ما هو مسرح الصورة؟ – سعاد خليل

 

 

سعاد خليل

في تعريف هذا المسرح حسب الباحثين فان  بنية الخطاب المسرحي في مسرح الصورة تقوم علي عدة تكوينات جسدية واشكال حركية وايمائية وكذلك السينوغرافيا المركبة والمصممة علي وفق علاقات ايحائية متغيرة وتصاحبها ايقاعات صوتية بشرية مختلفة كالتمتمات  والتأوهات ، وقد تستغني هذه البنية عن الدور استغناء تاما ، و تكتفي احيانا بالقليل الجوهري منه لإعلاء الجانب البصري في العرض .ان مسرح الصورة في جوهره مزيجا من الدراما والصورة ، بمعني هو دراما الصورة حيث الصورة هنا هي شكل الحدث وصياغته

مسرح الصورة اساسه بنحدر من الدراما الا ان اصوله العميقة تكمن في ثلاثة جذور غير درامية بالمعني المسرحي ، ساهم كل منها بدور معين في تكوين هذا المسرح . الشعر كان هو الجذر الشامل الاول ولازال محتشدا في جانبه الصوري اللغوي بالكثير من الاغوار والخامات التي يمكن ان تطور مسرح الصورة ، اما الرسم والفن التشكيلي عموما فهو الجذر الثاني لمسرح الصورة وقد بلغ ذروة عطائه لمسرح الصورة في الفن الفوتوغرافي. اما في السينما فهي الجذر المتحرك الذي يعطي للصورة حيويتها وصيرورتها ، واذا تأملنا هذا المثلث امكننا الاستعانة الهيجلية لإعادة ترتيبه وفق الجذر الهيجلي . كما نري فالمثلث الجدلي الاول المكون من الشعر والرسم والدراما انتج دراما الصورة بحالتها الديناميكية ، اما المثلث الجدلي الثاني فيتألف  من دراما الصورة وهي في الصيرورة ، مع السينما لينتج مسرح الصورة . وهكذا يتشكل مسرح الصورة جدليا بتضافر خلاق بين اربعة فنون انسانية عريقة هي : الشعر والرسم والدراما ثم السينما ، ان مسرح الصورة يشبه شجرة وارقة تمد جذورها في هذه الفنون وتأخذ منها .

وفي دراسة للأستاذ خزعل الماجدي يعرف جذور هذا المسرح ويؤكد علي انحداره من الشعر باعتباره صراعا وتناقضا ، بل باعتباره صورة تأخذ مادتها الاولي من تشكيل شعري منفذ بالكلمات وبذلك يمكن القول ان المسرح يتجذر في الشعر من خلال نقل الحركة والصراع والاحتدام والتناقض والمضمون وهو الجذر الدرامي وايضا ينقل السكون والتشكل والصياغة في اطار شكلي وهو الجذر الصوري .يقول الباحث ان البحوث المسرحية المعاصر لم تتطرق الي المفهوم التقليدي البسيط عن الصورة ومازال التنظير المسرحي مربكا امام صياغة جديدة اكثر جدية لمفهوم الصورة الذي  يلعب دورا يكاد يفوق مفهوم الحوار ( الدراما ) الذي كان سائدا طيلة الزمن الماضي والذي وسم المسرح بصياغة اشبه ما تكون بالنهائية بل وكان يندرج في حقول النسيان او في حقول اخري خارج المسرح .

عندما نبحث عن دراما الصورة نجدها موجودة في اشكال قبل ظهور السينما لكن السينما استطاعت ان تطلق دراما الصورة في شكل تيار معلن اسمه مسرح الصورة يتناسب هذا تاريخيا مع الاحداث الفنية التي رافقت هذه العملية .

كانت دراما الصورة الشكل الخفي او المستتر لمسرح الصورة ، وكانت تضطرم في عموم المشهد المسرحي العالمي .. ولكن ظهور المدارس والتيارات المسرحية الحديثة اعطي لكل تيار طبيعته وشكله ، وقد تعطل ظهور مسرح الصورة حتي بعد ظهور فن السنيما مباشرة ، لكن التأثيرات التي احدثتها السينما علي المسرح كانت تحمل مثل هذا الحدث . أي ظهور مسرح الصورة كتيار متميز يستمد اصوله من دراما الصورة الكامنة في اصول بعيدة في الشعر والرسم. يقول الماجدي في هذه الدراسة : منذ القصائد السومرية الاولي التي تعتمد علي تكرار الصور والذي كان هو ايقاعها الرئيسي ومرورا بهوراس الذي كتب (كتاب الشعر هو التصوير) وعبورا الي قصائد الهايكو اليابانية وانتهاء بقصائد الصورة وغيرها تتأكد علاقة الرسم بالشعر وتنجلي يوما بعد اخر اهمية الصورة في الشعر . بالرغم من ان مصطلحات كاللغة والمخيلة والايقاع والرمز والاسلوب والتيمة ما زالت تعيد مناقشة  ضرورة الشعر وغايته الا ان الصورة تشكل القاسم المشترك لها جميعا.

كان ارسطو يقول ان الصورة علامة العبقرية عند الكاتب وكان ملارميه يعتبرها القوة المطلقة في النص الشعري ، وقارن اندريه بريتون بعض الصور بالزلزال ، وقال ليوناردو دافينشي : (الرسم شعر يري ولا يسمع والشعر رسم يسمع ولا يري )، وهذه المعادلة كانت صالحة قبل دافنشي للبحث عن فن يري ويسمع فكانت الدراما. فهي تحديد فن مسموع ومرئي تغذيها الصورة بالكلمة من ناحية الشعر والصورة بالتشكيل من ناحية الرسم . لا  حاجة بنا مطلقا الي التأكيد علي العلاقة بين الدراما والشعر في مراحل نشوء الدراما ، لكن نقول اذا كان الصراع هو الذي اعطي الشعر نموا دراميا فان الصورة شكلته واعطته شيئا اخر يمشي مع الصراع . ذلك هو تراتب الصورة وتلازمها مع المضمون الدرامي والصراع ، ان سائر الاشكال الدرامية ماثلة في المكان كالرسم او التصوير او في الزمن كالموسيقي والشعر ، وهكذا فالربط بين عناصر المكان والزمان يسمح لعدد غير محدود من التغيرات البنوية بين الوحدة المكانية في التنوع الايقاعي من جهة وبين وحدة وتيرة السرعة والنغمة في تغييرات مرئية في اوسع تنوعاتها من جهة اخري . ان اتحاد عنصري المكان والزمان وبلغة فلسفية السكون والحركة هو جوهر العمل الدرامي وهو بنيته . فاذا  ما عرفنا الرسم والشعر يبني هذا الجوهر فسنلاحظ ان هذا الجوهر في اساسه صوري لأنه منهما (الشعر والرسم ) عنصر الصورة..

ونعود الي البحث للباحث الماجدي لنستخلص منه ببعض التعريفات والمراجع لهذا المسرح ، منها المرجع التشكيلي : ان العين تشكل اعلي جهاز وظيفي في رفعته ومناعته فهي مرا ة الداخل والخارج معا تلتقي فيها صور الخارج وصور الاعماق ، والصورة التي تشكلها العين عن الاشياء هي الاحساس العميق بالحياة ومتعتها اعلي المتع وارفعها ..  كان القديس اوغسطين يسميها ( لذة العينين  الكبرى )

 ان الصورة كانت اول الاشياء وبقيت الي اليوم المواد الاولي لكل الفنون ، ولا شك ان الصورة الحية في المسرح كانت دافعا كبيرا لاعتماها كمؤثر اساسي علي المتلقي وجعله يتفاعل مع التيمة التي تريد المسرحية ايصالها . ان الصورة التي يرسمها المخرج علي المسرح صورة مؤثرة حافلة بالحياة والقوة ، وترتبط  مع الفضاء الذي تعرف فيه بوسائل قوة وجدل ، وتعتمد ايضا علي قوي ومؤثرات  داخل الصورة نفسها كالألوان والملابس والديكور .

ويزداد المرجع التشكيلي توترا وقوة عندما يحاول تركيز نمط تشكيلي او انماط تشكيلية ( ظهرت في تاريخ الفن التشكيلي ) في عمل درامي واحد.. وينتج عن هذا الاجراء اداء في غاية الدقة .. وقد يستعمل الفن الفوتوغرافي عاملا في التأثير الصورة .. ولذلك ان الحاجة الي ظهور المرجع التشكيلي ازدادت مع ازدياد اهمية هدا الفن في مسرح الحياة الثقافية والفنية للقرن العشرين وبذات القرائن تزداد بين تقنيات الرسم والشعر والمسرح كما يؤكد هذا فرانكلين روجرز.

يبدو ان مسرح الصورة لحظة الشروع نقطة انطلاق قلقة لا يمكن تمثلها كليا ولذلك نزعم انه لا يوجد خالصا مستقرا وثابتا بل هو وثاب متداخل ومتمازج مع  الوان اخري شديدة الاحاطة به ، ولكن رغم ذلك فمسرح الصورة يفتح افاقا محددة له انطلاقا من اعتماده جوهر الصورة فنحن لا نزعم اننا ستسمح كل هذه الافاق ونحدد مساراتها وانواعها الا اننا نري ان مسرح الصورة يفتح طريقا الي ثلاثة احتمالات مستمدة ن الجوهر الصوري له والتي تحقق له توفر حضور هذا الجوهر مخصبا متماديا لا واقعا تحت طائلة الحدث الدرامي الذي لا نقيم اهمية له ، اننا نري ان هناك امكانات هائلة الان يستفيد المسرح الشعبي او الملحمي او التعبيري او الواقعي او مسرح القسوة او مسرح البنتومايم او المونورداما ، او .. الخ ..   من مسرح الصورة . لان مسرح الصورة في جوهره لا يندرج مع هذه التيارات فهو شحنة وقوة اكثر من كونه طريقة او اسلوبا ..وهذا لا يمنع من نموه باتجاهات تناسب ايقاع الشحنة فيه مع بقاء الصورة جوهرا له.

ان تصعيد الصورة صوريا يؤدي به الي ثلاثة انماط هي : مسرح المرآة ، والمسرح السيميائي ، والمسرح الشعائري ،  ويعرف الباحث المسرح المرآة : مستندا علي عدة نظريات لفلاسفة  وكتاب نستخلص منها الاهم في ان الصورة المراوية هي استبطان اشد غورا وشمولا في نفس الوقت من السطح المنظور للصورة ولذلك يسعي المسرحي الخلاق الذي قد نري في عمله صدفة محضة للإثارة الي كون ضمني عميق لا يدركه هو نفسه ان اكبر اساءة للفن المسرحي هو وضع صور تقليدية لا عمق ولا ايحاء ولا مستوي ضمني لها .. هذه الصور هي صور مقطوعة الجذور وهي من مقترحات العادة لا من مقترحات الابداع..

لماذا تهزنا الصورة الجديدة ؟ لأنها ببساطة تحرك شيئا من المستوي الضمني أي العميق او الباطني لدينا ، هذا لأنها هي بجذورها نتاج هذا المستوي الضمني خلقه الفنان المخرج وبذلك تصبح مثل هذه الصورة مرآة  للمستوي الضمني الذي يكتشفه المخرج ويعيد اكتشافه المشاهد وهكذا.. ان مسرح المرآة يهدم الجدران بين حقول الجماد والنبات والحيوان والانسان ، عالم الجماد الطاقة التي تقفز فيه لا أشياء فتري ، هذه الدراما المراوية تقضي دفعة واحدة علي الفرق بين العقل والجنون وبين البدائية والحضارة وبين الحلم واليقظة وبين الحزن والفرح فلا نعد نعرف هل نحن في هذه المناطق ام في أضادها .

اما المسرح السيميائي : فهو يحتوي علي حدود صوتية وصورية مصدرها العميق ما ينعت من الكون من صورة واصوات يكون من مهمة الفنان الاساسية نقلها الي العمل المسرحي بصيغة صورية غير عادية ،، وهذا البرنامج الاستعاري للمخرج هو ما يجعلنا نبرر له كل احتمالات تدافق وتشابك العناصر التي يصعب لقاؤها .. وهكذا تتحرك الدراما الي مرآة استعارية الي مرآة كونية مصغرة وسنقول بطريقة اخر ان الدراما تتحول الي كرة الساحر المدورة التي يري فيها ما يريد. فالسحر يلتقي بعلوم المرآة ويشكلان طرفين متباعدين للحقيقة يلتقيان في نقطة واحدة .فمن نقطه السحر (وهي علم بدائي ) ينمو بشكل دائري حتي يلتقي بنقطة المرآة  التي هي علم متقدم وينبض فيهما الاحساس العميق بالشمول والقوة والابدية ولذلك فان مرآة العالم هي نفسها كرة الساحر والاثنان معا هما عينا الدرامي لالتقاط الحقيقة  العميقة ووضعها في صور او صورة.

ان التصعيد العلمي للصورة يؤدي الي التصور المراوي بينما التصعيد السيميائي للصورة يؤدي الي التصور السحري وهكذا يلتقي العلم بالخرافة. وهكذا تعد دراما الصورة نوعا من الدراما السحرية لا بوصفها طقسا بل بوصفها خرقا للقانون  السائد او لقانون الطبيعة .

ان الصورة وهي تمثل السحر دراميا تعطي فنا فطريا داخل الي الدراما من ناحية الفن ولا من ناحية العلم بل تحديد من ناحية العلم الكاذب الذي لم يكن مقصودا لان يكون كاذبا بل لكي يسخر قوة الاشياء الطبيعية لصالح ارادة الساحر ولكي يظهر بالمقابل قوة الساحر وسيطرته علي الكون .

ان الدراما السحرية او السيمائية  بالمعني الاشمل لا توصل لنا طقوسا سحرية ساذجة بل توصل لنا شحنة السحر عبر الصورة . الصورة غير التقليدية وغير النامية بفعل قوانين منطقية ،او وضعية ولذلك يصبح المخرج الدرامي ساحرا بالمعني العميق لهذه الكلمة فهو خلاق مقترحات واشكال وصور متعاقبة من ذلك البئر للسيمياء يمكن للمسرح ان يضع نفسه في منطقة السيمياء اذ اعتمد صورا مستحيلة التحقق بالوصف العادي . ان طبيعة السيمياء بكل وسعها وهي تفاعل الاشياء مع بعضها دون حدود يعطي صورة عن الدراما المدهشة من  خلال الصورة

ان اختلاف الدراما السيميائية عن الدراما التقليدية تكمن في ان الاولي تمنحنا القدرة علي مس طقس قديم واضرام النار في صور غريبيه فتيشية وطوطمية  من نبع جمالي لا شعوري وخلق احتمالات شبه مستحيلة . فتصعيد الصورة سيمائيا او سحريا سيقودنا الي نمط من بث الروح في الاشياء جميعا وهكذا تتشكل هذه الاشياء وفق هذه القوة ويكاد المخرج هنا ان يكون مهندسا دقيقا لها وواعيا بغرابيتها . ان الفن والشعر ( ويقع الفن الدرامي بينهما ) هي الحقول  الوحيدة التي تتيح ممارسة السحر بالصور والكلمات واذا كان السحر قد هرب من حياتنا العملية فانه وجد لنفسه مأمنا اكبر في حقل الابداع . لقد اصبح السحر يمارس كعلم كاذب وكفن صادق بعد ان كان يمارس كعلم كلي صادق  فقط.

ان قوة التأثير الدرامي من خلال التشكيل الصوري ذات الطابع السيميائي تمد الدراما بقوة كبيرة يمكن لنا القول انها كذلك تمنع فن الدراما من الفنا او التحجر والموت لأنها تنشط اعماق الدراما الخلايا الديموزية الزراعية السحرية والديونيزية والباخوسية .

اما المسرح الشعائري : فهو يوصل الصورة الي اقسي غايتها عندما تتحول الي شعيرة شاملة وعندما تتشبع بروح الطقس والاحتفال . فالصورة تشبه البذرة والشجرة المحملة بالثمار هي الصيغة الشعائرية للبذرة فهي صورة مركبة تدل علي استيعاب الروح الجماعي من خلال الروح الفردي .

في الدراما الشعائرية يلعب النص والمخرج والممثل والموسيقي والصوت والديكور والسينوغرافيا ادوار متساوية في التأثير . ان المسرح الشعائري لا يلغي التيارات المسرحية الأخرى او يهضمها ولكنه يرثها بتعال لأنه يجعل دراما الصورة اساس ايقاعيا له تتناوب القوي والشحنات الصورية في جدل درامي لتحافظ علي تماسك وتشابك كل الالوان والشعائر الطقوس المسرحية . ان المسرح الشعائري هو تحديد الطقس الدرامي المركب للصورة وان هذا الافق ينفتح علي السحر والسيمياء بالمعني الصوري الذي حددناه كما ان مسرح المرآة التي تنعكس علي مادته صور العالم الضمن والكوني بعامة ولذلك تتضافر كل هذه القوة لقيمة دراما شعائرية متعالية .

نستخلص من هذه الدراسة ماهية مسرح الصورة في هذه النقاط والتي يؤكدها  المخرج العراقي صلاح القصب في مخطوطة كتبها تحت عنوان ( مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق )

اضفاء الجو الطقسي علي العرض . التأكيد علي انماط السلوك والافعال التي يفرزها اللاشعور عند الشخصية ، عدم ترابط الافعال ، وتقاطع حلقاتها باستخدام اسلوب الهدم والبناء المتكرر للفعل ، او الحافز الواحد ، بحيث لا تنمو الافعال نموا طبيعيا كما في الحال في ما يسمي بالمسرح الواقعي .اختزال المشاعر وتقديمها في شمولية مركزة ، تحفيز طاقة المتلقي علي التخيل والتأويل. الصورة تبدأ من شكل  فوضوي وقلق وملتبس لتنتهي الي شكل منتظم ومستقر قابل للفهم والاستنطاق   الزمن في العرض ينبني علي فرضية الذاكرة ، ويزاوج بين مفهومي الزمن التاريخ والزمن الأسطوري ، الشخصيات غالبا ما تكون مفتتة شعوريا ووجوديا وعلامات قابلة للتكرار والموت والانبعاث. أن العرض يستبدل شاعرية الحوار اللغوي ( الملفوظ ) بشاعرية الفضاء التي تجمع بين لغة الاشارات والتشكيلات ، والالوان .

ان المسرح هو الصيرورة هو الكيمياء هو الانتحال بالأشياء من داخل هذه الاشياء وليس من خارجها .

(كتاب المسرح :عدد 91 دراسة خزعل الماجدي(مرجعيات مسرح الصورة)

 

 

raialyoum. com

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح