“لحظة حب” ميلودراما رومانسية تعزز الصحة النفسية

مسرحية تحكي حدوتة إنسانية تجمع الحب والكره والعدل والمرح.

بدأت الميلودراما الرومانسية المسرحية في القرن التاسع عشر مع ثورة الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو ضد المسرح الكلاسيكي في أوروبا، وبعد فترة انتقلت إلى مصر بعرض أوبرا عايدة، وتبعتها بسنوات مسرحيات مثل: “إيزيس”، و”حسن ونعيمة”، و”انقلاب”. وتنقل هذه الأعمال الجمهور من المشكلات اليومية إلى دنيا الحب والمشاعر الناعمة، مثل ما نجده في مسرحية “لحظة حب”.

قدمت مسرحية “لحظة حب” التي تعرض في قاعة صلاح جاهين بمسرح البالون في وسط القاهرة، وتستمر حتى منتصف مارس الجاري، وجبة مثيرة، حيث تعرضت للعلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة، والعواطف والعلاقات المتضاربة والمتوترة والمستقرة والمستكينة، عبر شخصيتين، إحداهما شاعر شاب مصدوم في حبه الأول ومثخن بجراح تجربة عاطفية مدمرة فاشلة وخيانة حبيبة سابقة.

وأما الشخصية الثانية ففنانة تشكيلية تملك كل أسلحة حواء الناعمة، من ذكاء ودهاء وأنوثة وجاذبية، ينشب صراع في أعماقها بين حبها للشاعر وكبريائها الذي يرفض البوح بالحب خشية الرفض، بينما يقدّم الشاعر قدما ويؤخر الثانية خشية من تجربة حب جديدة قد تبشره بفشل آخر.

حب وكبرياء

 

المسرحية تصور الصراعات الخفية بين العقل والقلب وبين الحب والكبرياء، وتقدم ما يشبه العلاج النفسي لجمهورها
المسرحية تصور الصراعات الخفية بين العقل والقلب وبين الحب والكبرياء، وتقدم ما يشبه العلاج النفسي لجمهورها

 

يقول مخرج العرض ياسر صادق لـ”العرب”، إنه قام بإخراج المسرحية قبل 20 عاما، وهذه المرة الثانية التي يقدمها كمخرج، رغم اعتراض البعض على تقديمها للمسرح، بوصفها قصيدة شعرية وليست نصا مسرحيا شعريا، لكنه تحدى الجميع ونجح في إثراء القصيدة الشعرية على المسرح.

ويشير إلى أن العرض كان سببا للصلح بين زوجين مرتين، بعدما شاهد زوجان كانا على وشك الطلاق المسرحية، وتأثرا بالمشاهد الرومانسية وصدق الأداء وتراجعا عن الطلاق.

فكرة عداوة المرأة وخيانتها للرجل تجسدت في أعمال كثيرة، منها الفيلم المصري “الشموع السوداء” إنتاج 1962، بطولة المطربة نجاة الصغيرة، ولاعب الكرة السابق صالح سليم الذي تعرض للخيانة، وغنت نجاة التي كانت تمثل دور ممرضته على إطلال جرحه القصيدة الشهيرة للشاعر نزال قباني “لا تكذبي”.

في مسرحية “لحظة حب” جاءت الفكرة مختلفة تفصيلا، في محاولة من المخرج ياسر صادق الابتعاد عن شبهة التكرار مع ما عرض من قبل عن عداء الرجل للمرأة، وكان الأولى أن يدعمها بموسيقى أغنية لا تكذبي القريبة إلى الجمهور.

مشاعر جديدة عاشها الشاعر المصدوم من تجربة الحب الفاشلة والفنانة التشكيلية التي  سخرها الزمن لتداوي جراحه، لتؤكد له أنه ليس كل النساء خائنات، فهناك من تصون العشرة وترعى الحب، وهي الفكرة الثانية التي ركز عليها العرض.

بدأت المسرحية بتمهيد موسيقي يبرز مغزى المسرحية، فقاعة العرض التي قسمت إلى قسمين، اليمين للرجل، واليسار للسيدات، حيث أقصى اليمين مكتب الشاعر وآلة التشيلو الغليظة التي تعبر عن الذكورية، وأقصى اليسار قاعة الفنانة التشكيلية وآلة الفلوت الأنثوية الناعمة.

بدا الصراع بين التشيلو والفلوت منسجما أحيانا، تارة يعزف كل منهما بمفرده، ومرات تتنافران وتتشاحنان، أليست هذه هي العلاقة المتواترة بين الرجل والمرأة، صد وهجر، وحب وحزن، لكنهما لا يستغنيان عن بعضهما، فكلاهما يكمل الآخر.

الرقص الرمزي والتعبير الجسدي والباليه في المسرحية عبرت عن المشاعر المختلفة والصراع الأبدي بين الرجل والمرأة

تخاطب الموسيقى الوجدان، وتدعم الأفكار، وهذا سر العشر دقائق من العزف في بداية عرض “لحظة حب”، وبعد العزف يطل على خشبة المسرح شاعر خرج من تجربة حب مكسورا، ويتحول الرجل إلى عدو للمرأة، ويوجه الطعنات لجنس بنات حواء جميعهن، وكتب العشرات من القصائد باللهجة العامية ليترجم معاناته السابقة.

يأتي المشهد الرئيسي أو “ماستر سين” في المسرحية عندما تقرأ فنانة تشكيلية شابة بإحساس الأنثى قصائده، فتتفطن إلى أن وراء الحرب المشتعلة ضد بنات جنسها تجربة حب فاشلة، وكتبت بقلب صادق يدرك ما هو الحب الحقيقي، فبدا قلبها يهفو إليه.

من خلال القصائد التي ترسمها الفنانة التشكيلية يتشكل جنين حبها للشاعر، وعبرت عنه برسم كل القصائد بقلبها قبل فرشاتها وألوانها، وما أن انتهت من رسمها جميعا حتى اكتمل الجنين، فقررت دعوة الشاعر وحده لحضور افتتاح معرضها، بعنوان “لحظة حب”.

تكشفت معالم الفكرة الثانية التي قدمتها المسرحية في الصراع الدائر دوما بين الحب والكبرياء عند قبول الشاعر لدعوة الفنانة التشكيلة بعد محاولات متكررة، وبإلحاح قلبه الذي يتوق للحب وافق على تلبية الدعوة على مضض.

جاء الشاعر ليشاهد قصائده مرسومة في لوحات نابضة بالعشق، فيشعر بالخطر المحدق به، بعد أن خفق قلبه لتلك الفاتنة الحسناء ومال إليها متجاهلا كل وعوده السابقة بعدم الوقوع في الحب مجددا.

تبدأ الصراعات الخفية بين العقل والقلب وتكون الغلبة للأقوى، وعبثا حاول الشاعر الفكاك من طوفان الحب الذي يواجهه ففشل، لأنه يصارع فتاة تتمتع بالكثير من الجاذبية، وبعد محاولات من الإنكار خضع الشاعر صاغرا لسلطان الحب وأقنعته الحسناء بأن هناك نساء كثيرات مخلصات في الحب.

احترام الجمهور

Thumbnail

يعكس عرض “لحظة حب” احترام مسرح الدولة لجمهوره وحرصه على تقديم قيمة فنية غير تجارية أو مستهلكة. فالحضور الكثيف في أجواء كورونا أكد أن الجمهور متعطش للرومانسية، وبدت المسرحية أشبه بعلاج نفسي من المشاعر السلبية.

وخطفت موسيقى العرض القلوب وعبرت بصدق عن لحظات الحب الحقيقية في حياة الإنسان، ويحسب ذلك لعازفة الفلوت مي فؤاد، وعازف التشيلو عمرو صبحي، والغناء لنانسي ومؤمن خليل، وإن عاب العرض استخدام آلة التشيلو كثيرا عن الفلوت، ربما لإظهار الهيمنة الذكورية في مجتمعاتنا الشرقية.

الرقص الرمزي والتعبير الجسدي والباليه في المسرحية عبرت عن المشاعر المختلفة والصراع الأبدي بين الرجل والمرأة، ونجحت في استكمال منظومة التفوق في المسرحية التي تناسب كل أفراد العائلة، حيث جاءت خالية من الإسفاف.

والمسرحية بطولة بهاء ثروت والفنانة رجوى حامد، والراقصين ميدو ولميس، وديكور حمدي عطية، وألحان أحمد محي، واستعراضات كريمة بدير.

ونجح بطل المسرحية الفنان بهاء ثروت في التعبير عن مشاعره المتباينة بين الحب والكره، وجسّد نضجه الفني في مشاهد مقاومته للحب ثم الرضوخ لأمره، وساعدته على ذلك تعبيرات وجهه الصادقة، وصوته الرخيم.

أما بطلة المسرحية رجوى حامد، والتي استبدلت ببطلة العرض الأول لمياء كرم، فقد نجحت في التعبير عن المرأة الناضجة التي ينشب في أعماقها صراع بين حبها للشاعر وكبريائها الذي يرفض البوح الصريح له بحبها، وجاء الأداء منسجما مع الموسيقى، والأزياء بعيدة عن فخ البهرجة.

واستطاع مؤلف المسرحية الكاتب محمد الصواف، أن يقدم قصيدة شعرية عامية سلسة أشبه بمقطوعة موسيقية، عابها خلوها من الأحداث التي تدعم العرض ونزوعها نحو السطحية أحيانا، وكان الأولى أن تتخللها مواقف أكثر عمقا، وهو ما حاول تداركه المخرج ياسر صادق وسد العديد من الثغرات في القصيدة، ودعم العرض بمواقف كشفت الصراع النفسي لبطلي العرض.

سماح السيد

https://alarab.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح