ماذا عن برتولد بريشت وماذا بعده؟  همسات في ذكرى رحيله بقلم: عبد المجيد اهرى

 

ماذا عن برتولد بريشت وماذا بعده؟

 همسات في ذكرى رحيله

بقلم: عبد المجيد اهرى

 

في مثل هذا اليوم، رحل الشاعر والكاتب والمخرج والمنظر المسرحي السيد برتولد بريشت، ويسجل (برنار دورت):”في 14 من شهر غشت، وعلى الساعة الثالثة والعشـرين والدقيقة الخامسة والأربعين، توفي بريشت عقب انسداد في نسيج القلب العضلي، في منزله بمدينة برلين. بعدما دخل المستشفى على إثر نزلة زكام، ثم أشرف يوم 10 من الشهر ذاته، على التدريب النهائي لمسرحية (حياة غاليليه)” لقد توفي بريشت، وهو القادم من الغابات السود الباردة إلى زمن الفوضى:

“لقد جئت من الغابات السود.. أنا برتولد بريشت

         عندما أتت بي أمي إلى المدن

         كنت لا أزال في أحشائها جنينا

        وسيبقى برد الغابات في أعماقي حتى الموت.

        أنا في داري داخل المدينة المزفتة، وللحال

        منحت الأسرار الأخيرة

        من صحف وتبغ وكحول

        وكنت حذرا، كسولا ومع ذلك مسرورا.

        أنا مع الناس ودود، ألبس

        قبعة مستديرة وفقا لعاداتهم

        أقول: إن لهذه البهائم رائحة مستغربة،

       وأقول أيضا لا بأس في ذلك، أنا مثلهم.”

لقد انتفض برتولد بريشت على موقعه الطبقي، وتبنى موقفا نقديا تجاه المرحلة ككل؛ وما المرحلة إلا بداية حرب عالمية أولى، فحروب أهلية، وأزمات اقتصادية، ثم صعود للبؤس النازي، وبعد ذلك، حرب عالمية ثانية، أفقدت الإنسان بوصلته وضميره، وقذفت به نحو جدار برلين. فقد عاش بريشت صعود البؤس وانحطاط ماهاغوني، ودق طبولا في الليل، لعلى الأم كرار تحمل بنادقها، فأبدع للقاعدة ولم ينشد للاستثناء، فتسلح بشجاعة الأم، وكان مثل جاليلي يستشـرف المستقبل. وحينما أحرق مبنى الريخشتاغ، وسيطر النازيون على السلطة، فبدأت ملاحقة كل المفكرين والأدباء، أدرك أنه لا مستقبل له في برلين، فقرر تغيير البلدان أكثر من تغيير الأحذية. ورغم ذلك، فقد ظل يبدع مسـرحا بثلاثة قروش. وبإيمان قديسة المسالخ جان، سخر بشدة من سيرة الدكتاتور  أرتورو أوي الذي لا يمكن مقاومته. لقد كان السؤال الذي يشغل باله دائما بوصفه شاعرا وكاتبا ومبدعا: ما الذي يمكن للفنان فعله للتصدي للكارثة؟ فكان الجواب الوحيد: “هي أن يكتب”، وفي نهاية مشواره، يكتب كذلك (إلى أولئك الذين يأتون من بعدنا)، فيقول:

 “حقا، إني أعيش في أزمنة مظلمة

       إن لغة، لا خبث فيها دليل على الحماقة،

      وجبهة ملساء، دليل على الاحساس

      والذي يضحك، لم يتلق بعد النبأ المفجع.

      يا لهذه الأزمنة التي أصبح

      فيها الحديث عن الأشجار شبه جريمة

      لأننا بذلك نصمت عن الكثير من الجرائم

      أو لم يعد إذا باستطاعة الذي يعبر الشارع هناك بهدوء

      أن يبلغ أصدقاءه

     الغارقين في الضيق؟

     يقولون لي: كل أنت، واشرب.. كن سعيدا بما لديك

     ولكن كيف أستطيع أن أكل وأشرب، في حين

     أنني أنتزع ما أكل من الجائع،

     وكأس الماء من الذي يموت عطشا؟

    حقا إني أعيش في أزمنة مظلمة.

    جئت إلى المدن في زمن الفوضى

    إذ كانت المجاعة تسود فيها

    ولدت بين الناس في زمن الفتنة

    وتمردت معهم

    وهكذا انقضى الزمن

    الذي وهب لي على الأرض.

    كنا نذهب، يائسين، نبدل البلدان أكثر من تبديل أحذيتنا

    في خضم الحروب، بين الطبقات،

    هناك حيث يسود الظلم، ولا وجود للتمرد

    نحن نعرف أن:

    الحقد على الوضاعة، هو أيضا

    يغضن الملامح

    والغضب على الظلم

    يجعل الصوت أجش.. ويا للأسف، نحن

    الذين كنا نود تمهيد سبل الصداقة

    لم نستطع أن نكون، نحن أنفسنا، ودودين

    ولكن أنتم، عندما يحين الوقت

    الذي يساعد فيه الإنسان أخاه الإنسان

    فلتذكرونا

    بتسامح”

لكن ماذا تبقى من (برتولد بريشت) ومسرحه وفكره، بعد واحد وستين عاما عن رحيله؟ لقد بقي كل شيء، ما دمت الأجيال الجديدة، ما زالت تقرأ من بعض مصادرنا ومراجعنا بعد كل هذه السنوات، بكون برتولد بريشت: الرجل الغارق إلى حد غير عادي في الجريمة والانحلال وبالعابث الرومانسـي، بكونه كان فوضويا في مرحلة أولى من حياته وبالعدمية، وبالبهيمية وبالكذب، والأنانية وبالمكر، وبعلاقاته المستبدة بالنساء، وببخله المادي، وبغموضه وشيوعيته.

كما تعرض مسـرحه لسوء الفهم، بكونه تصاميم للواقعية، ومنبرا لخطابات الشيوعية، وبكونه يعلن عن نظرية ماركسية، ولم يفهم على أنه بناء لدراماتورجية حديثة وجديدة وبديلة، وبكون تصوراته الجمالية هي بالأساس تعاليم حول (فن مشهدي) صرف، هذا إلى جانب مصادر أخرى تكرس ـ كما أعلن عبد الواحد ابن ياسر ـ كثيرا من اللبس والمغالطات حول (بريشت) الإنسان، وحول فكره وفنه، وهي غالبا لا تصلح كمصادر للتعرف الحقيقي والموضوعي على هذا المسـرح ورائده، ولا تساعد حتى على تكوين فكرة واضحة عنهما.

وفي الذكرى وفاة السيد برتولد بريشت، يمكن أن نقول، بالرغم من كونه قد أعلن “هذا هو كل شيء”، فإننا نقول: بلى..  لقد بقي كل شيء.. ما دامت جوانب من تخوم ذاكرتنا المسـرحية المدونة حوله وحول مسـرحه وفكره وحياته، تملؤها ثقوب كثيرة لا تكف عن الامتلاء، بتعبير محمد برادة،  فماذا إذن، عن برتولد بريشت وماذا بعده؟ في ذكرى رحيله.

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.