لماذا كتب نجيب محفوظ حواريات مسرحية؟ – جرجس شكرى #مصر

.jpg

 

المسرح ونجيب محفوظ علاقة أعمق وأبعد من المسرحيات الثمانية التى كتبها فى ثلاث مجموعات، أو من أعماله التى تحولت إلى عروض على خشبة المسرح، لكن ثمة ظواهر مسرحية عديدة فى أعماله الروائية والقصصية، منها استخدامه للحوار الدرامى فى عدد كبير من أعماله، والحوارات المدهشة التى تشى بالقلق والصراع الدائمين بين الشخصيات بالإضافة إلى اللغة البسيطة والعميقة فى آنٍ والتى تحمل فى طياتها لغة التكثيف الشعرى ببراعة لا يتقنها سواه، ولن يستطيع القارئ أن يهمل عنصر الزمن ولعبة الأقدار فى رواياته.

والنموذج الأمثل رواية الحرافيش الملحمة التى يطرح من خلالها عناصر التراجيديا وصراع الإنسان مع الموت والزمن، بالإضافة إلى أمثلة لا تحصى منها «اللص والكلاب وبداية ونهاية وزقاق المدق» فنحن أمام شخصيات تلعب بها الأقدار، بالإضافة إلى الفضاء المسرحى الذى كان يؤسسه بإتقان كى يمارس فيه أبطاله حياتهم، وتصميمه على اختيار المكان / فضاء الحدث مسرحاً لهذه الشخصيات مثل زقاق المدق، السكرية، قصر الشوق، بين القصرين، خان الخليلى، ميرامار، قشتمر وغيرها، ناهيك عن الشخصيات التى تمارس التنكر وتلعب أدواراً تختلف عن جوهرها الحقيقى، وكأنها تؤدى دوراً فى مسرحية، أى إنها تمارس فن التحايل بإتقان، بالإضافة إلى أنه كان مولعاً بروايات الأصوات، التى تحكيها أكثر من شخصية والتى تجسد علاقة جدلية بين هذه الشخصيات مثل ميرامار والمرايا وأفراح القبة، والأخيرة تدور أحداثها فى المسرح، والنص المسرحى يلعب دور البطولة فى هذه الرواية بل ويأتى بمثابة القوة الفاعلة التى تحرك الأحداث! وكأنه فى هذه الرواية يعلن عن علاقته الوطيدة بالمسرح عام 1981. ما أقصده أنه فى أعمال نجيب محفوظ تجليات مختلفة للمسرح من خلال عناصر متعددة أهمها الحوار الدرامى مما دفعه بعد ذلك إلى كتابة حواريات، أثارت جدلاً كبيراً حول طبيعتها الدرامية.

كتب نجيب محفوظ ثمانى حواريات أو مسرحيات قصيرة ذات الفصل الواحد خلال عشر سنوات، إذ بدأ الكتابة المباشرة للمسرح بعد نكسة 1967 ولا يخلو التاريخ من دلالة اجتماعية وسياسية، وجاءت هذه الأعمال فى ثلاث مجموعات قصصية هى «تحت المظلة 69، الجريمة 73، الشيطان يعظ 79» فما الذى دفعه لكتابة المسرح فى تلك الفترة، ولماذا توقف بعد ذلك، وإلى أى تيار مسرحى تنتمى هذه النصوص؟ وربما الشائع هو تحويل رواياته وقصصه القصيرة إلى عروض مسرحية، حيث جاءت رواية «بداية ونهاية» الأكثر حظاً وتم تقديمها على خشبة المسرح ثلاث مرات من خلال ثلاثة مخرجين، عبدالرحيم الزرقانى، فتحى الحكيم، عبدالغفار عودة، بالإضافة إلى «قصر الشوق، بين القصرين، زقاق المدق، خان الخليلى، ميرامار» وأغلب هذه الأعمال تم تقديمها فى الفترة من 1960 وحتى 1969 باستثناء «القاهرة 80» من إخراج سمير العصفورى وأيضاً ثرثرة فوق النيل لنفس المخرج، وحارة العشاق من إخراج سعد أردش وتم تقديمهما على خشبة المسرح عام 1989، وأعمال أخرى بعد ذلك، أهمها حارة عم نجيب التى قدمها أحمد حلاوة فى مسرح الطليعة.

دلالة البداية فى نهاية حقبة الستينيات قوية وهى التى تقود القارئ لعالم نجيب محفوظ المسرحى الذى قال عنه فى أحد حواراته بعد ذلك إنه كتب هذه المسرحيات تحت إلحاح اللحظة التاريخية التى نعيشها الآن، وأنه لجأ إلى الحوار والنقاش ليشارك فيما يحدث «ولا أقصد أن أقول رأياً صريحاً، كنت أرغب فى مواكبة الأحداث السريعة المتغيرة» ولابد أن نقف أمام تصريحاته عام 1970 حول المسرح بعد أن نشر مجموعة «تحت المظلة» وقال «إننا نعيش عصر المسرح بلا جدال، فهذه اللحظة المزدحمة بالكثير من الأفكار والمشكلات لا يمكن مناقشتها إلا عن طريق المسرح، الرواية تحتاج إلى هدوء وروية لأوضاع مستقرة، ولهذا لا بد أن تتوارى الآن ليصبح المسرح هو سيد الموقف» وربما يبدو هذا الكلام غريباً الآن، ولكن فى حقبة الستينيات حيث ازدهار المسرح المصرى والعلاقة الوثيقة بين المسرح والجمهور، حين كان المسرح يلعب دور البطولة فى الحياة الثقافية، بل أطلقوا على تلك الحقبة عصر المسرح، لهذا لجأ إليه نجيب محفوظ ناهيك عن فنى الحوار والمحاججة الذى برع فيهما وأصبحا ملمحاً أساسياً فى أعماله وهذا نابع من علاقته الوطيدة بالفلسفة اليونانية.

إذن ليس غريباً أن يلجأ إلى المسرح كأسلوب للتعبير عن نفسه، فكما ذكرت عناصر المسرح تتردد فى أعماله بأساليب مختلفة، بالإضافة إلى ازدهار المسرح المصرى فى تلك الفترة، والأهم هو تأثير نكسة 1967 على المثقفين، حيث الصدمة العنيفة وسقوط الحلم، والرؤية الضبابية للحاضر والمستقبل معاً، وفقدان اليقين فقد فرضت هذه الحالة ليس فقط الشكل المسرحى فى التعبير ولكن نوع المسرح وهو مسرح العبث، لأنه كان الشكل الأمثل للهزيمة، كان الإحساس الصادق والحقيقى للجميع بعبثية كل شىء، وبالتالى لا بد من التعبير عن هذه اللحظة بما يناسبها وهو مسرح العبث الذى يعبّر عن إحساس بالصدمة نتجة لغياب القيمة وفقدان اليقين، وغياب الأسس التى تقول إن للعالم معنى وأن الحقيقة ثابتة وراسخة، فلا معنى، ولا حقيقة ولا رسوخ، وأن الأعمال المُحكمة الصنع وليدة المعتقدات الواضحة المطمئنة، والقناعات الراسخة، وهذا ما سقط ولو بشكل مؤقت بعد الهزيمة، فكتب نجيب محفوظ بذكائه المعهود نصوصاً تعبّر عن هذه المرحلة نصوصاً تهزأ بجميع المعايير ليس فقط الفكرية بل والفنية، وتسخر أيضاً من تقنيات الكتابة الراسخة وهذا من ملامح مسرح العبث، حيث النصوص الخالية من الكائنات البشرية التى تُقدم على أفعال خالية من الدوافع، بل وفى أحيان كثيرة ينحدر الحوار فيها إلى الثرثرة التى لا معنى لها، لتشترك المسرحيات الثمانية فى الجنوح نحو الغرابة رغم اختلاف أفكارها وشخصياتها وأسلوب البناء، جنوح إلى الغرابة إلى حد الدهشة والإضحاك، بل وخلق الشعور بالتشاؤم، ناهيك عن غياب الرابطة المنطقية بين شخصيات هذه المسرحيات وخاصة فى مجموعتى «تحت المظلة والجريمة» ومرجعيتها فى العالم لتتسم هذه النصوص باضطراب المعنى وصعوبة التفسير العقلانى، وربما هذا ما جعل مؤلفها يقول: كتبت مسرحياتى الخمس التى ظهرت فى مجموعة تحت المظلة مستهدفاً بها القراءة أولاً وأخيراً» وقد حدث هذا، وحتى الآن لم تصعد شخصياته المسرحية إلى خشبة المسرح بينما صعدت شخصياته الروائية! وبالفعل كانت رغبة صادقة من نجيب محفوظ كى يلتقى بالجماهير مباشرة، خاصة بعد ما خلّفته هزيمة 67 من آثار حزينة ليشارك فى اللحظة الراهنة ولكن من خلال القراءة، فقد لجأ إلى هذا الشكل ليشارك من خلال حواريات أو مسرحيات ذات فصل واحد سمها ما شئت فيما يخص الشكل «فقد اختلف البعض حول نوعها الأدبي» لكنها تعتمد فى بنائها العميق على الصراع الفكرى وليس الصراع الدرامى وإن كان بناؤها السطحى ينتسب إلى المسرح، وقد وصفها مؤلفها بأنها كانت انفعالاً بأفكار أكثر منها عرضاً لحياة واقعية «من الناحية الفكرية بدأ المسرح حين انتهت الرواية» فجاءت رؤية عميقة تقرأ المجتمع فى تلك اللحظة وقبل أن نقرأ الحواريات التى ضمتها مجموعة «تحت المظلة» التى نشرت عام 1969 نلقى نظرة على مجموعة «خمارة القط الأسود» التى نشرت فى نفس العام وقد سبق هاتين المجموعتين رواية ميرامار عامى 67، 68 ودلالة الفترة قوية ولا يمكن إغفالها أثناء قراءة هذه النصوص.

شهداء على خشبة المسرح فى قصور الثقافة

من وحى كتاب «الأولاد والأرض» للكاتب الصحفى محمد نبيل والذى يحكى قصص بطولات وتضحيات أبناء القوات المسلحة أطلقت الدكتورة إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة مشروع «أبطال من بلدنا» لتحويل هذه الوقائع إلى أعمال مسرحية وذلك من خلال الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأضافت الوزيرة أن مشروع أبطال من بلدنا يأتى على طريق تخليد العظماء وضمن خطوات استنهاض الهمم لاستكمال المسيرة الحضارية التى انطلقت منذ فجر التاريخ، وأشارت أنه انطلاقاً من ضرورة التعريف بتضحيات هؤلاء البواسل الذى قدموا حياتهم فداءً للوطن يتم تجسيد قصص كتاب حكايات الولاد والأرض فى أعمال مسرحية تطوف مختلف أنحاء البلاد لإلقاء الضوء على الأمجاد التى حققها أبناء القوات المسلحة بهدف المساهمة فى بناء الشخصية الوطنية. وقال رئيس هيئة قصور الثقافة د.أحمد عواض إن المشروع ينطلق فى سبتمبر المقبل من خلال معالجات مسرحية للقصص التى جاءت فى كتاب الأولاد والأرض والتى تجسد نماذج مضيئة من رجال القوات المسلحة وسوف يتعرف أبناء كل محافظة على سيرة كل بطل فى مسقط رأسه تبدأ فى المدينة الباسلة بورسعيد بحكاية الشهيد جندى مقاتل مصطفى خضر من إخراج محمد عشرى، وفى أسيوط تروى قصة الشهيد جندى مقاتل أبانوب ناجح مرزوق من إخراج خالد أبوضيف، وتشهد محافظة الجيزة حكاية الشهيد جندى محمود حامد أبوالعلا من إخراج أحمد طه، أما محافظة الدقهلية تستقبل حكاية الشهيد على على السيد من إخراج سعيد منسى، ويتعرف أبناء محافظة الغربية على حكاية الشهيد رقيب محمد السيد إسماعيل إخراج السيد فجل، وتعرض فى أسوان حكاية الشهيد جندى عمر حسين عبدالله سنوسى من إخراج شاذلى فرج.

maspero.eg

جرجس شكرى #مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح