أخبار عاجلة

ليلة مقتل العنكبوت.. بين جماليات الفضاء المحاصر والصوت المفرد – هبة بركات #أيام_الشارقة_المسرحية_30

     في إطار فعاليات الدورة الثلاثون من مهرجان أيام الشارقة المسرحية قدم مسرح خورفكان للفنون عرض “ليلة مقتل العنكبوت” للمخرجة إلهام محمد، والذي يعتمد على نص الكاتب الإماراتي الكبير أسماعيل عبد الله، وهو نص يحاول اقتحام مناطق شائكة وقلقة حول العلاقة بين المثقف والسلطات الاجتماعية والسياسية القمعية، حيث يقوم بالأساس على محاولة رؤية الآثار المدمرة للقمع والديكتاتوريات على الإنسان، وعبر هذا الأساس الذي وفره النص ينطلق العرض في تتبع شخصية “فنار” والذي أداه باقتدار خليفة ناصر الذي يحتل مركز الفضاء المسرحي والدرامي ويهيمن عليه ممتلكاً القدرة والفعالية على إعادة صناعة ذلك العالم الذي يحاصره مجسداً علاقته القلقة مع المجتمع والجنس الآخر، وصولًا لعلاقته بالسلطة الممثلة في شخصية “الديناصور”  الذي يفترض أنه المهيمن على الفضاء السياسي والاجتماعي الذي تتجلى آثار قمعه لفنار وتشويهه وبتره المرة تلو المرة سواء عبر السجن أو الفشل أو التعذيب، حيث تتوالد صورته الديكتاتورية طوال العرض حتى نصل إلى الديناصور الحالي والذي قام بآدائه بحرفية سعيد الرستماني.

وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف قامت المخرجة منذ بداية العرض بصياغة فضاء محايد يقدم لعالم فنار الداخلي عبر دمج لشخصية فنار والعنكبوت الذي جسده حميد الفارس بالإضافة للمؤديتين اللتان قامتا بالأداء الجسدي المعبر عن وعي فنار بالعالم وتجسيد أداء العنكبوت الذي يقوم بغزل العالم والحكاية طوال الوقت، وعبر ذلك التوالد الداخلي لمجموعة الأدوار المختلفة يقوم العرض عبر شخصية فنار بتجسيد وعيه وبناء العالم، ومحاولة بناء الذاكرة والصراعات التي تعتمل في داخله بحثاً عن إجابات ومحاولة لإعادة بناء تاريخه الشخصي الذي انتهي به إلى أن يكون محاصرًا داخل زنزانة مقطوع اليد والقدرة على الفعل، وهو ما تم تدعيمه وتأكيده في العرض عبر توحيد اللون الأسود المحايد والموحد بين جميع المؤدين من خلال منفذة الأزياء نصرة المعمري، بالإضافة لحالة التجريد للفضاء والاعتماد على الإضاءة بشكل أساسي في تشكل المشهد والحالة النفسية من خلال الدويتو حميد العسيري وتنفيذ ماجد المعيني، بالإضافة للغناء والموسيقي المشحونة بالشجن لعبد الرضا محمد.

إن ذلك الفضاء الذي حاولت إلهام محمد بناءه ربما يكون قريبًا إلى حد بعيد من التصورات الحديثة لمفهوم الهوية في عصر ما بعد الحداثة الذي يفتت التصورات القديمة للهوية الفردية بوصفها كتلة مصمتة ويحولها إلى مجموعة من الأدوار الاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية تتقاطع مع بعضها البعض وتتبادل طوال الوقت، وهو التصور الذي يدفع العرض في اتجاهين متناقضين الأول هو سيادة صوت فنار بوصفة المركز والمرجعية الأساسية لبناء العالم وهو ما يعود بشكل ما إلى النص الأصلي الذي ينحو نحو التقنيات التعبيرية التي تجعل من البطل مركزًا للعالم الدرامي وتحول وعيه الداخلي إلى قاعدة لتوليد العالم، وفي مقابل ذلك الاتجاه قامت المخرجة ببناء الصورة البصرية القائمة على التفتيت والتفكيك لشخصية فنار وحولتها إلى مجموعة من الأدوار عبر تحويل العنكبوت إلى لاعب أساسي يقوم بمجموعة من الأدوار (الحبيبة، الصديق ، الأم، العنكبوت…) وهي الأدوار التي نجح عبرها  حميد فارس في تشكيل حالة أدائية شديدة الحيوية والتدفق قادرة على التواصل مع المتلقي والتخفيف من قتامة العرض عبر التنقل بين أنماط أدائية مختلفة.

إن عمليات بناء ذلك الوعي الخاص بفنار المثقف الحالم في مقابل عالم يقوم بقمعه ومحاصرته على كافة المستويات الشخصية والعامة، تقود في النهاية إلى تقديم رؤية للواقع الراهن في لحظة شديدة الحساسية، حيث ينتقل العرض بقدر من السلاسة وعبر الاعتماد على تنوع مستويات اللغة المنطوقة والجسدية ببناء صورة لهذا الواقع الذي يقوم بتفتيت كل محاولة للخروج من أسره وإعادة تكريس المعتاد والمقبول، بما يتجاوز شخصية فنار ذاتها عبر الأدوار المختلفة التي يقوم بأدائها مجموعة من المؤدين، لتقديم رؤية أكثر تعقيداً لهذا الواقع تحاول تجاوز عمليات التنميط التقليدية لعلاقات السلطة والمثقف التي كانت سائدة في الدراما العربية، وإن كانت لم تزل تدور في فلكها في النهاية، إنها رؤية طامحة إلى إعادة محاولة استكشاف مجموع الأدوار المختلفة التي يقوم بها المثقف في تدعيم خطاب السلطة وكشفه ومناهضته في ذات الوقت.

إن الرهان الأساسي للعرض في تشكيل صورة مسرحية ثرية ومتجددة كان هو الرهان الأكثر نجاحاً والذي قاد العرض لعبور أزمة نص العرض المعد عن النص الأصلي لإسماعيل عبد الله حيث استطاعت المخرجة تقديم تصور جمالي قاد للنجاة من أزمات عميقة مثل قلب الأدوار الجنسية الذي يقوم على تهميش موقع المرأة وتحويلها إلى مجرد صوت تابع لصوت الرجل أو سيادة صوت واحد يقوم على تكرار ذاته المرة تلو المرة. 

ربما يكون العرض قد حاول على مستوى عمليات بناء الصورة البصرية تخطي الحالة الساكنة التي ربما جنح إليها نص العرض عبر دمج أصوات فنار والعنكبوت في كثير من الأحيان والتي أدت إلى سيادة صوت واحد لفترات ليست بالقصيرة من زمن العرض، حيث راهنت المخرجة على بناء صورة أكثر ثراء من خلال المؤديتين المحترفتين سارة ونساء اللتين ظللن في حالة حضور دائم داخل الفضاء المسرحي، وكذلك عبر الإضاءة التي قامت بشغل الفضاء وتشكيله سينوغرافياً كما نجد في اللحظات الضوئية التي تشكل خلالها الإضاءة عبر تقاطعها لحالة السجن والحصار، ومن خلال هذا العزف الجماعي قدم لنا العرض صورة بصرية تحمل رؤى شابة تحاول ملامسة مواطن شائكة بجدية وجمالية.

هبة بركات – مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح