لنذهب بالمسرح إلى الجمهور حيثما كان – لمى طيارة

 

عاني المسرح في معظم الدول العربية من صعوبة في التمويل إضافة إلى الرقابة، الأمر الذي يجعله، على الرغم من مكانته العالمية، واحدا من الفنون غير الفاعلة أو المؤثرة في مجتمعاتنا العربية، كما يقلص من هامش التجديد فيه. لكنّ بعض المهمومين بالمسرح وجدوا في مسرح الشارع ضالتهم، على اعتبار أن عروضه أقل تكلفة من العروض التقليدية، ولسهولة وصوله إلى الجمهور في أماكن تجمعاته وخاصة في ظل غياب المسارح في بعض البلدان العربية، إضافة إلى عزوف الناس عن الذهاب إلى قاعات المسرح.

يعاني المسرح في الوطن العربي كغيره من الفنون عامة من صعوبة التمويل والرقابة التي يفرضها الممول سواء كان جهة حكومية رسمية أو هيئة عربية أو دولية، لكنه يعاني بشكل أكبر من صعوبة تسويق نفسه في ظل امتداد غير مسبوق لوسائل الميديا التي تصل إلى الجمهور أينما كان، سواء بمقابل رمزي أو مجانا دون عناء التنقل.

دفعت هذه الوضعية بعض المهمومين بالمسرح ورسالته إلى التقدم خطوة باتجاه الجمهور بدل انتظاره، ويأتي “مسرح الشارع” كواحد من أساليب العرض التي تتخذ من التجمعات في الأماكن العامة والساحات مسرحا لها ووسيلة مثالية للوصول إلى جمهورها العشوائي بشكل مباشر لا تكلف فيه.

مسرح دافئ

عامر المرزوك: النصوص المكتوبة لمسرح الشارع تعتمد على الارتجال
عامر المرزوك: النصوص المكتوبة لمسرح الشارع تعتمد على الارتجال

تأسست فكرة مسرح الشارع (free street theatre) في الولايات المتحدة أواخر الستينيات، وكانت العروض تقدم بالمجان إلى جمهور عشوائي، مركزة على الموضوعات الاجتماعية المعاصرة لتحسين التواصل بين الأعراق والطبقات الاجتماعية والفئات العمرية المختلفة، والأهم من كل ذلك محاولة التعريف لمن هم بعيدا عن المسرح بذلك الفن ودمجهم فيه.

ولأن عروض مسرح الشارع تقدم في الساحات والشوارع والأماكن العامة أي خارج العلبة الإيطالية، فإن ما سيميزها أنها ستطرح مواضيع هامة وآنية تشغل المجتمع وتحاول إدماج الجمهور في العرض من خلال إحداث نوع من التفاعل الثنائي بين القائم بالاتصال (الممثلين) والمتلقي (الجمهور).

تحمل أغلب الأعمال المسرحية في هذا النمط همّا سياسيا راديكاليا، لذلك تحتاج إلى تقنيات خاصة في الكتابة والعرض، كما أنها تعتمد بشكل أساسي على الارتجال الذي يفرضه الحوار التفاعلي المتبادل مع الجمهور، وهذا الارتجال بدوره قادر على منح الممثلين القدرة على التكيّف والانسجام مع الظروف والمستجدات والمشاكل الطارئة، بالإضافة إلى جعلهم أكثر انفتاحا في استخدام الاحتمالات والإمكانيات التي تقدمها البيئة من حولهم.

وكما يذكر المخرج العراقي بشار عليوي في كتابه “مسرح الشارع دراسة ونصوص”، “إن تقديم أفضل نص مسرحي عالمي في الشارع دون معرفة ودراية بالأداء التمثيلي الخاص بمسرح الشارع، لا يجدي نفعا في جذب انتباه الجمهور وإبعاده عن التشتت وإثارة فضوله، لأن مسرح الشارع ذو طابع حيوي، يصعب فصل شكله عن مضمونه، فهو يهدف إلى كسب ثقة الجمهور بالعروض المقدمة في الساحات والشوارع والأماكن العامة لإيصال خطابه الفكري النابع من صميم مشاكل الجمهور الذي وُجد من أجله”.

ويخلص عليوي إلى أن الكتابة لمسرح الشارع صعبة من دون معرفة مسبقة لآليات الاشتغال على تلك العروض، والتماهي مع متطلبات الجمهور المجتمع عشوائيا ومحاولة فهم احتياجاته، والأهم من كل ذلك أن تكتب النصوص باللهجة المحلية أو الدارجة للجمهور الذي ستقدم له، ما يعني أيضا أهمية معرفة الكاتب للتكوين الديموغرافي للمجتمع.

إنه أداة من أدوات التغيير في أنماط التفكير لدى أفراد المجتمع، ومساعد لطرح مفاهيم جديدة، كما أنه قادر على مد جسور التواصل والتفاعل مع الجمهور، ليخلق ما يسمى مسرحا دافئا (Intimate theatre).

تجارب عربية

 

بشار عليوي: يجب أن نذهب بالمسرح إلى الناس حيثما تواجدوا
بشار عليوي: يجب أن نذهب بالمسرح إلى الناس حيثما تواجدوا

 

لكن عروض مسرح الشارع في الوطن العربي لم تستطع أن تفرض نفسها كأسلوب مسرحي جاد ذي بعد اجتماعي وسياسي؛ بداية لأن المهرجانات المسرحية العربية لم تتبنّ تلك العروض أو تأخذها على محمل الجدّ، ولأن البعض كان يخلط بينها وبين بعض العروض الاحتفالية التي كانت وما زالت تقدم في الشارع، أو يخلط بينها وبين عروض المسرح في الشارع.

ونستدل على ذلك بأن كل ما كتب على الأقل عن التجربة السورية في إطار مسرح الشارع على أهميته، كان في حقيقة الأمر يدور حول عروض مسرحية تقليدية قدمت فقط في أماكن بديلة وضمن سينوغرافيا جديدة، لكنها لا تنتمي إلى مسرح الشارع، سواء من حيث النصوص التي تتطرق إليها والتي لا ترتبط بمواضيع آنية تشغل المجتمع، ولعدم اهتمامها بالتفاعل والتواصل الثنائي بين الجمهور والعرض، أضف إلى ذلك أن الارتجال ليس عنصرا أساسيا فيها.

 نذكر من تلك العروض مسرحية “عابرون” للمخرج سامر عمران المأخوذة عن نص “العميان” لموريس ماترلينك وهو عرض يبدأ من حديقة المعهد العالي للفنون المسرحية، ويمتد عبر شبكة من الحبال نحو مجرى نهر بردى، فهل بالإمكان تسمية هذا العرض بمسرح الشارع فقط لأن الفضاء الذي استخدمه كان خارج العلبة الإيطالية وضمن سينوغرافيا جديدة؟

وعَرضُ المخرجة بيسان الشريف المعنون “صندوق الكار”، الذي قدمت فيه تاريخ صناعة الحرير وقد عرض في إحدى ساحات مدينة دمشق، أو العروض التي قدمتها المخرجة نسرين فندي سواء في مرفأ طرطوس أو في خان اسعد باشا، أو كما فعل منذ سنوات المخرج وليد قوتلي في عرضه “بانتظار البرابرة” الذي قدمه في إحدى قاعات الفن عن نص لشاعر الإسكندرية قسطنطين كافافيس، مستخدما عناصر سينوغرافيا متعددة أهمها الأزياء والأقنعة والرقص وغيرها من التجارب.

عروض مسرح الشارع في الوطن العربي لم تستطع أن تفرض نفسها كأسلوب مسرحي جاد ذي بعد اجتماعي وسياسي

وتأتي تجربة الممثل والمخرج الفلسطيني قاسم إسطنبولي في لبنان، كواحدة من التجارب الناجحة على قلتها خاصة في عرضه “قوم يا با” الذي جمع فيه المخرج بين المونودراما ومسرح الشارع، ولاقى حين عرض تفاعلا كبيرا من قبل الجمهور عزاه إسطنبولي حينها إلى جرأة العرض في تقديم قصة آنية تخص معاناة الفلسطينيين ولأنه لم يعتمد على مصادر إنتاجية لتمويل عرضه استطاع التخلص أيضا من سلطة الرقيب.

عرضت مسرحيّة “قوم يا با” أمام عدد من السّفارات في لبنان، كما عرضت أيضا أمام مبنى الإسكوا وفي مختلف الجامعات ليأخذ بعدها مسرح الشّارع أو الفضاء الواسع اسم إسطنبولي.

لكن اسطنبولي ليس أول من لجأ إلى مسرح الشارع كأسلوب عرض، فقد سبقته إلى ذلك عربيا تجارب وفرق مسرحية نذكر منها في مصر فرقة “مسرح السويس” التي تأسست على يد الجنايني الذي تعاون مع الكاتب المسرحي حسن الإمام في التأسيس والكتابة للفرقة، وفرقة “قارب” العربية لمسرح الشارع التي جمعت عدة فنانين من دول عربية.

ليس هذا فحسب بل وتأسست لاحقا بعض من المهرجانات والملتقيات نذكر منها الملتقى الدولي لمسرح الشارع بمدينة القطار من ولاية (محافظة) قفصة التونسية، وملتقى بابل لمسرح الشارع في العراق، ومهرجان دربند خان في كردستان العراق، ومهرجان الدن العربي لمسرح الكبار والطفل والشارع في سلطنة عُمان، ومهرجان مراكش الدولي لفرجات الشارع ومهرجان ألوان لمسرح الشارع وغيرها.

المسرح العراقي

تعتبر التجربة العراقية ذات أهمية على صعيد أكاديمي وبحثي وحتى على صعيد العروض وتنظيم الملتقيات على الرغم من قلة الدعم والعروض المقدمة، وارتبطت بشكل أساسي بالمخرجين والأكاديميين العراقيين عامر المرزوك وبشار عليوي.

 يقول المخرج بشار عليوي “اتجهت إلى مسرح الشارع لمعرفتي أن المقاربات النقدية للمشهد المسرحي العربي المعاصر في ما يخص مسرح الشارع شحيحة، وعلى المستوى العراقي وفي ظل الظروف الاقتصادية والإرباك الأمني اللذين حصلا بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وتدمير وحرق معظم المسارح لاحقا، وجدت أن أفضل السبل وأنجعها في سبيل عودة الحركة المسرحية إلى سابق عهدها أن نذهب بالمسرح إلى الناس حيثما تواجدوا، سواء في الأسواق أوالساحات أوالشوارع العامة لأن هذه العروض لا تحتاج إلى تجهيزات مقارنه بما تحتاجه باقي العروض التقليدية”.

ويتابع عليوي “مسرح الشارع هو اتجاه مسرحي قائم بذاته، وحاله كحال الاتجاهات المسرحية في عموم المشهد المسرحي سواء على المستوى العالمي أو العربي أو على المستوى المحلي الضيق، له أسلوب واتجاه يتواجدلن منذ عشرات السنين إن لم نقل إن بدايات المسرح كانت في الشارع، أما الجانب الآخر منه فيتعلق بماهيته وطبيعته وشكله والمتطلبات التي يحتاجها ليتلاءم مع كل الظروف وليس فقط وقت ذروة الإضرابات الأمنية والسياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية”.

ويشدد على أن الاهتمام بالمسرح يجب ألّا يقتصر على المادة الأدبية التي ندرسها في كليات الفنون الجميلة ومعاهد الفنون المسرحية بوصفها نظريات وتنظيرا له وما إلى ذلك، علينا، في رأيه، أن نعي فعلا أهمية وجود المسرح في تقويم الإنسان، وهو بالضبط ما تقوم عليه فكرة مسرح الشارع باعتباره الشكل الوحيد الذي من خلاله نذهب بالمسرح إلى الجمهور، وهي الإشكالية التي يقع فيها معظم العاملين بالمسرح وحتى النقاد حين ينظرون إليه بتلك النظرة الدونية.

 

أداء ارتجالي مدروس

ولكن وعلى الرغم من الفكرة النبيلة لهذه النوعية من العروض وسهولة وصولها إلى الجمهور، فإنها ما زالت تشتكي من قلة الدعم ومن سلبية الجمهور، ويأتي الحل لتلافي ذلك كما يقول عليوي “من خلال الريبرتوار (تقديم عروض مسرحية دورية) كما يحصل في عموم الفضاءات في أوروبا والولايات المتحدة، لكي يتعود الجمهور على هذا النوع من المسرح كما سبق وأن تعود على العروض التقليدية وتفاعل معها”.

وتعاني المكتبة العربية من ندرة، إن لم نقل فقدان النصوص المسرحية المكتوبة لمسرح الشارع، عن السبب في ذلك يقول عليوي “هناك عزوف من قبل الكتّاب عن الكتابة لمسرح الشارع، لأن مسرح الشارع لا يحقق الشهرة ولا المال مثلما يحصل في مسارح العلبة الإيطالية أو المهرجانات والملتقيات، لذلك نحاول توجيه من يريدون العمل فيه إلى القيام بكتابه نصوص خاصة بمسرح الشارع أوتحوير وإعداد نصوص مسرحية تتلاءم مع طبيعة الجمهور شريطة أن تقدم بلغة دارجة محلية، بحيث لا تشكل حاجزا مع الجمهور، والأهم من كل ذلك أن تحتوي على العنصر التفاعلي بين الجمهور والفاعلين في العرض (الممثلين)”.

ويرى المخرج العراقي عامر المرزوك أن النصوص المسرحية المكتوبة لمسرح الشارع ورغم أنها تعتمد على الارتجال كركن أساسي، لكن ذلك لا يمنع من وجود نصوص تطبع وتوزع ويتم تداولها للقراءة، والأمر ينطبق أيضا على النصوص المسرحية التقليدية، ففي كلا الحالتين هناك فرق بين النص الأدبي المجهز للطباعة والقراءة وبين النص الذي يتم إعداده للعرض، مؤكدا على أن الارتجال الذي يحصل أثناء العرض نتيجة تفاعل الجمهور معه، يجب أن يأتي بشكل مدروس ومتفق عليه، لتكتمل فكرة وأركان العرض المراد معالجتها دراميا.

وحل مشكلة ندرة الكتابات المسرحية لمسرح الشارع برأي عليوي يأتي من خلال إقامة مسابقات سنوية لكتّاب النص المسرحي لفئة مسرح الشارع، على أن تكون تلك المسابقات ذات مردود مالي، كما تفعل الهيئة العربية للمسرح أو المهرجانات المسرحية أو وزارات الثقافة في عموم المسرح العربي، أو أن يتم تنظيم مهرجانات متخصصة لمسرح الشارع.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح