أخبار عاجلة

ليلتكم سعيدة” عرض كوميدي يعيد الثقة إلى فكرة “أون لاين” – يسري حسان #مصر

سعيدة
من مسرحية ليلتكم سعيدة

ليلتكم سعيدة” عرض كوميدي يعيد الثقة إلى فكرة “أون لاين” – يسري حسان #مصر

“مغنية الكورس” لتشيخوف في صياغة مصرية اقتباسا وإخراجا

كاد متابعو عروض “الأونلاين”، التي تقدمها وزارة الثقافة المصرية عن قصص الروسي أنطون تشيخوف، في مبادرة “اضحك، فكر، اعرف”، أن ينصرفوا عنها، نظراً لعدم قدرة أغلبها على تقديم صيغة مسرحية مبهجة تعوضهم غياب المسرح الحي، بخاصة أن أصحاب التجربة بشَّروا بعروض كوميدية تدفع إلى الضحك والتفكير والمعرفة، وكانت النتيجة، بعد تقديم ستة عروض، أن أحداً لم يضحك أو يفكر أو يعرف، اللهم إلا في عرض واحد منها.

العرض السابع جاء ليعيد الثقة والجماهيرية إلى تجربة “الأونلاين”، ذلك أن أسباباً ثلاثة توافرت له: مخرج واع ذو خبرة، كتابة جيدة استلهمت روح القصة الأصلية وأضافت إليها الكثير وصبغتها بالروح المصرية، ممثلون جيدون استوعبوا رؤية المخرج وسعوا إلى تحقيقها باحترافية وخفة ظل، بعيداً من الافتعال ومحاولات الاستظراف لجلب الضحكات.

في قصة تشيخوف “مغنية الكورس”؛ لدينا ثلاث شخصيات: المغنية، والزوج والزوجة، ترتبط المغنية بالزوج في علاقة خاصة ويزورها في بيتها، وتفاجئهما الزوجة، يختبئ الزوج، بينما تنفرد الزوجة بالمغنية العشيقة وتستولي منها على كل ما لديها من أموال ومجوهرات، بحجة أن الزوج اختلس أموالاً من عهدته، لينفق على نزواته معها، ويتم القبض عليه إذا لم يسددها، ما سوف يؤثر على بيته وأولاده، ويؤدي إلى تشريدهم وضياع مستقبلهم، وتنتهي القصة عند هذا الحد.

التقط المخرج خالد جلال، روح القصة، وأضاف إليها الكثير من الأحداث والشخصيات ليصبغها بالروح المصرية، في عرضه الذي أعطاه عنوان “ليلتكم سعيدة”.

حيلة المخرج

القصة الأصلية والصياغة الجديدة، أو المعالجة المسرحية، ليست كوميدية، فمن أين تنبع الكوميديا إذن؟ بذكاء شديد اهتدى المخرج إلى حيلة ربما لجأ إليها في عروض سابقة له، وهي العودة للخلف واستلهام طريقة التمثيل التي كانت شائعة في أفلام الأربعينات والخمسينيات من القرن المنقضي، الأداء المبالغ فيه، واللغة المستخدمة وطريقة نطقها، وذلك كله أسهم في إنتاج الكوميديا.

لم يكن الاستلهام في طريقة الأداء وطبيعة اللغة وطريقة نطقها فحسب، بل تمثَّل كذلك في طبيعة الموضوع، الذي مرَّ علينا في أكثر من فيلم من أفلام تلك الفترة الباكرة، الرجل الوسيم، العاطل، “اللعوب”، وأسرته التي تسير على الخط نفسه في الدهاء والنصب، يلتقط راقصة أو مغنية أو أرملة ثرية، ويقيم علاقة معها مدعياً أنه ثري، بل يغدق عليها ببعض الأموال والهدايا، ثم أفراد الأسرة: الزوجة وشقيقتها وابنتها وخطيب ابنتها، الذين يدعون، بطريقتهم الخاصة، أنهم اكتشفوا العلاقة، ويبدأون في ابتزاز العشيقة، كل بطريقته، ليحصلوا منها على كل ما تملك، وهي تستجيب خوفاً من الفضيحة.

أيضاً كانت السينما حاضرة عن طريق الاستفادة من تقنياتها، ومنها عنصر المكان الذي لا يتمتع المسرح بمثل ما تتمتع به السينما من مرونة في التعامل معه، فوجدنا استفادة في تصوير حدثين  في مكانين مختلفين في وقت واحد، وإذا كان المتفرج في المسرح يشاهد العمل من وجهة نظر واحدة وثابتة من حيث الزاوية والمسافة، فقد استطاع خالد جلال تغيير وجهة النظر هذه داخل المكان الواحد من حيث الزاوية والمسافة واقتراب الكاميرا من المشهد أو ابتعادها عنه، وتغيير وضعها. تلك المرونة السينمائية أدرك المخرج أن عليه الاستفادة منها، لأنه بصدد تقديم عمل مصوَّر، وليس عرضاً حياً يجبره على الالتزام بصرامة المسرح.

مشهدان متواليان

جاء العرض، الذي قام ببطولته محمد علي، ومريم السكري، وبسنت صيام، ومروة عيد، ونديم هاشم، وألحان المهدي، في مشهدين، وكتوطئة للزمن الذي تدور فيه الأحداث. بدأ المشهد الأول بأغنية لسيد درويش؛ “حرَّج عليَّ بابا ماروحش السيما”، ثم عودة الزوج وعشيقته إلى بيتها ليتحدثان عن سعادتهما بالرواية الجديدة التي شاهداها على المسرح لعلي الكسار. أي أنه يشير مبدئياً وبوضوح إلى الزمن الذي تدور فيه الأحداث، ولأنه زمن قديم فقد جاءت الملابس، وتصفيف الشعر، مِن وحي ذلك الزمن، وكذلك الديكور (صمَّمه عمرو عبدالله) وهو عبارة عن صالة شقة من تلك الشقق التي كانوا  يطلقون عليها في مصر “جرسونيرة”؛ أي المكان الذي يلتقي فيه الرجل عشيقته، سواء من حيث الصور المعلَّقة على الجدران، أو وجود “بار” في المدخل، وغيرها من التفاصيل التي تشير إلى طبيعة المكان وزمنه، فضلاً عن أن ملصق العرض نفسه جاء بلون “هاف تون”؛ ما يشير إلى أننا بصدد عرض يدور في زمن مضى.

في المشهد الأول دارت الأحداث في تلك “الجرسونيرة” وانتهت بحصول  أفراد أسرة الزوج من الراقصة على كل ما تملك، ثم مقتل الزوج، وهروب الراقصة خوفاً من الملاحقة القضائية.

في المشهد الثاني، الذي يدور في بيت الزوج ومع أفراد أسرته، نكتشف أن الزوج لم يقتل، وأنها كانت مجرد حيلة للتخلص من الراقصة بهروبها، ثم تبدأ الأسرة بالتفكير في راقصة أخرى يلعب معها  الزوج  اللعبة نفسها. واحتفالاً بهذه المناسبة “السعيدة”، يلتقط الجميع صورة معاً.

أسباب النجاح

عند هذا الحد تنتهي الأحداث، لكن صوت المخرج يأتي ليخبرنا أن الراقصة، التي تم النصب عليها، شاهدت الصورة التي تجمع أفراد الأسرة،  في أحد الاستديوهات، أثناء التقاطها صورة مع عشيق جديد لها، واكتشفت أنها تعرضت لعملية نصب، وأبلغت البوليس الذي قبض على أفراد الأسرة وتم الحكم عليهم بالسجن خمس عشرة عاماً بتهمة النصب والاحتيال، ثم نشاهد صوراً للأسرة وهي بملابس السجن.

استغرق العرض خمسين دقيقة، مرَّت بسلاسة ومن دون ملل، ففضلاً عن الأحداث المشوقة، وطريقة المحاكاة التهكمية التي يؤدي بها الممثلون، اتسم العرض بجماليات عدة، سواء في تشكيل فضائه، أو في طريقة التصوير التي لجأ إليها المخرج، عندما أدرك أنه بصدد عرض “أونلاين”، يستلزم الاستعانة بأدوات جديدة، وهو اختيار يشير إلى ذكاء وخبرة اكتسبها خالد جلال على مدى سنوات طويلة.

ربما يعيد مثل هذا العرض الاعتبار إلى فكرة “الأونلاين”؛ باعتبارها بديلاً إضطرارياً لإغلاق المسارح التي بدأت تعود الآن، أو بديلاً محتملاً إذا تم إغلاقها مرة أخرى، شريطة أن يدرك صناع “الأونلاين”؛ ما أدركه صناع عرض “ليلتكم سعيدة”، وهو ببساطة أننا أمام وسيط آخر تلزمه وسائل أخرى وابتكارات وأفكار أخرى.

يسري حسان – مصر

(انديبندنت عربية)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح