ليسنج.. رائد نهضة المسرح الألماني

تأخرت ألمانيا عن دول أوروبا في نهضتها المسرحية، فلم تسلك على نحو فعال إلا في القرن18، كانت إسبانيا قد بلغت في أواخر القرن 16 وأوائل القرن 17 شأناً عظيماً، على يدي لوبا دي فيجا (ولد عام 1562)، وكانت إنجلترا في العصر نفسه تقريباً قد ثبّتت أقدامها في ميدان المسرح وشهدت مارلو بن جونسون وشكسبير، وكانت إيطاليا قد حققت في مطلع القرن السابع عشر تفوقاً كبيراً في المسرح، وأبدعت في الكوميديا المرتجلة، أما فرنسا فدخلت عصرها الكلاسيكي في القرن 17، وشهدت روائع كورني وراسين وموليير، ثم خرجت من عصرها الكلاسيكي لتدخل عصر فولتير وديدرو.

كانت ألمانيا آنذاك تشاهد مسرحيات شعبية تعليمية بسيطة، منها مثلاً «إبراهيم باشا»، و«إبراهيم سلطان» وغيرهما من مسرحيات تعالج موضوعات تتصل بهجوم الترك على أوروبا والخوف منهم، وكانت هناك أيضاً مسرحيات تدور حول موضوعات مأخوذة من الكتاب المقدس، وكله إنتاج مسرحي هزيل لم تعد ألمانيا تحفل به حالياً، ولا يكاد مخرج مسرحي يجرؤ على إعادة بعضه أو كله إلى النور، وبدأت أولى محاولات إصلاح المسرح الألماني في عام 1624، وكانت النتيجة تنقية المسرح من القطع التافهة، وتقييد الإبداع المسرحي القومي وإكراه الألمان على تقمص صورة الفرنسيين، وطالب النقاد بالتزام قانون الوحدات الثلاث (الزمن والمكان والحدث)، كما طالبوا بحق الخيال وحق العواطف في التعبير المطلق على طريقة شكسبير.

وسط هذه المعارك المحتدمة ظهر أول إنتاج لجوتهولد إفرايم ليسنج (ولد في 22 يناير عام 1729 15 فبراير 1781) يبشر بعصر جديد في تاريخ المسرح الألماني، وهو ابن قس بروتستانتي فقير، عاشت أسرته ضيق الحال والضنك، ويحكى أن الابن جوتهولد كان منذ طفولته يحب قراءة الكتب، وكان أبوه يقوم بنفسه على تعليمه، ولما بلغ السابعة من عمره أرسله إلى مدرسة البلدة، وتابع الدرس والتحصيل، وأظهر على مدى سنوات عمره قدرة ممتازة على الفهم والتعلم، ولم يكتف باستيعاب ما تضمنه برنامج المدرسة؛ بل تجاوزه إلى تعلم لغات وعلوم أخرى، فتعلم الفرنسية والإيطالية وتعمق في الرياضيات، وكتب مسرحيته الأولى «العالم الشاب».

لما بلغ ليسنج السابعة عشرة من عمره خرجته المدرسة قبل الموعد، وقال عنه الناظر: «هذا حصان يتطلب علفاً مضاعفاً، ولم يعد لدى المدرسة ما تقدمه له»، فحمل عصاه ورحل إلى ليبزج عام 1746 والتحق بجامعتها الشهيرة، وإذا باسمه يسجل في كلية اللاهوت، لكن الحياة العامة اجتذبته أكثر، واستهواه الناس والأصدقاء، وأغرم بالمسرح والفنون، وترك دراسة اللاهوت، وقام بتعديل مسرحيته «العالم الشاب» التي عرضت على المسرح، ولاقت نجاحاً كبيراً، وأحس الجمهور بعبقرية المسرحية الجديدة، فقد كان ليسنج مولعاً بالمسرح على نحو فريد، وكان يقول إنه لا يكاد يطوف بمخيلته خاطر حتى يتحول إلى مسرحية.

ذهب ليسنج إلى برلين، ليزاول فيها نشاطاً فكرياً ضخماً في حركة التنوير الكبرى، وكان يترجم ترجمات تجارية ليعيش على عائدها، واشتغل بالصحافة، ثم اتصل بفولتير، لكن العلاقة بينهما لم تدم طويلاً، ونشر ستة مجلدات بعنوان «كتابات» ضمنها مؤلفاته المختلفة من قصائد ومسرحيات ومقالات، وأهمها مسرحية «مس سارا سمبسون» التي ظلت تتنقل من مسرح إلى آخر، لتحقق النجاح تلو النجاح، حتى وصلت إلى خارج ألمانيا، وترجمت إلى لغات أجنبية عديدة، وبعد سنوات كتب أهم أعماله «مينافون بارنهلم» و«فن المسرح الهامبورجي» وكانت مدينة هامبورج بعد حرب الثلاثين عاماً (1618 1648) تولي المسرح عنايتها.

في مسرحيته «مينافون بارنهلم» التي ترجمها إلى العربية د. مصطفى ماهر، يتجلى الحب الصادق في التضحية المتبادلة بين المتحابين، وليس محاولة كل منهم امتلاك الآخر وابتزازه، وهي مسرحية كوميدية من خمسة فصول نشرت عام 1767، وعرضت في العام نفسه في هامبورج، وتم حظرها لفترة وجيزة، ثم عادت لتحقق نجاحاً كبيراً، وتقدم في جميع المسارح الرئيسية في البلدان الناطقة بالألمانية.

– //www.alkhaleej.ae

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح