ماذا يعني (المسرح الطليعي)؟ سامي عبد الحميد

الافانغارد Avant-garde مصطلح عسكري فرنسي ويعني (الحارس المتقدم) وأصبح مرادفاً للتقدمية في الفن والسياسة أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا ومنذ ذلك الحين يستخدم لتمييز الحركات الفنية المرتبطة بالمجتمع عن التيارات الأخرى للحداثة.. والطليعية مازالت تدل على الفنانين غير التجاريين أو ذوي العقول التجريبية وقد لا تكون لهم علاقة بالسياسة ، وإذا كانت حركات الطليعة برزت تاريخياً اثناء الحرب بوصفها تحديثاً للحداثة فقد حدث ذلك نتيجة لتعارضها مع السياقات الاجتماعية المتقلبة بالدرجة الرئيسة، يرتبط البيان الرسمي للطليعة بالأداء على الدوام وفي الغالب يمجد امكانات التصنيع على حساب التقاليد الثقافية الغربية. مثل الدعايات السياسية والتي استعار الطليعيون منها بلاغتهم فأن الهدف الرئيسي لهم هو المجتمع البورجوازي وبالأخص أعرافه التي تفضل الفن الخالي من التبعات الاجتماعية ، في حركة التركيبيين ومجموعات التحريض التي نشأت مع فورة الثورة السوفيتية وروحها وظهر النقد المضاد للبورجوازية أكثر فاعلية وحظيت التعبيرية والدادائية بقوة دافعة في نهاية الحرب العالمية الأولى وكانتا من القوى المفضلة في تقنياتهم ، وجعل أيضاً المستقبليون الايطاليون التحريض السياسي زريبة لانشطتهم .
جغرافياً وسياسياً كان الطليعيون مشتتين لا يمتلكون برنامجاً اجتماعياً متماسكاً مع ذلك فأن العديد من فنانيهم قد اندمجوا بالحركة الفوضوية أو بالشيوعية حيث أصبح منظرو الحركات التاريخية بمعارضتهم للاستقلال الجمالي هم الأسمى ، وعلى وفق تجذرهم في الحركة التنويرية فأن مذهب استقلالية الجمال برر فصل الفن عن عالم المجتمع وصولاً إلى فرضية الفن من أجل الفن وحركته في أواخر القرن التاسع عشر ، وبالضد أصبح رفع الحواجز بين الفن والمجتمع دستوراً للطليعيين ومنذ عام 1909 راح (هاربينيتي) والمستقبليون يسخرون من أساليب التمثيل التقليدية بايجازاتهم وتلميحاتهم الميكانيكية وأعراف صالات الموسيقى بشروا بمزج الفن بالتجربة الاجتماعية المشتركة ، وبالنسبة للمستقبلين والدادائيين فأن الصدمة وتكتيكاتها أصبحت المستقر الادائي لتمزيق سلبية جمهورهم وذلك بتشيجع ضجيجهم وهياجهم وهجمات الشرطة والترحيب بالدعاية الرافضة .
كانت مجموعات التحريض السوفيتية والتي اهتمت بالمسرح كإحدى وسائلها لتعليم الجماهير قد خلقت اضافة لصيغ معبئة بواسطة الوسائل الجمعية التعاونية والتي كانت من تهم البورجوازية الفردية المرتبطة تقليدياً بالعبقرية الفنية. وقد عملت في المعامل مجموعات مثل تعاونيات القمصان الزرقاء وهي شبكة من المؤدين تنامت فوصل عدد أعضاءها حوالي مائة ألف عام 1923 أختزلت تقنيات العمل إلى الامكانات الجسدية للمؤدين . ومن أمثلة الصيغ الجديدة التي يمكن للعمال التحكم بها وكذلك الراقصين والتي تمزج مزج العمل بالفن كانت (الباليه الميكانيكية) لغورغر والتي تدين كثيراً للسيرك أكثر من الرقص وكذلك البايوميكانيك لميرهولد .
وما يميز الطليعة الروسية تلك المساندة المبكرة للبيروقراطية الثقافية الثورية برعاية (قوميسارية التنوير) فقد كان للطليعيين الروس القرابة الايديولوجية مع الدولة وكذلك الاعانة المالية.
من مكان آخر كان مثل ذلك التلاقي غير المناسب بين الطليعية والقطاع الحكومي (فبدكيند) ، على سبيل المثال ، غذى الحساسيات البورجوازية بعروض الكابريه السياسي الجارحة منذ عام 1901 مما عرضه لسوط الرقابة واتهاماتها ، وظهر التعبيريون ومعاناتهم الذاتية وما فيها من وحي سري وتميجد للمعاناة الذاتية بمواجهة الدمار الاجتماعي كما لو كان تنبؤاً لما يحدث بعد الحرب العالمية الاولى مما وضعهم عن وعي على حافة المجتمع وسوق الفن.

 

http://www.almadapaper.net/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.