لا يمكن أن يلتقي الفن الحقيقي بفقاعات يعتقدها البعض تنتمي للفن، لذلك صراع الجمال مع القبح هو صراع أزلي ومتواصل-حوار مع الكاتب المسرحي العراقي علي عبد النبي

الكاتب المسرحي العراقي علي عبد النبي

الزيدي

لا يمكن أن يلتقي الفن الحقيقي بفقاعات يعتقدها البعض تنتمي للفن، لذلك صراع الجمال مع القبح هو صراع أزلي ومتواصل

أجرى الحوار لوكالة بلالاما (حصريا )..حامد المجمعي

كاتب يحمل هموم واقعه المر يرسمه فوق سطور تأخذ احبارها من دموع اطفال وطنه ،،تصرخ بأهات الحاضر الماضي بصوت مبحوح و متحشرج بالألم الذي نعيشه ،،ربما هناك الكثير في داخله لا يستطيع البوح فيه لتضارب الأفكار و
تداخلها فهو يقف صامتا حائرا يبحث عن سبب عدم الإدراك للشعب الذي يعيش حالة الفقر ويقتل بعضهم البعض ،لم ولماذا وكيف أسئلة طرحها واخرى اعطاها الحلول ،،على خشبة بيضوية ،،ابداع المسرح كله وراهبه الكاتب الكبير علي عبد النبي الزيدي كان ضيفا على وكالة بلالاما في الحوار الآتي،

-أهلا ومرحبا بك أستاذ علي في ( وكالتنا بلالاما ) في حديث عن المسرح والفن بشكل عام.. أنت علم عراقي معروف في مجال الكتابة ..من أين تريد أن نبدأ معك وكيف تحب أن قدمك للقارئ؟

-مرحباً بك و بوكالة بلالاما. أعتقد نبدأ من المسرح وننتهي به، لأنني أجد حياتي كلها ارتبطت به بشكل كبير منذ عام 1983 عندما كان عمري 17 عشر عاما الى حد هذه اللحظة، أشعر بانتماء كامل لهذا العالم الساحر والمدهش الذي أراه المكان الأكثر استيعاباً لمشكلات هذا الكون، والأكثر قدرة على التعبير عن الواقع (المرّ) الذي أعيش فيه وانتبهت له مبكرا من عمري، والمسرح نفسه يجعلني أكثر إنسانية ومحبة وطيبة في تعاملي مع الناس، وقد علمني التواضع الذي هو جزء مهم من الأخلاق. وأن تقدمني للقارئ ككاتب مسرحي عراقي إشارة أعتز وأفتخر بها وهو يختصر كل الكلمات والتوصيفات الأخرى.

-كيف ترى المسرح العراقي اليوم.. خاصة وأنت كاتب مسرحي؟

-أتمنى أن أكون هادئاً وأنا أجيب على هذا السؤال حتى أستطيع أن أكوّن رأياً مناسباً مع واقع المسرح العراقي المرتبك منذ مطلع عام 1980 ومرَّ بمدة اعتبرها ذهبية في التسعينيات فقد قدمت فيها عطاءات مهمة في مسرح بغداد ومسرح خارج بغداد كما أتبنى أنا فكرة إطلاق مصطلح على المسرح الذي يقدم في المحافظات بـ (مسرح خارج بغداد). ولكنه عاد مرة أخرى لانتكاسات كبيرة ما بعد عام 2003 بالرغم من أن هناك التماعات لعروض استثنيها بالتأكيد لمخرجين مهمين، لكن المناخ العام, مسرحنا العراقي يعيش ارتباكاً بسبب المهيمن السياسي الذي اتخذ موقفاً حادا من الفن عموما، أي أننا لا نرى في الأفق قوانين لها علاقة بالمشهد الفني يمكن لها أن تفعّل الحياة المسرحية وتصبح عندنا تقاليد حالنا حال كل دول العالم. الموقف السياسي من الفن أثر بشكل كبير على المسرح، وأنا عندما أقول (مرتبك) أشير بدقة لفقر امكانيات الانتاج وعدم وجود مؤسسات غير رسمية تتبنى الأعمال المسرحية، وغياب قسري وبنسبة عالية للفرق الأهلية، وغياب كامل للمهرجانات المسرحية العربية والمحلية سوى بعض المهرجانات التي تتبناها بعض الفرق المسرحية والأشخاص ومن جيوبهم الخاصة وعلاقاتهم مع الآخرين، وعليك ان تتخيّل أن المسرح خارج بغداد لا توجد فيه (قاعة عرض مسرحي) واحدة تمتلك الحد الأدنى من المواصفات الموجودة في مدن أفريقية فقيرة جدا. كل هذا جعل من مسرحنا العراقي ما بعد 2003 مرتبكاً ومبتعدا عن الناس إلى حد كبير، وهذا سبب أول رئيس، السبب الثاني ربما له علاقة بما يقدم على خشبات المسارح للكثير من العروض التي خلقت حاجزا بينها وبين مشكلات الواقع من خلال التجريب بالشكل حد اللعنة، إلى درجة تجعل المتخصص يخرج من هذه العروض دون أن يفهم شيئا.. فكيف بالجمهور غير المتخصص الذي أخذ ينفر من هذه العروض المعتمة.

-لو أردت المقارنة بين الفن والفنان ..هل هناك توافق بينهما .أين يلتقون بود وأين يتخاصمون…أم ماذا؟

-من يخرج عن خط الالتزام بالتأكيد لا يمكن أن تطلق عليه كلمة فنان، وهذا يعني بأنه خارج الفن تماما، الفن الملتزم طارد لكل الطارئين اليوم أو غداً، تجد هؤلاء بكثرة في الملاهي وأعني مسارح التجارة الرخيصة، ولكنهم سرعان ما ينطفئ وجودهم ويشطبون حتى من الذاكرة الى الأبد، ولا يمكن أن يلتقي الفن الحقيقي بفقاعات يعتقدها البعض تنتمي للفن، لذلك صراع الجمال مع القبح هو صراع أزلي ومتواصل.

-أنت من الكتاب الذين لهم رؤيا مختلفة في الأسلوب والطرح ..ماذا تريد أن تقول في وسط صراع لا يهدأ؟

-منذ البواكير الأولى لكتابتي للمسرح كان السؤال الملح الذي يطاردني باستمرار هو كيف تكون مختلفاً، أي أن تقرأ الواقع الذي تعيش فيه قراءة تختلف عن الآخر، وكان لابد من قراءة الإرث المسرحي منذ لحظة الكتابة عراقيا وعربيا، وبالتالي وجدتني أعيش تصوراً كاملا لفعل الكتابة الذي كتبتها للعديد من الأجيال وبمختلف الظروف، هذا الجانب مهم بالتأكيد عندي، أضف الى ذلك أن الظروف التي عشتها منذ مطلع الثمانينيات كان لها الأثر البالغ عليّ ككاتب مسرحي يريد أن تكون الكتابة مسرحياً عن الواقع بحجم ما يحدث فيه من جحيم يومي، ومن هنا أجد أن فعل المغايرة والإختلاف انطلق من تلك الأسئلة المتواصلة التي تطاردني و تحفزني على الحفر والبحث وإيجاد منافذ جديدة للبوح مسرحياً.

-الوسط الثقافي اليوم يميل الى الأنانية والاحتكار والتسقيط للنجاح ..لِـمَ في رأيك؟

-لا يمكن التعميم هكذا، فالوسط الثقافي ومنه الفني تحديداً فيه المبدع المنشغل بمشروعه الابداعي والتنويري والذي يلتزم الصمت عادة، وفيه الآخر الذي لا همَّ له سوى التسقيط والاتهامات وسواها من هذه المفردات، وهذا الأمر طبيعي خاصة هناك من يرى الفن من باب التنافس والسباق وهو أفق ضيق بالتأكيد متناسين أن الإبداع الحقيقي هو المشروع الذي ينتج بصمت ويظهر بقوة ليؤثر بالآخر.

-ما هي الأسس التي تحب أن تراها في المسرح؟ وهل أنت راض عن ما قدمته للمسرح؟

-أن يتحوّل المسرح الى أداة كشف وتعرية بعيداً عن الشعارات والتطبيل للحروب حتى لو كانت حروباً عادلة، أنا ضد كل الحروب حتى العادلة منها لأنها كان يفترض أن لا تقع، وقد اشتعلت بفعل الأمزجة والأخطاء وتحوّل الناس الى حطب لها، المسرح الذي أنتمي له هو أبو الأسئلة الكبرى التي تطرح على الورقة وخشبات المسارح، والتي تثور الناس وتعيد صياغة الكثير من الأفكار الساكنة في رؤوسهم وتجعلها متحركة، المسرح الذي أريده أن يناقش القضايا السرية التي تنتجها (السياسة) من خلال زوايا نظر جديدة وغير متوقعة، لا أن يتحول عند البعض الى مسرح تعبئة أو هو أقرب الى ذلك. وفي سياق سؤالك حول موضوع الرضا من عدمه، أجدني دائما أبحث وأكتشف وأخطأ واتحرك وأفكر من أجل أن (أكون) ولا أعرف فعلا متى أكون، وهذا هو سر المسرح الذي أنتمي له روحا وفكرا الذي يجعلني على الدوام متحركاً وباحثاً حتى أرضى عن نفسي ككاتب مسرحي يعيش في هذا العصر، وأعمل على أن أحقق كل أحلامي في الكتابة قبل أن يأخذني الموت في لحظة ما.

-كتبت الكثير من النصوص المسرحية وجسدت من قبل فرق على المسرح.. أيهما تركت أثرا في نفسك تمثيلا وأنت تشاهدها تشعر أنها أضافت للنص؟

-الكثير من العروض المسرحية من تأليفي تركت أثراً بالغاً عند لحظة مشاهدتها، ولا يمكن ذكر أسماء المخرجين فهم كثر عراقيا وعربياً فقد قدم لي أكثر من (170) عرضاً مسرحيا في عموم وطننا العربي وربما أكثر، وبالتأكيد هناك تفاوت في مستوى الطرح، هناك عروض ارتقت بالنص بشكل كبير وآخرى أخفقت، وأجدني أشعر بسعادة ومتعة كبيرة عندما أكون حاضرا ضمن جمهور العرض دون أن يشعر أحد بوجودي وأسمع ردود أفعالهم، ضحكاتهم، بكاءهم، كلماتهم…

-هل جربت أن تكتب نصا تلفزيونيا للعائلة العراقية تعرض فيه ما يدور بموضوعية خاصة وأنت كاتب جريء ؟

-أميل للكتابة السينمائية أكثر من التلفزيون، وهناك مشاريع لسيناريوهات أفلام روائية قصيرة وطويلة، أجد الكتابة للسينما هي امتداد لمشروعي المسرحي، وربما أستمد كثيرا من أفكار المسرح لكي أحوّلها سينمائيا، وهي بالتأكيد تناقش قضايا الواقع ومنها العائلة العراقية بالرغم من ميلي للفعل الإنساني لأنه يأخذ آفاقاً واسعة في الطرح.

-الى أين يتجه الفن اليوم؟ ولمن ترجع سبب الهبوط الى الفنان أم الكاتب أم الإنتاج أم الفن نفسه الذي أخذ لا يطرب المتلقي؟

-نحن في العراق عموما لا نعيش وضعاً مستقراً بفعل السياسات الخاطئة التي دمرت حياتنا، والفن يحتاج الى استقرار، وأنت تعرف أن مفردة (الاستقرار) لم يعشها الانسان العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 الى اليوم، وبالتأكيد الفن يتأثر بالواقع بشكل كبير، ومن هنا لا ترى الحكومات تهتم بشيء اسمه (الفن) وبالتالي غابت عنا التقاليد التي تراها موجودة وفاعلة في كل بلد والتي صار الفن والثقافة عموما جزء من هويتها وحضارتها، عندنا في العراق أسماء مهمة على مستوى الفن بكل تفاصيله ولكنها عادة ما تصطدم بالإنتاج، كيف للفن أن يقوم ويؤثر بالناس دون أن يجد مناخاً يساعده عن العطاء، ومن هنا لا أجد الخلل بمنتج الخطاب أو لا يتحمله وحده بل يشترك المشهد السياسي في هذه القضية والذي أنتج لنا كوارث وأخطاء جعلت الثقافة عموما هامشاً صغيرا في حياة الناس ولم تعد تؤثر بهم، وهو فعل قصدي في دولة ما بعد 2003 ترى أن الفن فيه إشكال ديني، والمفارقة أنهم مجموعة من العصابات على شكل أحزاب تقود البلد الى الضياع ولا علاقة لها بالدين.

-المسرح التجاري .. هناك من يقول من الجمهور دعنا نذهب الى مسرحية فلان نضحك قليلا..ألا تعقد نحن بحاجة الى الضحك وسط واقع مر؟

-أولا ما يقدم اليوم وفق هذه التسمية لا علاقة له بالمسرح على الإطلاق، وهي اسكتشات كانت تقدم في الملاهي، وبعد أن أغلقت تلك الملاهي اتجه أصحابها للمسرح تحت يافطة الفن، وأعطاهم صفة (فنانون) للأسف الشديد، أما ما تقصده بالكوميديا.. فأن أروع العروض التي تقدم وفق هذه الكلمة تجدها الأكثر تأثيرا وخلودا وجمالاً، الكوميديا الملتزمة هي الأكثر جدلا وعطاءً ومتعة، أما أن نذهب من أجل أن نضحك ليس إلاّ أعتقد أن المسرح لم يكن يوما منذ الإغريق الى الآن مكان للتسلية التي يقصدها هؤلاء تفريغ همومهم اليومية بالضحك ليس إلاّ.

-هنا نقف عند باب آخر .. وهو سر اختفاء الرومانسية في الدراما العراقية، ما السبب برأيك؟

-الرومانسية في الثقافة العراقية اختفت مع أول رصاصة أطلقت مطلع الثمانينيات في الحرب، وانتهى عقد السبعينيات الرومانسي بامتياز، وبدأت رحلة عسكرة المجتمع العراقي بشكل مرعب، وأخذت عندنا صناعة الكراهية تكبر بشكل مقرف، وبات حكومة الدكتاتور تؤكد على ثقافة القتل والإعدامات والزنزانات، وتحولت البيوتات العراقية إلى (مناحات) يومية جراء أعداد القتلى المهولة في الحرب، وارتداء الأمهات والزوجات والحبيبات الثياب السود لسنوات طويلة.. كيف يمكن للرومانسية وسط هذا المناخ العدمي أن تعيش أو تظهر أو تتجدد، حتى الحب بمعناه الواقعي غادر قلوب العشاق بعد سلسلة طويلة من النكبات التي مر بها الشعب وما زال لحد هذه اللحظة، أعتقد أن هذا الموضوع على قدر كبير من الألم، ونحتاج الى سنوات من الاستقرار والنسيان والأمان لكي تدب الحياة في الرومانسية وتتجلى بصور جديدة يمكن أن تظهر في الدراما عندنا.. بل حتى في المسرح.

-أنت من المبدعين الذين عبرت نتاجاتهم حدود بلدهم.. هل أستطع وأنت اسم لامع في عالم كتابة النص أن تؤثر في محيطك؟

-ربما للنقد العراقي رأي في هذا الموضوع في مدى تأثيري في مسرحنا العراقي وعلى أقل تقدير في السنوات العشر الأخيرة، مع تأكيدي أن المشروع النقدي العراقي للأسف غائب الى حد كبير، إلاّ القلة الذين مازالوا يواكبون المشهد المسرحي عموما، قد أجد الدرس الأكاديمي من خلال رسائل الدكتوراه والماجستير والبحوث الأخرى هي الأكثر حركة ومواكبة لمشروعي ككاتب مسرحي عراقي وأشارت الى هذا المعنى في سياق سؤالك، وقد كتبت عن نصوصي المسرحية الكثير من الرسائل منذ عام 1995 الى الآن داخل العراق وخارجه.

-أنت ابن الناصرية، ذي قار، مدينة أور التاريخية السومرية..أول قلم، كيف أثرت تلك الحضارة في وجدان ونص علي عبد النبي الزيدي؟

-الناصرية عنوان جميل في حياتي، ولها تأثير ضمني بالتأكيد على وعيي، وأجد أن المناخ أو البيئة لها كل الأثر في وعي أي كاتب، فكيف بمدينة مثل الناصرية بتأريخها الثقافي، وقد خرجت من معطفها بعض الأسماء المهمة في الأدب والفن، أما مدينة أور التاريخية أراها عمقاً حضارياً رغم التغييب القسري الذي لحق بهذه المدينة لعقود من الزمن وما زالت، ربما تأثيرها عليَّ تأثيرا له علاقة بالإنتماء والفخر بأنني ولدت على هذه الأرض الموغلة بالقدم، وانظر للأسماء والأمكنة بكبرياء.

– الفضاء لك لمن توجه رسالتك.

-الشكر كله لك صديقي الرائع استاذ حامد.. متمنيا لكم النجاح والتوفيق.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.