محسن حلمي ودنيا العرض المسرحي – أحمد خميس #مصر

هناك مخرجون معنيون بالمسرح ودوره في التغيير، تجدهم دائما على أول الطريق.. لا يؤمنون بالفعل التقليدي حتي وإن شاركوا في تقديم نفس وجبته المعتادة، قد لا يطرحون أفكارهم أو أطروحاتهم الجمالية بالقدر الكامل مع المرات الأولي في تجاربهم. وقد يشطحون لأفكار ونماذج متوترة قلقة كبداية إنفلات عن المسرح المستكين أو الميت, ولكنهم حين يمتلكون الفكرة والسبيل إليها يبذلون لتحقيقها كل جهد حتي تكتمل الصورة ويكتمل المعني المراد تمريره للمتلقي كنوع من التمرد علي الاشكال والاطروحات المعتادة التي ملها الناس وأصبحت بالنسبة اليهم لا تمثل شئ ومن ثم يهملونها او يعتادون عليها مرغمين.

لعلني لا أكون مغاليا حين أقول إن لكل متلق مَشاهد وأفكار جمالية يضعها كنموذج له. وذلك علي مستويين، فهناك دائما عروض يرضي عنها ويفضلها وأخري ينفر منها ولا تمثله في شئ , طبعا كل بحسب ثقافته ووعيه وميوله الفنية. فما أراه جيدا ومناسبا، قد يكون بالنسبة إليك سيئ أو عادي والعكس صحيح. لكن الذائقة العامة علي مدار التاريخ قد إنتخبت بعض الاعمال وأعطتها قيمة ومشروعية وجود. ولو أردت أن تأخذ مثلا مسرحيا ستجد ان (هاملت أو الملك لير) لوليم شكسبير مثلا، قد أتفق عليهما كنموذجين للنص المسرحي الشيق والذي يتيح الفرصة عادة للتجدد ومن ثم تجد مئات العروض الخارجة من عباءة النصين أو تدور في فلكهما.

وفي التاريخ المسرحي المصري الحديث، هناك عروض مسرحية أتفق علي كونها عابرة للزمن. يتوقف عندها المتخصصون بالشرح والتحليل، ويتوقف عند بعضها المتلق العادي بالحب والتفضيل والتجاوب. ومن المسرحيات التي اهتم بها المتخصصين في التاريخ المسرحي المصري الحديث مسرحيتين للأستاذ محسن حلمي ،الذي ينتمي لجيل متمرد واع بقيم جمالية متجددة أو قل مغايرة. جيل يري ما يقدم من فعل مسرحي مهادن أو عادي، لا يستطيع في أفضل حالاته أن يغوص في تركيبة المجتمع ويخرج بنتائج مختلفة عن السائد المريض، هؤلاء تراهم عادة ودون إتفاق مجموعة قلقة تؤمن بقيمة التغيير ودوره في تطوير حركة المسرح في مصر.

وبالطبع لو راجعت تاريخ كل منهم مسرحيا ستجد كثيرا من المسرحيات التقليدية أو التي لا يعول عليها فنيا. فليس كل ما قدموا يموج بالعبقرية، وليس كل ما قدموا مهموم بقضايا شائكة أو ملغزة.. كما هو الحال في كل بلدان الدنيا. ولكن وللحق هناك في تاريخهم تجارب ونماذج جمالية دالة، سيقف عندها الزمن ويشير لأهميتها وقدرتها علي الغوص في قلب القضايا الاجتماعية الشائكة، أو ستتم دراستها على اعتبار أهميتها الجمالية من حيث الشكل وفنون الأداء والموسيقي والازياء، وحتي كيفيات الإعتماد علي الإكسسوارات، وبقية عناصر العرض المسرحي.

فمما لا شك فية أن لكل عرض مسرحي مجدد أساليبه الخاصة في معاملة العناصر المكونة للعبة الدرامية، ولو أننا أردنا أن نأخذ نموذجا دالا علي أهمية الإكسسوار مثلا في طبيعة العرض، سنجد أمامنا مجموعة من العروض مثل (القط الاسود إخراج عصام السيد , والفاشوش في زمن المالوش لعبد الستار الخضري , وثورة 19 لاحمد إسماعيل , ومخدة الكحل لإنتصار عبد الفتاح)

المسرحيتين اللتين أشرت إليهما (دقة زار , والمحبظين) الاولى قدمها المخرج (محسن حلمي) بعد جهد تحضيري فائق، ومتابعة معملية دؤوبة لبعض ليالي الزار التي تقام في القاهرة، وإعادة تدريب وكتابة من خلال فريق عمل يعشق الحكاية ويحرص علي تجويدها , والثانية جائت كنموذج دال للمسرحيات التي كان اللاعب المسرحي المصري متمرس فيها وتمثل بالنسبة إليه روح اللعبة الدرامية وبوابتها الشعبية الشيقة , إذ أن الفن المسرحي المصري كان متعلقا عبر تاريخه أكثر بنماذج ادائية لم تكن تعرف المسرح بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما كانت متمرسة علي ألعاب درامية يقوم بها مجموعة من المحبظين أو حتي في نماذج أخري يقوم بها المقلداتي في ليالي الحصاد، أو حتي في نموذج ثالث ليالي عرض يقدمها الحكواتي الذي يجيد الانتقال بين شخصيات الحكاية المقدمة, وكذا الأمر بالنسبة لفرجة الاراجوز.

ومن الجدير بالذكر هنا أن مسرحية (المحبظين)، ونظرا لأهميتها الجمالية وقدرتها علي تقديم نموذج عربي للتجريب المسرحي، قد افتتحت مسرح الهناجر الذي أنشئ خصيصا ليكون نواة معملية علي التدريب والتطوير من خلال الورش والعروض المسرحية. ويبدو أن من فكر في هذا الإختيار كان منحازا منذ البداية لفنوننا القديمة ذات الطابع الخاص، حيث هنا يمكن للحكاية أن تكون سليطة اللسان قوية المعني جريئة الأفكار.. تشير إلى الواقع بشكل أو بآخر.. فلا هي تقدمه كما هو ولا هي تنسلخ عنه تماما.. وإنما عادة الصناعة خليط ساحر من المعاني الظاهرة والباطنة وإشارات دالة علي علاقة الحكام والمحكومين , والحكايات وان بدت ذات تراكيب متفق عليها الا أنها قوية التاثير وشديدة الحكمة.. يمكن للمؤدي أن يلعب فيها عدة أدوار داخل النسيج المرن الذي يقوم علي الإتفاق الضمني مع المتلق علي اللعب الدرامي , كما ان هناك منافسة شرسة بين طريقتين في الاداء الدرامي لفرقتي (زقزوق وحنفي) في صميم العرض المسرحي , وهذا الإنحياز للقالب الشعبي وإن كان ينم عن حب شديد لتاريخنا القديم في اللعب الدرامي لا يعني بالمرة أننا متفوقون ولا نحتاج للتدريب الجاد علي فنون العرض المسرحي الجديدة , وإنما يشير بقوة علي تاريخنا الجمالي في فنون الأداء واعتزازنا وتقديرنا لهذا النموذج الدال الذي يبرز المعرفة غير الإعتيادية بكيفيات التعامل مع الفنون الأدائية المختلفة دون سابق إتصال أو معرفة حقة بفنون المسرح في أوروبا حيث بروز الكثير من طرق الأداء وفنون العرض المسرحي التي تربت عبر أجيال درست فن المسرح وفق أصول وطرق تدريب معتمدة يقف خلفها تاريخ طويل من الإنتاج والممارسة والتدريب.

واليوم ونحن نسعي لتكريم ذلك الرجل.. لابد وأن نضع في إعتبارنا أن تاريخه المسرحي مشرف للغاية، سواء علي مستوي المسرح الهاوي أو الإحترافي. فالرجل سعى طوال حياته وحتى مع بعض عروضه للقطاع الخاص أن يقدم أعمالا بروح المحب للمسرح ولدوره في إحداث الدهشة والجمال. كان ذكيا حين فطن إلى وجهة الإنتاج وقدم لكل جهة، تعامل معها، الوجبة الجمالية المناسبة التي تليق بالمكان والمنتج مع مراعاة المتلق.. حيث كان يضع في إعتباره دائما أي نوع من المتلقي سيشاهد العرض وأي أجواء محيطة.. ومن ثم كان مسرحه حيا وذكيا ومتنوعا يسعي دائما للتجديد وخوض مغامرات محفوفة بالمخاطر.

محسن حلمي واحد من هؤلاء المعجونين بماء المسرح ودنياه، وحتي مع عروضه الاولي في المسرح الجامعي كان مشغولا بقيمة التغيير والتمرد وأهميتهم، تعرض في ريعان شبابه للإعتقال والتنكيل وذلك قبل حرب أكتوبر 1973وحتي أثناء تقديمه لبعض العروض التي لن يحضرها سوي طلبة الجامعة كانت هناك أياد تقف له بالمرصاد وتمنع ليالي العرض القليلة أو تقطع الكهرباء عن المسرح عمدا حتي لا تكتمل الفعالية وهي أمور لم تقلل من عزيمته وقدرته علي الفعل وإنما علي ما يبدو كانت دافعا قويا لتكملة المسيرة والحرص علي التجويد وإمتلاك نواصي الابداع بتنوع أشكاله وأطروحاته ما بين الشعبي كما في عروض (دقة زار والمحبظاتية وفرقع لوز) واللذان سعي من خلالهما للإحتفال بفنونا الشعبية , والتسجيلي كما في العرض اللامع (النار والزيتون) والذي حاول من خلاله تطوير نص الكاتب الكبير (الفريد فرج) بدمج بعض المواقف التاريخية التي تناسب الحدث مثل تضمين مجزرة صبرا وشاتيلا واللجوء للسينما داخل نسيج العرض المسرحي , والغنائي كما في (ليلة من الف ليلة وليلة) والمونودرامي كما في (بارانويا)

وظني أن كثير من مخرجين الجيل الذين نشأ وسطهم مخرجنا الكبير يتمتعون بتلك الصفات التي تدفع حركة المسرح خطوات للأمام وإن إختلف كل منهم في كيفية التغيير والغرض منه , منهم علي سبيل المثال عبد الستار الخضري (بابيون) الذي شغل كثيرا بالمسرح الغربي وكانت بصمته الملفتة تتعلق بإنتقاء النماذج الجمالية الغربية وكيفيات تطويعها لخلق حالة مسرحية محلية مغايرة , كما أن منهم حسن الوزير ذلك المهموم بالمسرح السياسي والذي تعرضت بعض مسرحياته للتوقف وهي في أوجها , وبالطبع منهم عصام السيد الذي إعتني بالمسرح الكوميدي في صوره وأشكاله المختلفة , ومنهم أيضا احمد إسماعيل صاحب مشروع مسرح الجرن والذي عرف بإهتمامه الفائق بالمسرح الشعبي

وقد تميزت الفترة التي قضاها محسن حلمي كمدير لمسرح الطليعة 1997 – 2001 بغزارة الانتاج وتنوع التيمات والافكار المخلصة للجديد بشتي ألوانه ومضامينه كما تميزت بالدفع بشباب جدد يمتلكون الموهبة والرغبة في التغيير

أحمد خميس _ مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة