشاهد توحي للمتلقي بأن الأمر يتعلق بخروج اضطراريًّا أو مقصودًا عن نص المخرج، كأن يقوم ممثل أو أكثر بتمثيل شخصية/شخصيات في إطار مشهد عبارة عن حكاية. إن الأمر يتعلق بتقنية “المسرح داخل المسرح” تبدو في سياق الحبكة العامة للعرض وكأنها جزء عضوي من العرض.  وهو ما جعل الفعل المسرحي في المرتجلة كتابةً وإخراجًا وأداءً وتلقيًا حقلاً تجريبيًا بامتياز مفتوحاً ومنفتحًا باستمرار على جديد المستجدّات. إنها بمثابة رؤية من الداخل للممارسة المسرحية، بحيث تكون التيمة الأساسية ذات ارتباط معين بقضايا الممارسين، معاناتهم، إكراهاتهم وانتظاراتهم … وفي هذا الإطار تندرج اجتهادات المسرحيين العرب التنظيرية في مجال التأصيل والتأسيس، ومسعاهم الدؤوب في سبيل البحث عن قالب مسرحي ذي خصوصية عربية أصيلة. وكان المرحوم محمد الكغاط واحدًا من هؤلاء، فقد اختار عن وعي شكل المرتجلة باعتبارها “خير وسيلة لتبليغ مواقف المسرحيين إلى الجمهور،” وهو القائل:

<< ـ قامت المرتجلة على اشراك الممثلين في التأليف،

     ـ من مميزات المرتجلة الجديدة أنها استلهمت قالب المرتجلة من أجل البحث عن قالب جديد، يمكن بواسطته طرح قضايا إنسانية وعرض إنسانية الإنسان.

     ـ التجربة الجديدة يمكن نعتها بمسرح التورية.>>1

ورغم أنها فن مستحدث في الأدب المسرحي العربي بتأثير من المسرح الغربي؛ فلا بد من التذكير أن له أصول في مسرح العصور الوسطى. فقد ساد في بابات ابن دانيال <<إذ كان المخايلون يتخذون من هذه البابات إطارًا ثابتًا يرتجلون بحرية داخلة. فكما يقول الدكتور مدحت الجيار في مقاله “مسرح العصور الوسطى الإسلامية” “لقد ظهر بعد ابن دانيال طائفة من المخايلين الذين ارتبطوا بواقع المتلقي، فكانوا يغيرون في موضوعات باباتهم ليراعوا ذوق العصر.>>2 وهو ما يثبت أن تقنية الارتجال أصيلة في الأشكال الاحتفالية العربية.

 عراقة الارتجال في المسرح الغربي تتمثل في أن الدراما نشأت أول مرة في أحضان الارتجال، إذ كانت العروض الدرامية <<تعتمد على التأليف الجماعي. ثم تطور الارتجال تدريجيا بحيث أصبح جزءا من إطار درامي ثابت يحكم حدوده وموضوعه.>>3 وتعتبر مسرحية “الضفادع” لأرسطوفان (445 ـ 385 ق.م) أول نص درامي اعتمد الارتجال.

  إن المرتجلة تمثل رؤية من الداخل للممارسة المسرحية، بحيث تكون التيمة الأساسية ذات ارتباط معين بقضايا المسرح، معاناة وهموم وتطلعات العاملين في المسرح. وهو ما يعني أن المرتجلة باعتبارها شكلاً مسرحيا مستحدثًا تعالج قضايا مسرحية من داخل المسرح نفسه، إن المرتجلة فرجة مفتوحة على تعبيرات على درجة من الاثارة والتشويق باعتبار أن الموضوعات المثارة عادة في المرتجلات تكون محل إثارة ذهنية لدى للمتلقي.

   يُعرِّف باتريس بافيس المرتجلة impromptu بقوله: <<إن القصيدة المرتجلة هي مسرحية مرتجلة (أي من دون استعداد لها)، أو على الأقل تبدو كذلك، أي تدّعي الارتجال في العمل المسرحي، تمامًا كما يرتجل الموسيقار موضوعًا معيّنًا. فالممثلون يتصرفون كما لو كان يجب أن يبتكروا قصة ويمثلوا شخصيات، أو كما لو كانوا يرتجلون في الواقع. ولعلَّ أوّل وأشهر الأعمال المرتجلة كان لموليير، L’impromptu de Versailles، التي كتبت بناءً على طلب من الملك للإجابة عن الهجمات الجدلية مثل La critique de l’école des femmes (1963).

ويتجدد هذا النّمط في للقرن العشرين مع بيرانديلّو “الليلة نرتجل” Ce soir on improvise  –   (1930)، وسلسلة المرتجلات الفرنسية: “مرتجلة باريس” – Impromptu de Paris لجان جيرودو Jean Giraudoux (1937)،  ومرتجلة “ألما” – L’alma ليونيسكو Ionesco، (1956)، ومرتجلة “القصر الملكي ” – Palais Royal  لجان كوكتو ـ jean Cocteaux (1962) القصيدة المرتجل القصيدة “جنسًا ذا مرجعية ذاتية.>>4  

   تقترن المرتجلة بالكوميديا، ولذلك شاع مصطلح “الكوميديا المرتجلة” باعتبارها <<نمطًا لمسرح يرتكز على تدريب الممثل والخلق الجماعي. ومن هناك، فإنه تجدر الإشارة إلى أن هذا الرجوع المتواصل إلى الكوميديا المرتجلة يبدو في العمق مشروطًا بـتأويل المنظرين والمخرجين الذين أخذوا يطالبون في مطلع القرن بالتقليد، وممارسة الكوميديا المرتجلة.>>5

3ـ “مرتجلة الشرق” كتابة حداثية متفاعلة بصيغة ارتجالية

    تتحدد التيمة الأساسية لـمسرحية “مرتجلة الشرق” في صرخة رفض واحتجاج عما آلت إليه أوضاع الممارسة المسرحية في جهة الشرق. وقد أبدع مخرج المرتجلة ـ الذي هو كاتبهاـ في بناء مشاهد مسرحية على درجة من الجدة والابتكار. جدَّةٌ تتمثل تشكيل مشاهد مسرحية في قالب كوميدي سوداوي تتقاطع فيه مواقف نجحت في إثارة المرسَل إليه باعتباره طرفًا معنيًّا بما يجري أمامه، وفي إشعاره بأن الأمر لا يتعلق بمجرد فرجة مسرحية معتادة، يتبدد تأثيرها وتنمحي آثارها بانتهاء العرض وحسب؛ بل إلى أبعد وأعقد من ذلك، فالأمر يتعلق بواقع مرير جاثم بكلكله على الجسد المسرحي المنطقة الشرقية. المرسَل إليه ـ تصريحًاـ هو المتفرج؛ ولكن المعني بالرسالة ـ ضمنيّاـ هم المسؤولون عن حالتي التهميش والإقصاء التي تتلظى فيها المنطقة الشرقية. إن تفاعل الجمهور مع العرض تعبير عن إعجاب بأداء الممثلين الذي أرتقى إلى مستوى الأدائية، وهو ما ما جسّدته عمليًّا في ردود الفعل المتمثلة في التصفيقات العاصفة. وفي ذلك علامة على تماهيه مع العرض؛ واستجابة لأفق انتظاره. غير أن واقع الأمر يؤكد أنه ضحك كالبكاء بتعبير أبي الطيب المتنبي في وصفه لمصر زمن كافور الإخشيدي:

                وكم ذا بمصر من المضحكات +++ ولكنــه ضحـك كـالبكـــا.

   وفي هذا الصدد، أشار الدكتور مصطفى الرمضاني في خلفية الكتاب بما يلي: <<في “مرتجلة الشرق” نقدم قراءة نقدية إبدعية تتوسل بأسلوب الكوميديا السوداء الذي يختزل فيه القوة المأثورة: “كثرة الهم تضحك”. فنحن هنا نسخر من مأساتنا بالمسرح ومن داخل المسرح.. نسخر من صراعنا المطرد ضد ميثولوجيا اليومي… ضد ثقافة القبح والمحو والمصادرات…>>6

   تَبَنّي المخرج للرؤية المأساوية تعكس رؤية تشاؤمية لأوضاع المسرح والمسرحيين في المنطقة الشرقية، وهو ما يعكسه المشهد الأول الذي تجري وقائعه في فضاء عبارة عن مرآب قديم أو مكان مهجور به إكسسوارات قديمة توحي بذلك. بيت عنكبوت على الحائط… أدوات قديمة…تحيل مباشرة على المنطقة الشرقية، ودلالات على حالة التردي التي هي عليها. وعلى مدى المشاهد الثلاثة التي تمثل عمر العرض المسرحي لم يحصل تغيير في سينوغرفيا الفضاء. فالباب الذي كان يحتل حيّزًا بارزًا في وسط الفضاء يُفتِحَ لدخول الممثلين وحسب ليعود إلى حالة الإغلاق. وسوف يُفتح في نهاية المشهد الأخير ليدخل منه طفل مشرد ومهمّش أثار احتجاج المخرج الذي اعتبر أن حرمة المسرح باتت مستباحة:

<<الأم: اسم الله عليم آولدي، مالك آكبيدتي؟

القاضي: واش راحنا في المحكمة ولاّ في السّوق؟

المخرج: إوا السيبة هذه ما شي مسرح!>>7

 باستثناء السُّلَّم الذي تغير تموقعه من يمين الفضاء في المشهد الأول إلى يساره في المشهد الثالث. كان الإبقاء على ثبات قطع الأثاث على حالهأ كإحالة على حال الجمود والإحباط الذي تتحمل تداعياته المعنيون بأمر الفعل المسرحي. لقد حاول المخرج بناء حكاية درامية متخيلة ذات بعد فرجوي بالرغم من المسحة المأساوية التي رافقت كل فصول العرض، ممّا يتوافق مع الرؤية الكوميدية السوداء.

  في فضاء تَلُفُّ أركانه عتمة، بدأت المسرحية بدائرة ضوء من مسلاط من أعلى، تتوسطها سلم وسط أركان تلفها عتمة، إضاءة خافتة تظهر ممثلين وهم يتهيؤون للتدريب على مسرحية عطيل بإشراف مخرج الفرقة. منهم من يقوم بحركات تسخينية، ومنهم من يقوم بحركات مسرحية أمام المرآة… يستمر هذا المشهد بعض الوقت ثم تتضح الإضاءة أكثر فأكثر لتصبح مطلقة، ويظهر المخرج وهو يعلن عن بداية التدريب.

 ينطلق الجميع في الترداد الجماعي لأغنية:

            لعفو يا مولانا لعفو *** لعفو من هذا الحال

            محنة واشمن محنة *** وشكون يرد البــال

            قــــاهرنا ليــــــــام  *** وزادنا هذا الفــــن

            أش بدينا ما نــعمل   ***آعبـــــــــــــاد الله

وبتدخل من المخرج يتكسر الحدث، ليسود كل الفضاء سواد، وبعده إضاءة عمت وسط الركح. عمد المؤلف/المخرج إلى استعارة ثلاث شخصيات من مسرحية “عطيل” لوليام شكسبير: عطيل، زوجته ديدمونة، ياغو حامل الراية في جيش عطيل، وهي الشخصية الممثلة للشر لأنه يُكن كراهية شديدة لديدمونة في مسرحية “عطيل”. إننا نمتلك مشروعية طرح الأسئلة التالية:

 ـ ما الدافع إلى استحضار شخصيات من تراث تقافي مسرحي غربي لعبت أدوارًا بطولية في مسرحيات تراجيدية لتلعب أدوارًا انهزامية في مرتجلة مغربية.؟

 ـ ولمَ يبدو عطيل مصدومًا،عاجزًا، وغاضبًا عن اتخاذ موقف معين مكتفيّا بطرح أسئلة استفسارية: الصدمة:<< (ماسكًا برقبة ياغو): كول لي فاين لقيت هذا المنديل؟>>، العجز: <<(مخاطبًا ياغو): احفظ الدور ديالك أصاحبي، ما تبقاش كل مرة توقفنا.>> الغضب: ـ <<لمَ انتهت المسرحية بدون نهاية، وما الذي جعل المخرج يقرر إنهاء العرض حتى قبل أن ينتهي.؟ <<القاضي: يا ويلي على مشطبة راني فيها… أنا عطيل… عطيل البطل، البطل اللي الجميع كيرتعد منين بشوفوني، تخوني مراتي… ديدمونة… يا ويلي على فضيحة… وْلِيّة تلعب علي أنا.. عطيل… آه على الفرخة…>> 8 وسرعان ما يتدخل المخرج محتجّا ليطالب ياغو بالالتزام حرفيّا بالنص، وعدم الارتجال، غير أنه يسترسل في ارتجاله في حواره مع عطيل في موضوع خيانة ديدمونة التي سينتهي بها الأمر ساقطة أرضًا بعد تلقيها صفعةً من زوجها. وكرد فعل عنيف ستهاجم المخرج باعتبارها مسؤولاً عمّا لحقها من إهانة، متهمةً إياه بتحويل المسرح إلى مخفر شرطة:

<<ديدمونة:(تهجم على المخرج) وأنت اللي لاعبها علي بوعريف، واش هذا مسرح ولا كوميسارية؟… (تهم بضربه بإكسسوار قريب منها ثم يتدخل ياغو من الكواليس. ويمكن أن يتدخل المحافظ أو التقني أو غيره في هذا المشهد حتى يوحي بالحقيقة قدر الإمكان…) خليوني نهرس له الرأس، من الصباح وهو علي الاندماج، الواقعية، وأنا صابرة للقج والدق… (تهجم عليه ثم يتدخل كل من التقني والوصيفة وهما يخرجان مسرعين من الكواليس لفك الخصام).

لقد دعا المخرج إلى انطلاق الفعل المسرحي بدعوته: << يالله يا الله أكسيون>>، لكنه بتدخله في مجرى الحدث يتسبّب في خلخلة وحدته، وتكرر ذلك على مدى المشهد الأول على الخصوص. وهي عملية مقصودة نعتبرها ممارسة فنية ثورية جعلت من “مرتجلة الشرق” كتابة كرنفالية للاعتبارات الآتية:

أـ أنها جردت النص الدرامي الكلاسيكي المستورد من قدسيته من خلال تعدد الأصوات في الشخصية الواحدة.

بـ ـ نزع خاصية البطولة عن شخصية عطيل الذي ينتمي طبقيًّا إلى فئة النبلاء، وبدا في العرض شخصية عادية جدا

جـ ـ إشراك الجمهور من خلال مخاطبة إدراكه انطلاقًا من رؤية بصرية مركزة.

د ـ التركيز على سيادة العناصر الأدائية، ممّا خلق فرجة هزلية كوميدية على الرغم مأساوية الواقع

هـ ـ أن استحضار شخصيات مسرحية ذات شهرة عالمية في عمل فني محلي يُفهم منه أن قضايا المسرح وانشغالات المسرحيين واحدة في الزمان والمكان، بصرف النظر عن الفوارق الثقافية، واختلاف الأعراق.

4- جدلية الكتابة النصية والعرْضية في “مرتجلة الشرق”:

   تحولت تقنية الارتجال إلى جزء لا يتجزأ من العمل المسرحي، يخضع فيه الممثل للتدريب عليه تمامًا كما يتدرب على باقي مكونات العرض، مع وجوب التمييز بين نوعين من الارتجال: ارتجال حقيقي عبارة عن نص مكتوب ينسجم مع المعمار الفني للنص، ويندرج في إطار تأليف جماعي، يتيح للممثلين أن يتصرفوا بما أوتوا من ملكة. والثاني ارتجال وهمي يبدو ظاهريا أنه ارتجال حقيقي؛ ولكنه في حقيقة الأمر نص مكتوب. في “مرتجلة الشرق” عمد المؤلف الدكتور مصطفى الرمضاني إلى بناء نص ارتجالي تخييلي حقيقي لا أثر فيه للتأليف الجماعي، مثلما فعل قبله الكاتب والمخرج المرحوم محمد الكغاط.

   إننا بصدد ظاهرة “المخرج المؤلف” الذي يعتبر برتولد برشت نموذجها، فقد صاغ كل نصوصه الدرامية حتى تكون منسجمة تمامًا مع رؤيته الإخراجية المؤسَّسة على تقنية التغريب التي تنهض عليها النظرية الملحمية. وهو ما ينطبق على مؤلفي المرتجلات في المسرح الحديث. فقد ألف لويجي بيراندللو ثلاثيته الارتجالية: “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”، “كل على طريقته” و”الليلة نرتجل” موظفًا تقنية الارتجال الوهمي، بحيث يبدو المشهد المرتجل وكأنه وليد لحظته، علمًا بأنه جزء لا يتجزأ من النص. وهو ما يجعل العرض مرتجلاً في عمومه، لكنه على درجة من الانسجام التام مع النص. ومُقَوِّضًا لتقنية “الايهام المسرحي” الذي اختصت به المذاهب الكلاسيكية، ومن ذهب مذهبها. كما أنها تمثل ثورة في التأليف الدرامي، وبناء العرض المسرحي، والتبشير بأفق حداثي بديل لجدلية النص والعرض.

  بالنسبة للمسرح المغربي، فإن “مرتجلة الشرق”، ومن قبلها المرتجلات الثلاث “المرتجلة الجديدة، مرتجلة فاس، مرتجلة شميسا للا” للمؤلف/المخرج محمد الكغاط رحمه الله، تمثل تحوّلاً حداثيّا في راهنية المسرح المغربي، يسعى إلى تجاوز مفهوم الكتابة الدرامية والمسرحية السائدة، وتجريب أساليب فنية جديدة.

الجدة في “مرتجلة الشرق” تتبدّى في:

أـ أن المؤلف مصطفى الرمضاني حضر في العرض باعتباره شخصية فاعلة ومؤثرة، لا تكتفي بمجرد إبداء رأيه؛ بل إلى أبعد من ذلك تحول إلى قلب الحدث في المشاهد الثلاثة.

بـ ـ الحضور الملفت للذات المبدعة، باعتبار المرتجلة شكلاً من أشكال السيرة الذاتية للمؤلف/المخرج/ الممثل/التقني. وتسجيلاً لمسيرته الفنية، وفسحةً للتعبير عن همومه وانشغالاته وصداماته مع الآخرين. وهو ما ترجمه إبداعيا المؤلف/ المخرج/ الباحث/ الأكاديمي مصطفى الرمضاني عن معاناة وحصار وتهميش المنطقة الشرقية معتبرًا إيّاها “هامش” في مقابل ما يستفيده “المركز”، وهو القائل في النص:

<<المخرج: هذاك الدعم انتاع السينما راه يستفدو منه غير شي وحدين، أما الممثلين مساكين راه أغلبهم عايشين غير بالستارتير.. مكرفسين.. اما ذاك الدعم المسرحي… فَرَه غير دركَ الشمس بالغربال…وذيك بطاقة الفنان راها ما تنفع ما تشفع.. ما تنفعك لا في القطار ولا في لوطيل ولا في الخدمة..>>10

جـ ـ اعتبار المرتجلة نصّا دراميا يتجاوز حدود الصيغ التخييلية الإبداعية إلى مجالات ثقافية وسياسية وإيديولوجية. 

____________________________________

هوامش:

1ـ محمد الكغاط، المرتجلة الجديدة، مرتجلة فاس (المقدمة)، مطبعة سبو، الدار البيضا، 1991، ص9

2ـ نهاد صليحة، المسرح بين الفن والفكر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص146

3ـ نفسه، ص146

  • Patrice Pavis, Dictionnaire De théâtre, Editions Sociale, Paris- 1987 , P 202

5ـ حسن المنيعي، المسرح والارتجال، منشورات عيون المقالات، ط1- 1992، الدار البيضاء، ص6

6ـ مصطفى الرمضاني، مرتجلة الشرق، مطبعة الجسورـ وجدة، ط1ـ 2017، صفحة ظهر الكتاب

7ـ نفسه، ص87

8ـ نفسه، ص13

9ـ نهاد صليحة، مرجع سابق، ص146

10ـ مصطفى الرمضاني، مرجع سابق، ص71

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح