“لماذا؟ – ?Why” عرض مسرحي لبيتر بروك.. يصعب الوصول الى سهولته #فرنسا

من مسرحية “لماذا؟”

لماذا؟” عرض مسرحي لبيتر بروك.. يصعب الوصول الى سهولته – عبد الجبار خمران

“لماذا؟ / ?Why” عرض مسرحي للمخرج الكبير بيتر بروك .. يطرح العرض سؤالا عريضا حول الفن المسرحي، تلخصه مفردة / أداة الاستفهام “لماذا؟”..
ثلاثة ممثلين يسألوننا – كجمهور- ويسالون انفسهم قبلنا.. لماذا خصوا المسرح بكل طاقاتهم…؟ بحياتهم وأرواحهم وبكل خلية من خلايا جسدهم…؟

لماذا نمارس المسرح ؟ لمن نتوجه كمسرحيين ؟ من الجدير بإنتاج المعنى على الخشبة ؟ وكيف يكون إنتاج هذا المعنى؟ وبأي شكل نشخصه؟ كيف نخرج ونربي جماليات تنمو قريبا منا على الخشبة، وبعيدا عنا هناك في مخيلة الجمهور..؟
كل تلك الأسئلة وغيرها يتابعها متلقي عرض بيترك بروك “لماذا؟ / ?Why” من خلال متتاليات مشهدية مليئة بالقلق المعرفي وبعلامات الاستفهام الفكرية والجمالية حول المسرح ومقوماته ووظيفته.. كل ذلك مشخص بحوارات مركزة وعميقة وتحركات متقشفة ومعدودة وشبه متكررة لممثلين متشحين بالسواد متعكزين في أدائهم على ثلاثة كراسي وحاملات للملابس فوق سجادة كبيرة وفقط…

يتطرق العرض المسرحي “لماذا؟” لأسئلة الابداع وهواجس المسرح ومسائلة مخيال مبدعي هذا الفن وتمحيص تصوراتهم عنه وطرح سؤال الجمهور أيضا ومحاولة استكناه تمثلاثه عن المسرح ودوره في المجتمع والحياة.. فالجمهور نفسه يبدع ويبتكر التصورات والرؤى حول الفن والخلق الجمالي ويفرض نكهة الذوق على بعضه البعض وكثيرا ما يؤثر على حتى على ذائقة المبدعين…

وفي شق كبير من أحداث العرض ومشاهده يعرج خطه الدرامي على بعض من سيرة المسرحي الروسي “مايرخولد” مسلطا الضوء عليه كنموذج حي على اقصى ما يمكن ان تبلغه درجات خطورة المسرح..! مايرخولد هذا المسرحي الذي عاش المسرح بفكره ووجدانه، بل قدم جسده فداء له حيث أُعدم في 2 فبراير 1940 فقط لان توجهه المسرحي التجديدي ،الذي سيرد له التقدير والاعتبار لاحقا، لا يتوافق واديولوجية النظام الستاليني أنذاك.. يُعدم لأنه توسم في تجربته الإبداعية تجديد الافكار وفتح آفاق مغايرة للجماليات والرؤى الإخراجية والأدائية..

من خلال مساءلة بروك (لماذا؟) تتجلى ضرورة المسرح وتفرد خصوصيته كفن تعبير انساني، صمد كل هذا الزمن وما يزال، كما يلتفت في عرضه المسرحي التفاتة تكريم للمسرحي “مايرخولد”.. ويحي رفقة فريق العرض ذكرى شهيد المسرح الروسي والعالمي، عبر الغوص في الأسئلة المؤطرة لتجربته المتفردة… ومن خلال ذلك يطرح بروك أيضا تجربته نفسها على المحك.. ويتجسد ذلك على سبيل المثال من خلال معالجة سؤال: لماذا لم تعد هناك عروض مسرحية كبيرة؟ يطرح هذا السؤال بتواضع الخبير ودهشة المبدع.

مسرحية “لماذا ؟” تطرح أسئلة المسرح والمسرحيين، اسئلة التمارين والمخيلة، اسئلة النقد والنقاد، أسئلة الإخراج والتشخيص، أسئلة الفرجة والمتفرج، أسئلة المجتمع والأفراد وأسئلة الدراما والجمهور….

وانا أشاهد عرض (لماذا / ?Why) بمسرح لافوار موديرن Lavoir Modern بالدائرة 18 في باريس رفقة الصديقين د.خالد أمين ود.محمد سيف يومئذ، تذكرت عبد القادر علولة وعز الدين مجوبي وحوري الحسين ومحمد تيمد… إنهم من طينة المبدعين الذين انصهر المسرح مع معيشهم اليومي في بوثقة إيمانهم بفعل المسرح وفعاليته، وليتوحد ابداعهم بمعاناتهم ومعاناة أوطانهم.. كل ذلك ممزوج بسؤال الجماليات والرؤى الفنية.. بسؤال المُخرج : كيف يقف الممثل على الخشبة وأين ولماذا..؟ (لماذا؟) أساسا ؟… وسؤال الممثل : لماذا تتحرك الشخصية هكذا وكيف يتولد الإحساس؟ (ولماذا؟)…

ويسير بنا العرض إلى منصة تغلي بالاسئلة القلقة: كيف نمثل الحب ونمثل الألم فوق الخشبة؟ (ولماذا؟) كيف يشخص الممثل الموت؟ أو كيف يخرج الروح من جسده مسرحيا..؟ إننا أمام قوة الخيال وخطورة المسرح..! فعندما يشير الممثل إلى أعلى ويقول انظروا إلى القمر مشخصا بروحه وجسده نظرته إلى القمر المتخيل.. تنتهي حدود مخيلته هناك، لتبدأ مخيلة المتلقي تشتغل في المسافة الممتدة بين أصبع الممثل والقمر…
عرض ماتع سهل، يصعب الوصول الى سهولته..

عبد الجبار خمران – الشارقة

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح