محاكمة أرسطو قراءة في كتاب: أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي – الحسين الرحاوي #المغرب

 محاكمة أرسطو قراءة في كتاب: أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي – الحسين الرحاوي #المغرب

صدر عن دار النشر فلاماريون الفرنسي، كتاب للباحثة فلورانس دوبون بعنوان: أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي” سنة 2007 ترجمه إلى اللغة العربية في حلة جميلة الدكتور محمد سيف عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة؛ يقع الكتاب في 224 صفحة من الحجم المتوسط.

اعتبرت فلورانس أن أرسطو قد اخترع مسرحا بلا خشبة، دون آلهة، دون موسيقى، ولم يبق من التراجيديا سوى النص الموجه في المقام الأول للقراء. معتمدة في ذلك على منهج تفكيكي يسائل كتاب فن الشعر ويفتت مفاهيمه.

أول ما استهدفته فلورانس في مقدمتها المعنونة ب”ليس من السهل ألا تكون أرسطوطاليسيا” هو مفهوم “الحكاية”  la fable باعتبارها الصورة المعاصرة للحبكة muthos  الأرسطية، وقد استمر هذا المفهوم إلى غاية ما اصطلح عليه “هانس ثيير ليمان” مسرح ما بعد الدراما postdramatique فجذور العلة عند الباحثة ضاربة في القدم، تعود إلى ما يقارب قرنين من الزمن، لذا عمدت إلى إعادة الكوميديا الرومانية (المغيبة) إلى الواجهة من خلال تسليط الضوء على كوميديا “بلوتوس” و”تيرينس”.

في الفصل الأول، الذي وسمته الباحثة ب المأساة خارج المسابقة، تصرح بضرورة قراءة أرسطو بلغته الإغريقية بعيدا عن الوسائط المضللة، معتبرة أن (فن الشعر) لا يعدو أن يكون سوى مشروع فلسفي يصبو إلى تحديد جوهر الشعر المأساوي بطريقة معيارية، فوضع أرسطو الأجنبي البعيد كل البعد عن السياق الطقسي، فرض عليه أن ينظر إلى المسرح كحدث موضوعي مُزيحا بذلك سبب وجوده(كمؤسسة أثينية) معززة قولها بسخرية الآثينين من كل من كان يحمل إليهم خطابا خارجيا حول المسرح والشعر(نموذج السوفسطائيين).

 فحتى المآسي التي يذكرها أرسطو في نظامه لا يمكن له إلا أن يقرأها؛ وهذا محور الاختلاف بينه وبين أستاذه أفلاطون، فإذا كان أرسطو ينظر إلى المأساة بوصفها خطابا مغلقا ومتماسكا.. فإن أفلاطون (أثيني الولادة والتعليم) ينظر إليها بوصفها احتفالا طقسي يقام بالقرب من المذبح وبمشاركة الجوقة التي تعد مصدر هذا الكلام الحزين، جاعلا المأساة عرضا وليس نصا كما فعل تلميذه.

فقد دأب، خدمة لنظامه، إلى الحذف المنهجي لكل ما يمكن أن يرسخ المأساة في المدينة، الممارسة الطقسية، فقد استبعد البعد الاجتماعي والديني والثقافي عن المسرح اليوناني، من خلال تخلصه من “المسابقات” التي تشكل الإطار التاريخي الوحيد الممكن للأداء المأساوي، من هذا المنظور الأرسطي تشير “Mireille Habert ”  إلى أنه لم يكن من باب الأهمية عند أرسطو معالجة المسرح كحقيقة تاريخية، أو باعتباره حدثا خاصا، بقدر ما كان يعالج “المحتمل”  الذي كان الناس يجدون فيه أنفسهم.

فالمؤلف كله عبارة عن استنتاجات، وتصل الباحثة في منتصف الفصل الثاني إلى اعتبار مركز الجاذبية في (فن الشعر) هو دراسة المأساة، ونواة هذا المركز هي دراسة “الحبكة”. ومن ثم فموضوعه بشكل عام، من وجهة نظرها، هو معالجة تركيب هذه الحبكة لأجل استخدام فنون المحاكاة (والمحاكاة هي تعريف لكل الفنون ومنها المأساة).

أما الفصل الثاني الذي عنونته فلورانس ب: توسع الكارثة: الثورات الأرسطية الثلاث، فتشير فيه إلى استمرار المد الأرسطي الطافح على المسارح الحديثة، مع وجود قلة قليلة من المتمردين على سطوة نسيجه العنكبوتي، أمثال: كانتور،بيرا ند يللو، درايوفو، بوب ويلسون… فأمام دعوات المد الطليعي الحداثي الداعي إلى إحداث قطيعة مع “المسارح التقليدية”.. وما يسعى إليه مسرح ما بعد الدراما من تفجير لثوابت هذا المسارح التقليدية عبر الانفتاح الكوني على مسارح تنتمي إلى جغرافيات ثقافية مغايرة، وكذا استعارة التقنيات الفرجوية وما رافق ذلك من ردود أفعال عدوانية، إلا أن مسارح ما بعد الدراما ظلت مشدودة إلى “الشعرية الأرسطية” وخاضعة لسلطتها في الجوهر ومتمردة عليها في المظهر فحسب.

وأحسن نموذج عند فلورانس يمكن من خلاله تفتيت الوهم الأرسطي الجاثم.. هو المسرح الشعبي (الحي) الذي يكون فيه (الحدث الفرجوي مظهرا عاطفيا لثقافة الكلمات، الصور، الموسيقى، الأصوات، الأجساد هنا والآن، حيث تتآزر جهود الكتاب والمخرجين، والممثلين، والمتفرجين في التأسيس لفرجوية الحدث) (ص67)

فتمثل جولدوني كامن في إخضاعه الجهاز اللعبي إلى التخطيط المسبق للسرد، الشيء الذي أدى إلى تكريس أدبية المسرح عبر كبحه لارتجال الممثلين ولتوظيف الأقنعة، لتوفير الفرصة لإلقاء النص وذلك عبر قطعه مع قواعد فن الكوميديا دي لارتي، كما عمد إلى إخضاع الجمهور قسرا لتقاليد جديدة مخالفة تماما لما يعرفونه في ثقافتهم المسرحية.

وهذا الإجراء الأرسطي الذي قام به غولدوني في إيطاليا سيثير إعجاب ديدرو الفرنسي بعد نصف قرن من الزمان، والذي يعتبر المرتجلات الإيطالية شكلا من أشكال الحداثة حتى وإن كان لا يرى في فن الكوميديا دي لارتي إلا أنه عبارة عن حبكة “سخيفة” وحوارات متشابهة. لذا فقد عمل على إحداث تغييرات تقنية من أجل تحرير الخشبة. ومن ذلك إدخال الستارة كحاجز رمزي بين الخشبة والصالة، وهذا ما سيسمى فيما بعد بالجدار الرابع، مع دفاعه بشكل متطرف عن فكرة محو جميع علامات المسرحة، وكل ما يمكن أن يفصل العرض المسرحي عن الحكاية الممثلة، مما ضاعف من وجود الإرشادات المسرحية إلى الحد الذي يسترجع فيه النص سلطته التي فقدها (أو التي أفقده إياها لعب الممثل “خاصة في الشكل المسرحي “الكوميديا دي لارتي”).

أمام هذه المقترحات “الجريئة”، غزت الرومانسية والسرد خشبة المسرح.. وحتى البانتوميم فهو يكتب من قبل المؤلف و”يفرض” على الممثل. وفي كتابه “مفارقة في أداء الممثل” سيتحدث ديدرو عن سبب وجود المسرح من خلال إعطاء وضع جديد للمثل “المستعبد” والذي لا يريد الفلاسفة إبعاده عن المجتمع أو تحييد دوره فيه.

تنتقل الباحثة بعد ذلك، للحديث عما اعتبرته (الثورة الثانية) والتي لخصتها في “اختراع الإخراج”، معتبرة هذا الأخير زاد من مضاعفة حضور قواعد أرسطو التي سطرها في (فن الشعر)، فبعد انتصار المؤلف الذي فرض   سلطته على أداء الممثل وعلى تلقي الجمهور سيصير المخرج سيد العملية المسرحية برمتها. وأمام هذا التحول أو الشكل الثاني من الأرسطية تم إيلاء أهمية للحركة، الجسد، الفضاء،الإضاءة والديكور… أي لكل تلك العناصر التي وصفها أرسطو بالعرض 

وتخلص الباحثة الفرنسية إلى الحديث عن ديكتاتورية الخرافة أو عودة الحبكة مشيرة إلى الأرسطية الجديدة التي أقامها بريشت ومخرجو ستينيات القرن الماضي، معتبرة أن عروضهم كانت جميلة ولكن الخطأ الذي ارتكبوه تمثل في اعتقادهم بأن نجاحهم مرتبط بالنظريات التي رافقتهم، فليست النظرية عندها هي التي تصنع الاحتفال.

بينما تؤكد فلوراس  في مطلع الفصل الثالث الذي وسمته ب: بعيدا عن أرسطو بلاوتس تيرينس، موليير سوفوكليس ويوربيديس على أن  الكوميدية الرومانية هي حدث ثقافي وعرض طقسي،  نجا تماما من تأثير الأرسطية، لسبب بسيط هو أن تنظيرات (الشعرية الأرسطية) جاءت تالية تاريخيا لكوميديا بلاوتس وتيرينس الشيء الذي أدى إلى التسرع في استقبالهما، كما تمت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول.

وكإجراء تطبيقي تعتمد فلورانس نموذجا آخر لقراءة الكوميديا الرومانية – ليس من زاوية أدبية إنما من زاوية مشهدية – في انضباط لقيود (اللعب) على اعتبار أن هذه الكوميديات هي بمثابة نصوص طقسية تخدم الاحتفال الطقسي، وهذا النموذج الفرجوي الفريد في نظرها، يقف على طرف نقيض للمسارح الدرامية. لتخلص بذلك إلى ان الكوميديا الرومانية تتميز وتختلف عن المسارح الأرسطية.

وفي الخاتمة، المعنونة “بعض الطرق للخروج من الأرسطوطاليسية المعاصرة وعدم الشعور بالملل في المسرح”، تدقق الباحثة في المصطلحين اللذين تعتبرهما طفيليين (العرض والخرافة – الحكاية) وهما محور استهدافها لكتاب أرسطو (فن الشعر)، ليبقى كتابها محاولة لاجتراح أفاق جديدة في البحث وطرح السؤال.. وإن كان المشروع، في نظر البعض، غير مكتمل أو يحتاج الى مزيد من النقاش والتمحيص..  يحسب للباحثة الفرنسية فلورانس دوبون إثارة الأسئلة على أفكار ورؤى كانت إلى غاية فترات قريبة تعد بمثابة مسلمات.

فبتدقيق فلورانس دوبون في فترة العصور الكلاسيكية خاصة في عهد لويس الرابع عشر في فرانسا، تدعونا إلى التغلب على أولوية النص في تراتبية عناصر العرض المسرحي، وتحثنا على إعادة اكتشاف جميع العناصر التي قللت من شأنها النظرية الشعرية لأرسطو، مع إعادة اكتشاف البعد اللعبي في الممارسة الفرجوية، واكتشاف المنطق السردي.

ولربما في الختام لا يسعنا إلا نقول ما قالته فلورانس لوبون: ليس من السهل ألا تكون أرسطو طاليس.

الحسين الرحاوي – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح