للمسرح قيادة حكيمة.. إمارة الشارقة أنموذجاً

تميم فاضل خليل*

توفي والدي الأستاذ الدكتور فاضل خليل، قبل ما يزيد على أربعة أعوام، وقد شغل في حياته عدداً من المناصب الثقافية الفنية، فقد كان عميداً لأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وعميداً لكلية الفنون الجميلة في بابل، ومديراً عاماً لدائرة السينما والمسرح، ومديراً عاماً لديوان وزارة الثقافة في العراق، بالإضافة إلى كونه أستاذاً جامعياً ومخرجاً مسرحياً.

وبينما يبحث أخي في بعض ما ترك والدي من أوراق ورسائل ومقالات، كان قد كتبها في فترات متباعدة في حياته، وجد عن طريق الصدفة في مكتبته مقالة لم تنشر سابقاً، وكأنما كان يخاطب بها المثقف العربي متمثلاً في شخص صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حفظه الله، فلم أشأ أن تبقى هذه المقالة حبيسة أدراج مكتبته في بغداد، فتنشر «الخليج» هذه المقالة لتعم الفائدة، ولتحقيق رغبة ربما بقيت ملازمة لروح أبي، رحمه الله، في أن تنتشر هذه الكلمات.

لأن فيك خصال الأكرمين، في النقاء، والتقوى، وصفاء النية، والطهر، والورع، ولأن فيك من سمات الأولياء التواضع المقتدر، إلى جانب الكرم، والغيرة، والفروسية، والشهامة، صار المسرح «بوصفه يشكل عامل توحد إنساني يستطيع من خلاله الإنسان أن يغلف العالم بالمحبة والسلام، ويفتح آفاق حوارات بين مختلف الأجناس والأعراق والألوان على اختلاف معتقداتهم الإيمانية»(1) صار واحداً من اهتماماتك الكبيرة التي شكلت عاملاً مضافاً دفعت بك إلى «تقبل الآخر على ما هو عليه»(2) يوم أدركت «أن الخير يوحد البشر، وأن الشر يفرقهم»(3) تلك الثوابت التي اختزلت معها يا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، دهراً من التأرجح بين الممنوع والمسموح في مزاولة العرب للمسرح. لقد صنفوه يوماً من المحرمات!! وكان الاقتراب منه جريمة، لأنه وفق ثوابتهم: ضرب من ضروب الغيبة، وفي ممارسته ارتكاب لمعصية الكذب والتدليس، وهو بدعة مضلله، وما تعاطيه إلا منكر فظيع.

باختصار ومنذ البدايات الأولى وضع المسرح في قائمة الإشراك والوثنية، بسبب سوء التفسير في إجراءات تقضي بمنعه، وفعلاً مارسوا القمع عليه، فأصدروا الأمر بغلق أقسام المسرح والموسيقى في بعض البلدان. وما أشبه اليوم بالبارحة، يوم أهملوه ومنعوا اقتباسه عن اليونان، لأنه كان بسبب ما كانت تتضمنه الميثولوجيا اليونانية التي روجت بالسماح بتعدد الآلهة، وأنصاف الآلهة، والأبطال. وحين اطلع العرب على الأدب اليوناني بعد الحضارة، كان الأدب في تلك الفترة مهجوراً، بسبب موقف الكنيسة من التمثيل عند ظهور المسيحية. وكان في عدم ترجمة العرب للدراما اليونانية في العصر العباسي، إنما بسبب كونها لا توفر النفع العام، وأنها ستكون لمجرد الاطلاع أو الفضول. ولأسباب لغوية قضى المهتمون، في أن الشعر ليس بحاجة إلى فن كالمسرح ينافسه، ليحقق بواسطته التطهير وغسل النفس من أدرانها. وعليه فلم يكن التمثيل المسرحي يوماً بديلاً عن الشعر كي يشبع الرغبات بقصائد المديح.

آه… لو أنك اقتربت من المسرح قبل الآن.

إنّ ازدهار الثقافات، يفسره ازدهار الكيان الاجتماعي الحاضنة لها وما ازدهار البنى إلا ازدهار المكونات، من قوتها يستمد المجتمع مقدار فاعليته التي ينطلق منها في النهوض بالواقع، وبعكسه ستكون الثقافات كسيحة. ومن منطلق أن الفن يرى المستقبل قبل الآخرين، انطلق صاحب السمو حاكم الشارقة من رفع المعوقات التي حجمت حركة المسرح، فجعل من [إمارة الشارقة] دعامة للثقافات جميعاً وفي المقدمة منها المسرح. ولعلّ الشارقة، عربياً المكان الأول الذي اعتمد المسرح مادة علمية تدرّس من ضمن مناهجها الدراسية في المراحل المختلفة. وما السعي إلى تأسيس المعاهد الأولية والعليا للمسرح إلا دليل على صدق النهج والمنهج الذي أرسى دعائمها صاحب السمو الشيخ القاسمي بالرغم من أنها لم تمارس عملها الفعلي في الدراسة وتخريج الدفعات، لكنها أقامت الدورات والورش التطويرية باستمرار. هذا الحرص على وجود الناس في الثقافة والفنون إنما يبعدها عن العديد من الأزمات التي تعطل لغة التفاعل مع الخطأ والصواب التي تعج بها الحياة، وأزمات أخرى لا تقل خطورة.

إذن، فالتوجه إلى الناس والبحث عما ينهض بهم هي واحدة من مهمات الحياة الثقافية الملحة في عمل الدولة. وما الذهاب إلى الفئات الشعبية على اختلافها، إلا لكي يؤمن لهم قدراً من الشرط الموضوعي للحياة، لا سيما عندما يكون الجمهور بموقعه في حالة الانسجام المعقول، مع إطار البناء الذي يؤهل بالمشاركة الفاعلة مع المنجز الثقافي المتمثلة بحركة المسرح، وهو الذي عززته السياسة الثقافية لحكومة الشارقة، لقد توشح المسرحُ بشرف اهتمامك به، حين دخلته كاتباً يا صاحب السمو، فاختلف الرأي فيه ولما يزال الجدل حاضراً.

لقد اختصر وجودك النادر فيه وضع الأسس في الانقلاب على الواقع.. صورة طبق الأصل بما سبق من قناعات التنظير، والتطبيق، والقراءات الفاحصة للتراث، والتأريخ العربي. تلك الوقائع التي ترجمها الباحثون بصيغة أطروحات مثيرة، مفادها بإن للمسرح العربي أشكالاً، شأنه شأن المسارح المهمة كالمسرح الصيني، والمسرح الياباني، والمسرح الهندي، والمسرح الغيني، والمسرح بمختلف انتماءاته واتجاهاته. فكانت موضوعاتكم كتاباً تتركز اهتماماتها بالحسابات الجديدة التي تحمل سرمدية الهموم العربية. بما يخبئه لهم القادم من الأيام في مستقبلهم المجهول، المتخم بالمخاطر، وفي كيفية الخلاص من تلك المخاوف كما في المسرحيات: عودة هولاكو، القضية، الواقع.. صورة طبق الأصل، النمرود، الإسكندر الأكبر، شمشون الجبار، وما تلاها.

وبغية التقويم لما وصلت إليه تجربة الكتابة عند حاكم الشارقة، سنلمس ذلك من نزوع الأهداف والتوجهات إلى إحياء وتطوير وتأطير الأشكال التراثية بمضامين فكرية معاصرة تتناسب ومعطيات المرحلة الحاضرة التي يعيشها الوطن العربي. وانطلاقاً من الإيمان بأن الفن يرى المستقبل قبل الآخرين، لا بد من الوقوف على الأصول التاريخية للمسرح الشعبي العربي المتمثلة بمسرحيات القاسمي، باعتباره من أشد المتحمسين حضوراً وجدلاً وقائداً عربياً في هذا الواقع وفي سعيه المتواصل للنهوض به، جاءت استلهاماته للمضامين والأشكال المتميزة من التاريخ والتراث منسجمة مع تطلعاته في تغيير الواقع العربي، والمسرحي بما يتفق مع تطلعاته الموازية لأهم التجارب المعاصرة. وتأسيساً على ما تقدم، فإنما يصح اعتبار تجربة الكتابة للمسرح اليوم هي امتداد لتجارب المسرح الشعبي التي تتناول هموم ذلك الشعب.

لقد عرف العرب ومن البدايات الأولى ألواناً من الفعاليات الشعبية مثل الحكواتي، والمقلدين، والقرادين، والمداحين، والأراجوز، وخيال الظل، وفن المقامة، وما رافقها من بعض الطقوس الدينية كأشكال متفردة مضموناً وشكلاً في الحياة العربية، تصلح أن تكون قاعدة انطلاق لترسيخ سمات المسرح العربي الحديث في نواح شتى منها استثمار الشكل الفني التي تمثلت بتجارب المحدثين [مسرح الفوانيس، ومسرح القهوة، والسامر، ومسرح الحلقة، والمسرح الاحتفالي، والارتجال الشعبي، ومسرح السرادق]. وكأنما اتفق الجميع على جوهر [الاحتفال] فكرة ومعنى، باعتماد فكرة الترشيق والزهد في المستلزمات والمسعى، وفي عدم المبالغة في استخدام المكملات المسرحية.

ومثلما عالجت غياب التأليف بدخول المعترك، عالجت بقية المشكلات باعتماد التخطيط بأن خلقت جيلاً يعوض النقص في بعض الكفاءات. عندما اعتمدت العمل والتعليم لخلق البدائل المحلية. وكان نظام للريبورتوار الذي تشكو من غيابه كامل التجربة العربية باستثناءات لا تذكر، عندها استبدلت المتلقي السلبي بالمتلقي الذكي، مثلما حضر الناقد المتخصص القادم من منطقة المسرح، وغادر الانطباعي من النقاد الطارئين على المسرح. وتميزت مسارح الشارقة الضاجة بالإمكانات والجمهور والتقنيات التي يتمناها المسرحيون. وآخر ما تحقق بحضورنا التفرغ للمسرح قبل كل مهرجان للأيام، وكلما اقتضت الضرورة وتطلب الحال ذلك. لم يبق غير أن نقول، نحن مواطني إمارة المسرح من الشارقة وخارجها، غير شكراً للقيادة الحكيمة والعظيمة لحادي ركبها صاحب السمو حاكم الشارقة، الذي يتماهى في الأعالي حين يقول «نحن كبشر زائلون، ويبقى المسرح ما بقيت الحياة»(4).

سأعلن انحيازي الكامل للقائد فأقول: «المطر متواضع، والدخان مغرور»(5).

الهوامش:

(1،2،3،4) أجزاء من نص الرسالة التي كتبها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لليوم العالمي للمسرح، وألقاها سموه من مقر هيئة اليونيسكو في باريس في27/ 3 /2007.

(5) مريد البرغوثي، منطق الكائنات [شعر]، إصدارات دار المدى، عمان، الأردن 1996، ص 76.

* هيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون

https://www.alkhaleej.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح