ليلة مقتل العنكبوت ميلاد مخرجة مبدعة – يوسف الحمدان #ايام_الشارقة_المسرحية_30

إلهام محمد تضيء ليالي أيام الشارقة المسرحية ..
ليلة مقتل العنكبوت ميلاد مخرجة مبدعة ..

في ليلة معاكسة مشاكسة لمألوف النصوص المسرحية التقليدية والعروض المسرحية النتائجية السائدة التي تتعاطاها بإخلاص ممل ومضجر وباهت مهرجاناتنا المسرحية الخليجية على وجه التحديد ، تقدم لنا أيام الشارقة المسرحية في دورتها الثلاثين على خشبة مسرح المعهد العالي بالشارقة ، تجربة مغايرة تستحق الوقوف مليا عند مختلف مفرداتها وعناصرها الفنية التجريبية وتأملها وفق رؤية الاشتغال المختبري الاستقصائي الذي تصدت له المخرجة الإماراتية الشابة المبدعة إلهام محمد في عرضها الخلاق ( ليلة مقتل العنكبوت ) ، تأليف الكاتب الإماراتي المبدع إسماعيل عبدالله ، إنتاج مسرح خورفكان للفنون .
في هذه التجربة الجادة والجديدة تذهب المخرجة إلهام محمد للاشتغال على الجسد بوصفه فضاء العرض كله ومحرك محاوره السينوغرافية والكوروغرافية والنصية ، وبعناية ودقة عاليتين مسئوليتين في صوغ كل ممكناته الجمالية والدلالية ، موغلة في قراءة أعماق النص وأبعاده الفكرية والفنية المستفزة للمخيلة الخلاقة التي على ضوئها تتشكل رؤيتها الإخراجية ، حيث يبدو النص بحمولته التجريدية الدسمة والثقيلة متجسدا بروح منحت الكلمة وهج الفعل وتحولاته الدلالية دون أن تلجأ إلى التخفف من هذه الحمولة ، كما يلجأ إلى ذلك كثير من المخرجين ، كي يسهل عليها بسط نفوذها الإخراجي دون التزام وإلزام بالكلمة نفسها ، وهو التحدي الحقيقي الذي واجهته المخرجة إلهام من أجل أن تشغل رؤيتها الإخراجية في حيثيات الخلق الفني والأدائي والكوروغرافي والسينوغرافي التي تتسلل بين تضاعيف النص وتشكل من خلالها نصها الإخراجي الرائي .

لم يكن فضاء العرض متخما بالديكور وقطع الاكسسوار ، إنه فضاء شبه عار إلا من موحيات ببيوت العنكبوت تتوزع خلفية المسرح وجوانبه وطاولة أعدت لأغراض تأويلية عدة ، وممثلين تماهيا بسواد فضاء العرض في زيهما وفتاتين تعنكبتا في زيهما وحركتهما حد التماهي .
في هذه التجربة التي تصدت لنص مغاير لنصوص المؤلف إسماعيل عبدالله التي اتكأت في أغلبها على توظيف الموروث ، نص مركب بمعنى الكلمة والصراع فيه رامز وموح لصراع فكري مجرد يستحضر مختلف التابوهات الدينية والسياسية والجنسية ، ويوغل في المسكوت عنه بغية التحرر منه وإعلانه في الوقت نفسه ، لاجئا إلى توظيف التضادات الحيوانية الرامزة في سلوكياتها إلى أشباهها من البشر ، كالعنكبوت والديناصور ، في هذه التجربة تقرأ المخرجة إلهام وبوعي سلوكيات هذه الحيوانات لتجسدها وباقتدار فني آسر في شخصيات عرضها المسرحي ، لنكون في مواجهة حيوات غرائبية الشكل والأداء صوتا وحركة وإيماءة وقدرة في تبادل الأدوار المركبة ، وخاصة بين الفنان حميد فارس ( أمين ) وخليفة ناصر ( فنار ) اللذين تمكنا من أن يتجسدا دوريهما في السجن بممكنات أدائية متعددة ومعبرة تخللها الصوت المغنى والمأزوم والحركة اللابشرية القريبة في تكوينها من تقنية الأداء البلاستيكي أو البيوميكانيكي ، حيث كانت المرونة في تواشج الأدوار وتنافرها قادرة على صنع حالات متعددة الدلالات ، وحيث كان الجسد هو سينوغرافيا العرض .
ولعل أجمل ما في هذا الفضاء الأدائي اشتغال المخرجة على عنكبة الفتاتين سارة ونساء من خلال أدائهما الكوروغرافي الخفيف والمرن والمتوجس والذي لا ينفصل عن شتى علاقته بالممثلين أمين وفنار طوال الوقت .
ولم تكن الطاولة المتحركة بمعزل عن علاقتها العضوية والدلالية بالممثلين ، فكانت وكما لو أنها جسد آخر يتآخى مع الأجساد الحية في العرض ، هي شاهد على كل حدث صراعي حاد وهي مظلة واقية للعناكب وهي غرفة تحقيق وهي رحلة عذابات في هذا السجن العنكبوتي الموحش ، وهي تابوت ومنبر وذاكرة ومقصلة .

كما أن القناع العنكبوتي النصفي التكوين الذي تتعدد فيه وجوه الممثل حميد فارس وأقنعته المخاتلة ، يحمل من الدلالات الكثير في تماهيه مع العنكبوتتين اللتين تتقافزان بخفة بيوتهما الواهنة على ظهري وأكتاف الممثلين أمين وفنار وكما لو أنهما ( العنكبوتتان ) في وارد المخفي من كل المشاهد والحاضر بقوة فيها في الآن نفسه .
لم يكن اشتغال المخرجة إلهام محمد الإخراجي في هذا العرض مبنيا على تشكيل فضاء سيمتري مغلق أو متشابه التكوين ، فكل مناطق الأداء قابلة للتجدد واللاتشابه صوتا وحركة وإيماءة مظفرة بالموسيقى المدروسة والموظفة التي يتخلق منها الانسجام والتناغم بقدر مواز للتنافر والاشتباك ، وأنا اعتقد أنه لو استغنت المخرجة إلهام عن الأشكال العنكبوتية المعلقة في ستار خلفية المسرح ، فإنه لن يقلل من قيمة الأداء الجمالية للعناكب الحية في فضاء العرض .
ومما زاد فضاء العرض التجريدي جمالا في إيحائيته الرمزية والدلالية ، استخدام المخرجة لللإضاءة الموحية بالوحدة والوحشة ، والمسيجة بقضبان ضوئية من أمام الخشبة تعبيرا عن الفضاء السجني الذي يضم كل هذه الشخصيات والذي ينسجم ويتوائم مع خيوط العنكبوت الوهمية الشاحبة .
ولقد استوقفني في هذا العرض قدرة المخرجة إلهام على جعل الفضاء المسرحي ممتلأ بروح أداء الممثلين وخاصة حميد فارس الذي أذهلني حقا بقدرته غير الاعتيادية في تجسيد دوره والانتقال به على محطات كثيرة وصعبة دون أن تشعر لحظة بأنه يشبه نفسه في بعض الحالات ، وكما لو أننا أمام مؤد محترف عالي التميز في مختلف الأداءات الفنية بمختلف أنواعها وتبايناتها ، بجانب الممثل خليفة ناصر صاحب الصوت المتميز في الأداء ، وذلك بالرغم من طول العرض ومشقة أدائه .
إن تجربة إلهام محمد في ( ليلة مقتل العنكبوت ) مختبرا حقيقيا وفاعلا للممثل المؤدي اللاعب على كل خلايا المسرح الكيميائية الصعبة والشائكة ، مختبر تعرفنا من خلاله على مخرجة خليجية سيكون لها شأنا إبداعيا عربيا ودوليا في المستقبل متى ما استمرت بهذه الروح الخلاقة ، ونظرت إلى المسرح بوصفه فنا مسئولا وبحثا استقصائيا في حقول المسرح الخلاقة بعيدا عن المنجز المهرجاني الطاريء .
ويهمني في هذه السانحة أن أحيي كل العاملين والمضيئين لهذه التجربة ، من ممثلين ومصممين ومنفذين وفنيين .. وإذا كان عيد ميلادي يصادف الثالث من مارس ، ليلة العرض ، فإن عيدي الحقيقي والذي يحق لي أن أحتفي به بحب وفخر هو يوم ميلاد مخرجة جديدة مبدعة في وسطنا المسرحي الخليجي ( إلهام محمد ) .. والقادم لا شك أجمل وأبدع.

يوسف الحمدان – البحرين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح