الحوار المسرحي والسينمائي بالندوة السادسة للمنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح (1) – متابعات باريس

     عقد المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح، ندوتة الفنية الإليكترونية السادسة مساء الأحد 15 ديسمبر 2019، ناقشت موضوع الحوار في السينما والمسرح وبمشاركة مجموعة متميزة من فنانين وفنانات ونقاد في المجال الفني السينمائي والمسرحي حيث شارك من فرنسا الفنان التشكيلي المصري عبدالرزاق عكاشة والاعلامية الجزائرية صبيحة شاكر ومن المغرب العربي الروائي والكاتب مصطفى لغتيري، الأكاديمي المسرحي د.محمد زيطان والناقد السينمائي حسن وهبي، ومن الجزائر الكاتبة والشاعرة سليمة مليزي، المخرج اليمني يوسف هبة والباحثة ماجدة محصر، من تونس الفنانة المسرحية زوهاد ضيفلاوي، ومن السعودية الكاتب المسرحي والسيناريست عباس الحايك ومن اليمن الممثلة والمخرجة المسرحية نرجس عباد والمخرج عبدالغني منصور، ومن بروكسل الفنان المغربي عبدالله بدر، ادار الندوة الكاتب والمخرج السينمائي حميد عقبي ــ رئيس المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح وحضيت الندوة بمتابعة أكثر من مئة متابع ومتابعة طرح بعضهم بعض الأسئلة والتعقيبات.
افتتحت الندوة بكلمة ترحيبية من مديرها، رحب حميد عقبي بالمشاركين والمشاركات وقال تأتي الندوة الفنية السادسة بمشاركات أصدقاء وصديقات من مبدعي ومحبي السينما والمسرح يتحدون الجغرافيا وتباعد الأمكنة يوحدهم حب الفن والجمال وهذه من أهم الأهداف التي تأسس من أجلها المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح حيث نولي أهمية كبرى للملتقيات والندوات وحلقات النقاش والصالونات الفنية الحية حيث حقق المنتدى ما يقرب من ثلاثين فعالية ونشاط وورش وها نحن ننجح في هذه الندوات الإليكترونية وأصبح هناك من ينتظر ملخص النقاشات وأهم ما يطرح من أفكار وهذا يجعلنا جميعا نشعر بالمسؤولية تجاه من يتابعنا لتقديم الجيد المفيد.

ثم تحدث عقبي عن موضوع الندوة وأهميته واستعرض بعض النقاط حول الحوار السينمائي والمسرحي وقال نعلم جيدا أن السينما ولدت من عمق الصورة وتم خوض مئات التجارب لتحريكها حتى تحقق هذا الحلم ثم استمرت المحاولات التطويرية التقنية والفنية وظهرت نظريات وأفكار تؤطر السينما كفن يجمع كل الفنون وعاشت البشرية متعة جمالية السينما الصامتة إلى أن ظهر فيلم “مغني الجاز”، هنالك من أبدا تخوفه من الصوت بشكل عام ولكن هذا الفن يظل متجددا وساحرا وهكذا ظل التطور الجمالي والفكري والنقدي يواكب التطور التقني وصناعة معدات الانتاج والعرض فاضخم المعدات وحدها لن تخلق فيلما لو وضعت بيد فاقدي الاحساس والإبداع وربما ينجح المبدع في خلق السحر الجمالي بإمكانيات متواضعة.
منذ بداية عصر الأفلام الناطقة ظهر الحوار كأحد العناصر الفنية الدرامية المهمة حيث يساهم الجميع في خلقة فالكاتب يكتب الحوار كلمات وعبارات وفق نسق أدبي إبداعي ويأتي دور السيناريست وقد يستعين كاتب السيناريو بكاتب اخر له قدرة في صياغة الحوار ثم يضيف ويناقش المخرج مع ممثليه وطاقمه وما يصل إلينا هو نتاج جهود كثيرة ويتحمل طاقم التمثيل تشخيص الشخصيات أجسادا وأرواحا وكذلك كلاما ولسانا، يتخاطبون ويتحدثون، يهمسون ويصرخون، يتألمون ويضحكون كل هذا يحدث وفق أنساقا متعددة تؤثر وتتأثر ببقية العناصر الدرامية فالحدث يصل إلينا ويلعب الحوار والكلام دوره الفعال وغياب الكلام لا يعني مطلقا غياب الحوار فكل حركة جسدية وتعبيرات الوجوه تخلق حوارات قد تكون مسموعة أو همسات أو صمت ناطق.

ثم تحدث الفنان التشكيلي المصري عبدالرزاق عكاشة من باريس وتناول مصطلح العدالة البصرية والفنية وقال بالبداية أشكر الصديق حميد عقبي لدعوه المشاركة في هذه الندوة الإليكترونية وأي ملتقى فني فهو جيد حتى لو كانت الوسيلة بسيطة، أنا من وجه نظرى نجد أننا في العالم العربي غيبنا فكرة في الحوار الإنساني بشكل عام فكرة العدل البصري وهذا مفهوم أعمل عليه منذ عشرين سنة ومايراه الفقراء في العالم العربي يختلف عن ما يراه الأغنياء أي من أفلام ومسرحيات وفنون أي ليس نفس المشاهدات والمتعة، كان في مصر وزير ثقافة وأهم وزير هو ثروت عكاشة ويعود له الفضل في بناء قصور الثقافة في المدن والأرياف وتحتوي على دور العرض السينمائي ومكتبات وكنا في مصر نمتلك مسارح ودور عرض في النجوع والقرى وأنا نشئت في عائلة فنية ريفية حيث أمي وخالي واقربائي كانوا يمثلون وكانت هناك مسابقات مسرحية ومنافسات وكانت السينما بهجة ممتعة ونتناقش بعد ذلك حول الفيلم ولم تكن صورة لجسد المرأة تسبب مشكلة حتى في الأرياف يفهمها الناس أنها فنا وكانت الأفلام والمسرحيات تمتاز بمستوها الفني وحواراتها الإنسانية التي لا تحمل القبح، لكن مع اتفاقية كامب ديفيد وقدوم السادات الذي أعترف بالكيان الصهيوني وهي دولة دينية والسادات سمح لعودة الأخوان وكل التيارات الدينية المتطرفة فحدثت متغيرات خطيرة وبدأت خطابات التشدد ومحاربة الفن وتحولت حياتنا إلى سواد حيث زمان لم يكن هنالك البرقع والسواد كانت النساء يلبسن الشال أو الطرحة أو التربيعة يمكنكم مشاهدته في الأفلام القديمة أي أن الشارع المصري والعربي أصبح يلبس اللون الأسود في أسود حتى بذلات الرقص وهنا حدث غياب لبقية الألوان وغاب العدل البصري وصار الطفل يرى كل شيء بدرجة لونية واحدة وأصبحنا عميانا البصيرة والبصر وكل هذا كانت له انعكاساته على الأعمال الفنية على الصورة وكذلك الحوار وترك هذا سلبيات نفسية ووجدانية وبلا رؤية وفشت خطابات الحقد والحسد، ونحن الآن بحاجة ماسة للعدالة البصرية لترميم أوجاعنا وتجديد رؤيتنا للحياة والفن والجمال.

ثم تحدث الأكاديمي المسرحي المغربي د. محمد زيطان وقال أشكر المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح لهذه الدعوة وإن كنا نتحدث عن بعد إلا أن رحاب وروح الفن والمسرح يجمعنا، سأتحدث من اختصاصي في المسرح، وسوف اركز عن الحوار المسرحي وأيضا ضمن نسق جديد من التجارب المسرحية التي باتت تصف نفسها بالأعمال المسرحية ما بعد الدرامية والتي تنتمي لحداثة مسرحية يشهد لها بالتجديد وبعضها يتوج في المهرجانات العربية والدولية.
إذن الحوار كما نعلم جميعا هذه الاداة التواصيلية التي من خلالها يفهم الجمهور الصراع بشكل جيد ويقف مع طبيعة الشخصيات الداخلية والخارجية وهو عرف تطورا ملحوظا تماشيا مع التطور الذي عرفه المسرح في صيرورته.
سلطة المخرج اليوم أصبح لها دورها الفعال في إعادة تشكيل الحوار، وأيضا إعادة صياغة شاعريته تماشيا مع شاعرية عامة يمكن أن نتفق عليها باسم شاعرية العرض المسرحي أو العرض المشهدي، هذا الحسّ الجديد لدى المخرج الذي أصبح يستند إلى دراماتورج أكثر من إلى كاتب مسرحي بالمفهوم الكلاسيكي، هذا الحًس جعل رؤيته للحوار تتسم بنوع من البيرجماتية.
الحوار ينبغي أن يكون مكثفا ومركزا جدا على الصراع أكثر منه على العوامل الملمة بالنص لذلك فنحن مع بلاغة جديدة في الحوار المسرحي هي بلاغة الصراع، يمكنكم تلمس هذا والاطلاع على مسرح العبث فالحوار في مسرح العبث يختلف تماما عن غيره وهذا الحوار لا يقول كل شيء وهو مثقوب وفيه بياضات ونحن هنا نقف على شحنات إنفعالية داخلية للشخصيات وهي وإن لم تحقق تواصلا بينها إلا أنها تخلق جوا مشحونا وفيه نوع من الارتجاج الداخلي.
المسرح اليوم يهدف إلى تخليص النص المسرحي من رتابة الحوار وكما نعرف توجد عدة أنواع للحوار فهو قد يكون مباشرا وغير مباشر ويجب أن يخلق نوعا من الإيقاع ويمكن أن نشبهه بلعبة كرة المضرب وفي المسرح الحديث يكون للحوار تأثيرات ووقع وهنا الكاتب والدرماتورج والمخرج مع مأزق وكيف نخلص الحوار من الشوائب وأقصد كل المعيقات المشهدية خاصة أن مفهوم الدراما قد تغير بسبب هيمنة السينوغرافيا وهيمنة الممثل كجسد وطاقة جبارة، إذن يظل السؤال هل كل حوار مسرحي هو وفيا للنص المسرحي أكيد الجواب بالنفي وأعرف أصدقاء عملوا ممثلين ومخرجين وسيلاحظون أن النص الذي نقراءه ليس هو بالضرورة الذي شاهدوه تحققه الركحي.

ثم طرحت مشاركة الكاتب الروائي المغربي مصطفى لغتيري وقال :ـ إن الصورة والصوت من أهم أساسيات العمل السينمائي وكذلك المسرحي، وهنا سنتحدث عن الحوار وهو من أساسيات السينما دون أن ننسى وجود أفلام صامتة أي بدون حوار وحتى بالمسرح، ويمكن أن نلخص أهمية الحوار كونه يجعلنا نواجه الشخصيات وجها لوجه، نتعرف عليها بدون وسائط أي من خلال كلامها.
الحوار كما نعلم يؤثر في المتلقي وكلما كان ذكيا وعميقا يترسخ في الذهن حتى أن بعض الأقوال في الأفلام أو المسرحيات صارت كأمثال متداولة ومشهورة أو حكم وتصبح نصائح أو نظرة عميقة والكثير من الأفلام نجحت بسبب جودة حواراتها، طبعا نحن نتحدث هنا عن السينما كذلك نقيس هذا على الأدب أو في الرواية ونقول الحوار يجب يراعي مقتضى الحال ويكشف الواقع ولا يمكن أن تنطق شخصية أعلى أو أقل من مستواها فمن الخلل أن تكون شخصية بسيطة تنطق بلغة شعرية أو فكرية وفلسفية أكبر من حجمها وتكوينها وهذا أمر اظنه معيبا يفتقد إلى الصدق الفني وفالشخصية تعبر بما يناسب انتمائها الاجتماعي ومستواها الثقافي.
لذلك يراعى العناية بالحوار ويوجد ناس مختصين بصياغة الحوار، فهو ليس سهلا ولا يجب أن نتساهل فيه ونهمله وكون الصورة في السينما قد تعوض عن الكلام ولكن في المسرح تكون وضيفة الحوار أكبر وأكثر حساسية وحتى عندما نستغني عنه ببدائل كالمؤثرات الصوتية والموسيقى يظل الحوار له أهميته وخطورته وجمالياته.

ثم تحدث الكاتب المسرحي والسيناريست السعودي عباس الحايك والذي يعتبر الحديث عن الحوار في السينما والمسرح هو حديث مهم جدا كون أهمية الحوار تكمن في نقل الأفكار والمعلومات للمتلقي ونقل رؤية الكاتب ثم المخرج، إذن هو وسيلة اتصال درامية بين المتلقي وأصحاب العمل الفني.
في كتاب كتابة السيناريو والسينما لدوايت سوين، يحدد أربع وظائف للحوار فهو يقدم معلومات دون أن يعيق تدفق القصة أو يعيقها، كذلك يكشف عن العاطفة والحالة النفسية والشعورية للشخصيات، اضافة أنه يدفع بحبكة القصة إلى الامام ويحدد طبيعة الشخصيات.
الحوار لا يقتصر على الكلام المنطوق ويمكن أن يأخذ شكل الصمت خاصة في السينما الحديثة، حيث نجد تجارب ورغبة للتخلص من قيود الحوار واختصاره قدر الامكان والارتكاز أكثر على الصورة كأداة تعبير، هنا الصمت يكون معبرا، الصمت أداة رسم يحمل دلالات ويمنح المتلقي التركيز على ما تقوله الصورة وليس الكلام، والتركيز على الكلام المنطوق في السينما وحتى المسرح تحولنا إلى حالة إذاعية ونفقد روح السينما والمسرح كفنون بصرية لذا يجب أن يبتعد السيناريست وكاتب المسرح عن الثرثرة الحوارية ويكون للحوار مواصفات مهمة فمثلا يجب أن ينبع الحوار من طبيعة الأحداث وألا يكون خارجها، كذلك الواقعية وصدق التعبير عن الشخصيات وهو يجب أن يكون مساعدا في تطور الأحداث وأعتقد أن الكل متفق أن يكون الحوار مقتصدا وبعيد عن الحشو أي خير الكلام ما قل ودل وهذا في السينما والمسرح أيضا وعلينا أن نصل لشاعرية بحيث يكون له تأثيره القوي
وفي ختام حديثه اعتبر الحايك أن الحشو والثرثرة ستحدث تشويش وحالة ثرثرة مملة وأكد لوجود مشكلة في صياغة الحوارات خصوصا لدى الشباب والمواهب ونصح بضرورة البعد عن السردية والتقرير ويجب أن نعطي الصورة
دورها الفني والجمالي.
ثم تحدثت الكاتبة المصرية د.رباب حسين حيث اتفقت مع من سبقها في العديد من النقاط ونوهت أن بناء المشهد الصامت يكون من السيناريو ويراعي عدة عناصر تجعله دراميا وتوجد مشاهد يكون الحوار مهما وضروريا حيث هنالك حالات ينفع معها الصمت وحالات لا، والإبداع يكمن في اتقان هذه المعادلة.
وضحت حسين أن الحوار يحمل مفاتيح مهمة وهو كذلك يضفي الخلفية الثقافية والفكرية ويحتوي ابعادا متعددة تكشف كينونة كل شخصية وهنا لكل شخصية لغتها وكذلك البعد والعمق النفسي ويبرز المشكلات وهو يترك مساحة للمتلقي للمشاركة والتفاعل والحوار يتفاعل مع بقية عناصر الصوت والمؤثرات الصوتية ويشترك معها ومع الصورة ليخلق لنا متعة فرجوية.
هذا ونظرا لكثرة المشاركات وأهميتها نضطر لتقسيم المادة إلى حلقتين وفي الجزء الثاني سوف نورد بقية الاطروحات…

حميد عقبي – باريس

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح