كورونا والمسرح عن بعد؟؟ العرض “المسرحي” أون لاين سباعي السيد #مصر

كورونا والمسرح عن بعد؟؟ العرض “المسرحي” أون لاين سباعي السيد

واقع جديد يفرضه على العالم وباء كورونا، وظواهر لم نألفها من قبل، من قبيل التباعد الاجتماعي وإغلاق مدن بأكملها، حظر التجول، حظر التجمهر، وتوقف حركة الطيران بين دول العالم. ويبدو أن العالم يشهد تحولات جوهرية على كافة الأصعدة، فتأثيرات الوباء السلبية على حياة البشر واضحة، ولكن كلها تدور حول فكرة التباعد، وهو الوسيلة الوحيدة للوقاية المعروفة- حتى الآن. وحتى اكتشاف عقار يقضي على هذا الوباء أو يقي منه، لجأ البشر بشكل عام الى المزيد من العزلة والتباعد ما أمكنهم ذلك. توقفت صلوات الجماعة، وتباعد الناس في صلوات الجنازة، بدأت الاجتماعات تتم عبر الفيديو كونفرانس، تغير شكل المصافحة بين الناس، وصارت “المسافة” الشخصية ضرورية وإلزامية أحياناً. ولجأوا الى وسائل الاتصال الحديثة لتسيير أعمالهم ومتطلبات حياتهم، فتحول التعليم الى تعليم عن بعد و العمل الى عمل عن بعد، والتسوق عن بعد. ويبدو أن المستفيد الأول من هذا “البعد” هو شركات التسوق عبر الانترنت ومقدمي الترفيه عبر الانترنت أيضاً. ولذلك كان من الطبيعي أن تصل أسعار أسهم شركات التسوق والترفيه اون لاين أمازون ونتفلكس الى أرقام قياسية غير مسبوقة، فكانتا أكبر الرابحين في هذه الأزمة العالمية. الكثير من التحديات وضعت أمام النيوليبرالية الدولية، وأثيرت أسئلة من قبيل كيف تستمر الآلة الصناعية في الدوران وجني الأرباح بينما يقبع العمال في بيوتهم. وبدا أن التباعد والعزل الاختياري رفاهية لا يقدر عليها الفقراء. ولكن هذه قضية أخرى.

السؤال هو اذا كان ممكنا أن يدار عدد من الأنشطة والخدمات كالتعليم والتسوق بل والترفيه عبر شبكة الانترنت والفضائيات، فماذا عن المسرح؟

الحقيقة أن المسرح هو أكبر أعداء التباعد الاجتماعي ان صح التعبير. فهو فن التجمهر والاجتماع بين الناس في مكان واحد، فن اللقاء المباشر بين المؤدين و”الجمهور”. هل يمكن أن نتصور مسرحاً يتم بناؤه ويفصل بين مقاعده متران أو أكثر من المسافة الآمنة؟ أو هل نتصور المؤدين وهم يرتدون كمامات وقفازات طبية وهم يؤدون أدوارهم؟ أو يفصل بين الصالة والخشبة حاجز زجاجي؟! لا أعتقد ذلك ولا أريد أن أبدو متشائماً.

لقد ظهرت هذه الأيام مبادرات عديدة في مصر والعالم العربي ودول العالم من أجل إبقاء المسارح مضاءة افتراضياً على الأقل. وذلك من خلال تقديم ريبرتوار من المسرحيات المصورة وإعادة بثها على شبكة الانترنت. وهي عروض ذات قيمة وثائقية كبيرة، للحفاظ على التراث المسرحي والدرس الأكاديمي للمسرح، وربما اذا صادفت هذه العروض تصويراً متقنا وبثاً بجودة عالية تكون ذات قيمة فنية بالنسبة لعروض مسرحية لم نشاهدها، أو شاهدناها ونرغب في استعادتها. وهذا ما شهدناه مثلاً في تجربة شركة بريطانية تسمى المسرح الرقمي تقدم عروضاً فائقة الجودة لمسرحيات بريطانية وعالمية عبر الانترنت، على طريقة نتفليكس.

ولكن في واقع الأمر، بدأ المسرحيين في استكشاف وتجريب إمكانات التواصل والتفاعل عبر الانترنت منذ ظهور الانترنت أي منذ نهاية القرن العشرين، وهو ما يختلف تمام الاختلاف عن المسرحيات المصورة تليفزيونياً. ويرى بعض الباحثين أن المسرح قد فقد بالفعل الكثير من جمهوره وطابعه في مواجهة الفنون والوسائط الإلكترونية من تليفزيون وفيديو وانترنت، التي حققت بشكل واضح هيمنة عالية الى الحد الذي يجعل فكرة المجتمع المعاصر مشهداً تدخلت فيه يد وسيطة أمر شائع التواتر. ويقول روجر كوبلاند: “ان ادراكنا للعالم قد تشكل بقدر تعرضنا للوسائط، لا بقدر تعرضنا لتجارب حسية آنية.”

ويحدد الباحث الأمريكي ستيف ديكسون ثمانية أنماط من العروض المسرحية الرقمية ، من حيث تفاعل الوسائط الرقمية مع العرض المسرحي، وهي: عروض الواقع الافتراضي، وعروض الرقص الرقمي، عروض القرين الرقمي أو الأجساد الافتراضية- الروبوت، الشذرات fractures  المرتبطة بالموقع site- specific، وربط فضاءات العرض البعيدة Telematics ، والعرض أون لاين Online Performance (على الهواء من الفضاء السيبيري) ، المسرح في الفضاء التخيلي، وأخيراً العروض التفاعلية. وهناك الكثير من الأمثلة على تلك الأنماط ذكرتها من قبل في كتابي الدراما الرقمية والعرض الرقمي: تجارب غربية وعربية.

وسأتحدث هنا، بقدر ما تسمح المساحة، عن بعض تجارب العرض أو الأداء الرقمي وهو العرض المسرحي أونلاين و مسرح الويب. تعود أولى خبرات مسرح الويب Web Theatre الى عام 1996 ، حيث أثبت كل سوندرز Saunders وفيردينيلي Verdinelli امكانية استخدام برامج الكمبيوتر لكي يتمكن جمهور المسرح من أن يشاهد العروض المسرحية في الوقت نفسه ومن أي مكان على شاشات الكمبيوتر الشخصي.

ففي عرض رجل النهضة Renaissance Man  “أخذ المخرج ينشر بواسطة كاميرات ويب صوراً لعرضه، والتي كان من بينها ممثلة متصلة بالمسرح عن طريق بث فيديو تظهر على احدى الشاشات في أعلى خشبة المسرح.” وفي هذه الحالة كان من الممكن مشاهدة الأداء ليس فقط للممثلين الواقعيين، ولكن للممثلة الافتراضية أيضاً” وقدم فيردينيلي عرض Internaulitus عام 1996 وتم نقله على الهواء مباشرة من خلال الانترنت. في هذه التجارب كانت شبكة الانترنت مجرد ناقل للعرض المسرحي فحسب، حيث كانت شبكة الانترنت مستخدمة من خلال وظيفتها التقنية فقط في نقل المعطيات (النص والصوت والصورة

ومن أولى فعاليات المسرح على الانترنت كان هناك مشروعاً شديد الطموح تم تطويره عبر سنوات لكن لم يتحقق بالكامل ابداً. وعرف عام 1995 باسم أوديسيوس وتغير اسمه لاحقاً الى أوديس Ouedis ..الأوديسا العالمية. وكان مشروعاً طموحاً في مفهومه ومعقداً في أعماله، ملائماً بمراجعه الكلاسيكية مثل العديد من السرديات الرقمية في زمنه العولمة تشاركياً وتفاعلياً ودقيق جداً في وصف موقع الانترنت الخاص به، الذي يقول “هذا مشروع مسرحي تربط فيه رحلة أوديسيوس بين الفنانين والمتفرجين في أنحاء العالم عبر شبكة الانترنت. عمل مستمر.”

كانت الفكرة الأصلية هي ارسال الأوديسا عبر البحار السبعة، وأن يحمل الركام الذي سببه تجولنا عبر الانترنت والمواجهة الفكرية الضرورية من أجل مقاربة فنية للأنترنت كوسيط جديد. لقد وفرت رحلة اوديسيوس استعارة ممتازة. وربما أتاحت حقيقة أن أوديسيوس ظل يهيم على وجهه عشرة سنوات، مفارقة غير متوقعة.وبدأ المشروع بإعلان نشر على القوائم البريدية ولاقى استجابة هائلة من المتحمسين الذين تم تقسيمهم الى ثلاثة مجموعات منفصلة كل منهم له قائمة بريدية منفصلة مخصصة للفن والأفكار والنص، النواحي التقنية، التنظيم الشامل.

ولكن على الرغم من العمل الضخم والخطط المحكمة لتمثيل واحد من العروض الكونية والأكثر طموحاً على مر التاريخ، فان كل ما أمكن انجازه هو رابط بين sala terrana (البهو الأرضي) في قصر ليشتشتاين بفيينا و متحف الفن الحديث. قدم العرض شبكة قوية من الفنانين المشاركين. كان عرضاً ذكياً وشديد الاحكام من حيث التخطيط، وطموحاً للغاية وسابق لعصره. مازال أوديس عملاً قيد التطوير يستحق أكثر من مجرد اشارة عابرة في تاريخ العرض الرقمي، واذا استخدمنا الاستعارات الكلاسيكية فقد كان عملاً “هرقليا”.

أما مسرح الويب كام الذي بدأه جاكومو فيردي فكان محاولة أكثر طموحاً لاستغلال الامكانات التفاعلية لشبكة الانترنت. كان أول ظهور لهذا المشروع في مايو 2001 مباشرة على الانترنت من خلال أحد المواقع الالكترونية. في الصالة كان يوجد راو واحد يقوم بأداء العديد من الأحداث المتصلة بأحداث أخرى مقدمة عن طريق الفيديو. “وكان الممثل يرتدي نظارات خاصة تنقل له مباشرة صور الكمبيوتر. كان يجلس على وسادة عريضة ويمكنه التحكم في حاسبه الشخصي بهذه الطريقة كان يستطيع أن يدير في آن وجوده بالنسبة للجمهور في الصالة وبالنسبة للمشاهدين على الانترنت، حيث كان الموقع المخصص للبث يسمح بالدخول الى منطقة خاصة.

في هذه المنطقة كان المتفرج يجد شاشة الكمبيوتر مقسمة الى ثلاثة أقسام (نصوص عن الفن على شبكة الانترنت- فيديو الويب كام – عبارات الشات chat) جميعها تعمل في وقت واحد(…..) كان هذا العرض يهدف الى نقل هذا الفضاء والحدث الذي يدور فيه في منطقة حدودية بين خشبة المسرح والفضاء الالكتروني. وكان مفتاح الانتقال في هذه الحالة تقديم تفاعل أكبر بين المشاركين في العرض (ممثل ومتفرجين). إن هذا التفاعل هو ما يفتح آفاقاً جديدة للعرض المسرحي، حيث يمكن للجمهور أن يمارس ما هو أكثر من التصفيق أو الضحك للتعبير عن رأيه.

وبعد، هي تجارب تعتمد على نوع من أنواع اللقاء المباشر والتفاعل الحي بين المؤدي والجمهور بوساطة الإنترنت طبعاً، ولكن على الرغم من أن هذه التجارب تنتمي الى فن الأداء، ولا يمكن أن نطلق عليها مسمى مسرح، لكنها تظل تجارب ومحاولات لاستكشاف إمكانات وقدرات شبكة الانترنت وبرمجيات الكمبيوتر، وقد تفضي الى نوع من الفرجة التفاعلية الممتعة، وربما تثري العرض المسرحي مستقبلاً. لم لا؟!

سباعي السيد – مصر

(جريدة مسرحنا عدد 20 أبريل 2020)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح