مترجمات التجريبي.. ومدى استفادة العقل المسرحي المصري!

صفاء البيلي*

كاتبة مسرح وناقدة

 ـ

على مدار 22 دورة هى عمر مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي تلقى المسرحيون المصريون أكثر من 300 كتاب مترجم تحمل عناوين مسرحية مختلفة قد نتفق علي أهميتها أو نختلف .. فما الذي قدمته هذه المترجمات للمسرح المصري ؟ وللاجابة على هذا التساؤل أجول بقارئي جولة سريعة في متون الترجمة للمسرح ونشأتها .. الترجمة بوصفها النافذة السحرية التي انطلق من خلالها العلوم والفنون والآداب ولا سيما فن المسرح إلى البلاد العربية.. ليبدأ رحلته الأثيرة عبر قرون شهد فيها مراحل متعددة من المهد إلى إلى النضوج مرورا بفترات الضعف والركود والازدهار. فبدايات الترجمة للمسرح جاءت بعد قرون من مسيرة ترجمة الآداب عموما حيث كانت السبيل الأول لتعريف العرب بماهية المسرح.. بدأها مارون نقاش بترجمته “البخيل ” لموليير عام ( 1817 ـ 1855) وعلى الرغم من ريادتها إلا أنها لم تكن ترجمة بالمعنى الحرفي إذ كانت خليطا من الإعدادا والاقتباس والحذف والتأليف أيضا! فقد كانت ترجمة النصوص تتم من أجل تقديمها للجماهير كعرض للتسلية ليس إلا..

ثم أخذت منحى جديدا على يد متخصصين في الآداب ومبدعين يمتلكون ناصية اللغة والقدرة على الإبداع مثل الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى الذي ترجم عن الفرنسية أول نص مسرحى منشور في مصر عام 1868، وهو مسرحية (هيلانة الجميلة)، التي اكتشفها الدكتور سيد علي إسماعيل ونشرها في كتاب، أصدرته هيئة الكتاب العام الماضي 2015. كذلك يجب الإشارة إلى عميد الأدب العربي طه حسين ومن بعده عبد الرحمن بدوي وأحمد أمين الذي أسس لجنة التأليف والترجمة

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85

المقال مترجما للإنجليزية بنشرة المهرجان ـ العدد الرابع

ـ

 والنشر في بدايات القرن العشرين تحديدا عام 1914 وكان لها الدور الكبير في نشر الكتب الترجمات عموما بما فيها ترجمات النقد والمسرح ككتاب “فن الشعر” لأرسطو الذي ترجمه أولا بشكل بدائي فيه الكثير من الأخطاء والخلط في المفاهيم “أبو بشر متى بن يونس القناتي” وذلك عام 987م ثم تمت ترجمته بعد ذلك ترجمات جيدة على يد متخصصين. بعد ذلك ترجم د. لويس عوض كتاب “الشعر” لهوراس 1983 وكانت من أفضل الترجمات على مدى عقود..

ثم جاء دور “دريني خشبة” الذي اهتم بترجمة عدد من المؤلفات التي تعد علامات فارقة في تاريخ المسرح العالمي منها “فن كتابة المسرحية” لاجوس أجري.. والالياذة والأوديسا وغيرهما الكثير ثم جاء د. عبد القادر القط الناقد والمترجم الذي قدم اهتم بترجمة أعمال بيتربروك كما قدم ترجمة مهمة لكتاب جيمس روس ” المسرح التجريبي من استنسلافسكي إلى اليوم” 1978

ولقد كان مهرجان المسرح التجريبي منذ انطلاق دورته الأولى عام 1988 وحتى دورته الـ 22 عام 2010 قبل أن يتوقف عن الانعقاد لأسباب تتعلق بإدارته يقدم الكثير من الترجمات التي اقتربت من الـ 300 مترجم لمؤلفات مسرحية مختلفة ما بين النصوص والنقد والتنظير.. وقدمت للقارئ المتخصص والمهتم المؤلفات التي تمثل علامة فارقة في أحدث الاتجاهات النقدية التي يهتم بالاطلاع عليها وقد أثرت في الوعي المسرحي المصري بشكل أو بآخر .. كالسيموطيقيا وجمالات التلقي كما قدم معجم المصطلحات في مجال السيمولوجيا لتدارك اشكالية تعدد الترجمات وغموض المصطلحات التي تطرحها النظريات الحديثة كما قدم المهرجان ترجمات لموضوعات حيوية وهامة مثل الدراماتورجيا والسينوغرافيا والمسرح الرقمي وعرّف باتجاهات الكتابة المسرحية في عدد من القارات مثل “المسرح الآسيوي” و “المسرح الأفريقي” و”مسرح أمريكا اللاتينية” والهند والصين.. إلخ. وعلى الرغم من الدور الهام الذي قام به مهرجان المسرح التجريبي في نشر هذه الثقافة المسرحية عبر دوراته الـ 22 الماضية والتي ترأسها أستاذ المسرح ورئيس أكاديمية الفنون السابق د. فوزي فهمي إلا أن هناك ملاحظتين قيمتيْن أوردهما الباحث “سباعي السيد” في دراسته التي شارك بها في ندوة “نقد المسرح العربي” والتي جاءت تحت عنوان: ” ترجمة النقد المسرحي ” عام 2011م يجب الأخذ بهما في الاعتبار إذا عمدت إدارة المهرجان لنشر ترجمات مسرحية جديدة وهما:

أولا.. الاهتمام بالكم لا بالكيف أحيانا مما أدى إلى ظهور بعض الترجمات الرديئة لعدم علم مترجميها بالدراما حيث انهم مجرد مترجمين وفقط..

ثانيا.. عدم وصول تلك المترجمات لجميع العاملين المهتمين في الحركة المسرحية حيث اقتصرت فقط على بعض حضور المهرجان وبعض الاعلاميين وذلك لمحدودية النشر.. فلم يتمكن كثيرون من الاستفادة الحقيقية بهذا المنجز العظيم الذي يفوق كما قال د. فوزي فهمي نفسه ما تم ترجمته من مسرح في فترة الستينيات التي تعد من أهم وأزهى عصور الترجمة في المسرح المصري.

أخيرا… لا يمكننا إنكارما قدمته ذلك المنجز العبقري متمثلا في تلك المترجمات للمسرحيين المصريين من الذين كان لهم حظ الاطلاع عليها أو على بعض منها.. من انفتاح على الثقافات المسرحية الحديثة المختلفة ولكن الفائدة ربما كانت ستصير أشد تأثيرا وتأثرا بالنقد سلبا وإيجابا بمنقاشة تلك المترجمات.. وعقد ندوات خاصة بذلك.. ليستطيع العقل المسرحي المصري الفرز جيدا فهو لا يقوم بدور المتلقي فقط بل بالتأكيد ستكون له آراؤه الخاصة التي تكونت ورسخت عبر الكثير من القراءات وكثير من النقاشات والتعلُّم.

ــــــــــــــــــــ

المقال مترجما للإنجليزية بنشرة المهرجان ـ العدد الرابع

ــــ

موقع: المسرح نيوز

عن صفاء البيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.