“ليلة مقتل العنكبوت” لإسماعيل عبد الله أيقونة للمسرح السياسي الرمزي في الخليج – عبد الكريم الحجراوي

مقتل العنكبوت
من مسرحية ليلة مقتل العنكبوت

“ليلة مقتل العنكبوت” لإسماعيل عبد الله أيقونة للمسرح السياسي الرمزي في الخليج – عبد الكريم الحجراوي 

تنتمي مسرحية الكاتب الإماراتي الكبير “إسماعيل عبدالله”  “ليلة مقتل العنكبوت” إلى المسرح الرمزي الذي تناقش من خلاله  بشكل  فعال العديد من القضايا الجوهرية التي تمس الإنسان العربي، ومنها العلاقة بين الإنسان الحالم المثقف والسلطة السياسية القمعية، وكذلك الفساد المستشري وظاهرة التجارة بالدين، ومفهوم الحرية، وغيرها من القضايا.

وتدور أحداث المسرحية حول سجين يدعى “فنار” صاحب عقل وقاد، استطاع أن يكتشف سراديب وأنفاق طبيعة تحت الأرض بها ماء عذب، إلا أنه أخفى خرائط هذه المدينة حين عرف بمخطط الديناصور ونيته بأن يدفن مخلفات ضارة في هذه الأنفاق مضحيًا بمستقبل الوطن وأهله مقابل حفنة من المال، إلا أن “فنار” رفض ذلك، ولم يفصح عن مكان خرائط المدينة العجيبة، فما كان من “الديناصور” إلا أن قام بقطع ذراعه ورميه في غياهب السجون، وفي هذا الغرفة المعتمة من السجن تنشأ علاقة غرامية عذرية بينه وبين العنكبوت الذي تجسدها حركيا على المسرح الطفلتين “سارة ونساء عناكب”، فينسجان خيوط في الزنزانة خيوط لمدينة عبقرية الصنع والتصميم، وفي هذا السجن وبعد انقضاء عشر سنوات يسترجع البطل حياته الماضية، ونشأنه وكيف دخل السجن، حتى تلعب الصدفة لعبتها، وتقلي في الزنزانة زميله وصديق طفولته الذي باع نفسه واستغل ذكائه في الوصول إلى أعلى المناصب وتملق الديناصورات الحاكمة، وتنتهي المسرحية بأن يقتل العنكبوت السامة الديناصور الجديد، فتموت ويموت وبذلك تنهي المسرحية نهاية مفتوحة تسمح بالعديد من التأويلات.

التوظيف الرمزي للحيوانات

ويلاحظ في النص المسرحي أن هناك توظيف رمزي للحيوانات، فيوجد العنكبوت، الذي يرمز إلى البناء ونسج البيوت كما هي صنعة المهندس “فنار”، كما يرجع الكثير من العلماء الفضل إلى  العنكبوت التي  تقضي معظم حياتها في اصطياد الحشرات والفتك بها. فلولاها لتكاثرت الحشرات وأتت على الأخضر واليابس، فكذلك هي صنعة “فنار” بصموده في السجن وثباته على مبادئه من أجل تخليص الدولة التي ينتمي إليها من الحشرات التي تريد تلويثها وإفساد هواءها وماءها والقضاء على أمل أن يجد أبناءها في المستقبل حياة أفضل.

أما الديناصور، فهو رمز للسلطة السياسية الديكتاتورية، وقد جاء اختيار هذا الحيوان بالتحديد ذكيًا، ويعبر عن قوة هذه السلطة جسدًا، وقدرتها في السيطرة على الطبيعة لملايين السنوات، إلا أن عوامل قوتها كانت نفسها العوامل التي أدت إلى انقراضها واختفاءها إلى الأبد مما يعطي نوعًا من الأمل بأن الحق سينتصر وإن طال الوقت.

النهاية المفتوحة ودلالة الأسماء

وتأتي نهاية الحدث المسرحي بموت الديناصور  بالفعل  على يد العنكبوت التي لحقته أيضًا، إلا أن هذين النوعين من الحيوانات كأنها يتركان الوريث لهما، لكن يظل في المسرحية نوعين من بني الإنسان لم يلحقهما الموت، وهما “فنار” الإنسان الذي يوحي اسمه بالضوء ومنارة تهتدي بها السفن الحائرة في قلب المياه، وهناك الإنسان المنافق الذي وصفه “فنار” بالجرذ الذي باع ضميره للشيطان من أجل مكاسبه إنه “أمين صادق الشريف” الذي يحمل من اسمه نصيب لا في الأمانة أو الصدق أو الشرف.

 ويلاحظ أن كل من “فنار” وصاحبه “أمين” كانا تابعان لحيوانيين كان بينهما صراع، صراع بين الخير والشر، الذي لم ينته ولن ينتهي طالما أن هناك حياة على كوكب الأرض، فنهاية المسرحية المفتوحة تحيلك إلى أن “فنار” الشخص المتمسك بمبادئه ومحبته الحقيقة للوطن بعيدًا عن العبارات الرنانة التي يطلقها سياسيون بينما يفعلون في الظهر عكسها، ولا يتورعون عن بيع أوطانهم بأبخس الأثمان، لذا فإن  الصراع مع خليفة الديناصورات “أمين” الشخص المنافق الذي يمثل الشخصية المعاكسة تمامًا لـ”فنار” ولم يتورع من ترك أسرته وهم في أمس الحاجة إليه بعد وفاة الأب، مما دفع أختيه إلى أن يعملا في “البغاء”، وحين عرف بتلك المعلومة من “فنار” لم تكن لديه القدرة حتى أن ينكر هذا العار لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وفاقد الشرف لا تعنيه المحافظة على قيم.

وتظهر هذه الصورة الرمزية للصراع  بوضوح حين يدهس الديناصور العنكبوت بما يحمل كل منهما من رمز فيصرخ فنار “أرجوك لا.. لا تفعلينها وتتركيني.. لن يصبح لحياتي بعدك معنى..قاومي أرجوك.. تحدي الموت فرحلتنا لا زالت طويلة حتى نقهر جرذان الزمن..”، فهنا دليل على أن الحق وإن كان الأضعف قوة وجسدًا إلى أنه قادر في النهاية أن ينتصر.

السلطات الديكتاتورية

وتكشف المسرحية عن قسوة السلطات الديكتاتورية العسكرية  التي لا تتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم، من أجل الحصول على المعلومات التي تريدها مثل انتهاك حرمة بيت “فنار” فالحاكم يلقي القبض على أمه المرأة البسيطة ويعذبها من أجل أن تقر على المكان الذي خبأ فيه ابنها خرائط المدينة، كما أن الديناصور لا يتورع من أن يخطف زوجة فنار ويجعلها لنفسه زوجة ثانية له، ويكشف النص المسرحي أيضًا عن طبيعة تعامل مثل هذه النوعية من الحكام مع شعوبها، فظهور “الديناصور” ووصفه داخل النص المسرحي بأنه  يعطي ظهره لجمهور خشبة المسرح هو أمر شديد الدلالة، على عدم اعتناء هؤلاء الحكام بإرادة شعوبهم.

إحالات نفسية

كما تقدم هذه المسرحية  صورة نفسية عميقة للسجين الذي يظل في مكان وحده لفترات طويلة في السجن، فيضطر إلى أن يقيم علاقات مع جمادات أو حيوانات حتى لا يصاب بالجنون.. ما يحلينا إلى الفيلم الأمريكي ذو الأصل الكوري “oldboy”” أو الفتى العجوز، الذي يصادق فيها السجين لمدة عشرين عامًا فأرًا، وهو فيلم ذو طابع مأساوي قريب من مسرحية “أوديب ملكًا” لسوفكلوليس، وهناك فيلم  cast away للأمريكي “توم هانكس” الذي ألقت به الرياح على جزيرة مهجورة فأقام لسنوات علاقة مع كرة.. وهناك المسرحية الأرمنية  للكاتب الأرماني بيرج زيتونسيان .. Perch Zeytuntsyan، المعونة باسم “الرجل الأحزن” ترجمة نظار نظاريان، وتدور أحداثها حول سجين كان يربي طيورًا من أنواع مختلفة ويحررها وكأنه يحرر نفسه من خلالها، وفي مسرحيتنا أقام البطل علاقة حب عذرية مع العنكبوت _والعنكبوت أنثي، والمذكر منه يسمى عنكب – فنجده يناجيها بقوله داخل النص المسرحي “مؤنستي ونديمتي ومعلمتي وملهمتي عذريني لم هناك ما يعطى لأبخل به آنستي…” ومن خلال ذلك تتكشف لنا صورة البطل بشكل أوضح عما يعانيه مع الجنس الآخر الذي تسبب له في جرح.. حين خانته زوجته وهربت مع “الديناصور”.

 عالمين

وفي النص المسرحي يظهر عالمان بينهما تضاد واضح وقوي: عالم من الشر المحض وعالم من الخير المحض، شخصية تبحث عن بناء مدينة فاضلة لا مكان فيها للغش (مدينة للأحلام)، وقوى تريد أن تسيطر بأخلاقيتها وتهدم هذه المدينة، فحتى الدين تتاجر به، وتبيع المخدرات داخل السجن عن طريق وضعه في سجاد مسجد السجن، ويحترك نظامه الوطنية والدين في اتباع سياسية الولاء للحاكم لا للدولة، محرفين من النصوص التي توجب اتباع ولي الأمر، وذلك لصالحهم حتى وإن أدى ذلك خراب المجتمع وموت الناس عطشًا وجوعًا.

ومن الجدير بالذكر أن هذه المسرحية كانت ضمن فاعليات الدورة الثلاثين لمهرجان أيام الشارقة المسرحي2019، وقدمتها فرقة “خورفكان” للفنون،  بإخراج المخرجة الإماراتية الشابة “إلهام محمد” التي نجحت في إخراج نص فلسفي رمزي، يصعب تقديمه على خشبة المسرح، حيث تكثر فيه الأفكار العميقة والجادة، كما يكثر فيه السرد. ففي بعض أجزاء المسرحية تشعر أنك أمام نص ذو طابع مونودرامي، إلا أن المخرجة تغلبت على ذلك من خلال أداء الممثلين الذي كان قويًا وحرفيًا خاصة الفنان  “حميد فارس” الذي نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان أيام الشارق.. جدير بالذكر أيضا ان العرض نال العديد من جوائز المهرجان: جائزة لجنة التحكيم الخاصة (إلهام محمد)، جائزة أفضل ممثلة (سارة عناكب)، جائزة أفضل ممثلة دور ثاني (نساء حيدر)، جائزة أفضل إضاءة (حميد العسيري).

عبد الكريم الحجراوي – مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح