كورونا.. نبوءة “رجيس دوبريه” وهدية “برتولد بريخت” – محمد السيد الطناوي

كورونا.. نبوءة “رجيس دوبريه” وهدية “برتولد بريخت” – محمد السيد الطناوي

     في فيديو مؤلم، شاهده العالم، تحدثت مواطنة بريطانية من سرير العناية المركزة عن معاناتها بسبب مرض كورونا بعدما أصابها وهي حامل، داعية الناس إلى البقاء في منازلهم كي لا يعبروا تجربتها المريرة. ومن إيطاليا روى مواطن، وجثة أخته ملقاة على سرير خلفه، كيف ماتت بالفيروس، ليوجّه لومًا عنيفًا للمؤسسات الإيطالية المعنية التي لم تستجب لنداءاته. وقبلهما ظهرت ممرضة إيرانية في حالة انهيار، راجيةً الناس ألا يخرجوا من بيوتهم.

تبع تلك المقاطع وسبقها العشرات من كافة أنحاء العالم، حملت آلام الناس ومراراتهم، في مشاهد مأساوية تكررت كثيرًا مع نزاعات وحروب وكوارث طبيعية هاجمت مدنًا أو ربما دولًا ومناطق جغرافية كاملة، لكن الفريد في الأزمة الراهنة أنها اجتاحت الكوكب بأكمله.

هذه الفرادة جعلت الجائحة الكونية مرشحةً أكثر من غيرها لأن تكون ذات صلة بنبوءة قديمة أطلقها الفيلسوف والمحلل السياسي “ريجيس دوبريه” في كتابه أو بالأحرى رسالته للدكتوراه “حياة الصورة وموتها.. تاريخ النظرة في الغرب” (1996).

بشّر الفيلسوف الفرنسي في طرحه بانتهاء عصر الصورة، وتواري “مجتمع الفرجة” الذي تحدث عنه مواطنه الكاتب والشاعر والمخرج السينمائي “جي ديبور”، وربط “دوبريه” نهاية “مجتمع الفرجة” بوقوع كارثة “سينتقل فيها المتفرجون من أمام الصورة إلى داخلها”.

لكن ما المقصود بـ”مجتمع الفرجة”؟

“الفرجة” كما يصورها “ديبور” هي “علاقة اجتماعية تتوسطها الصور” التي يبثها الإعلام وما استحدثه العالم من وسائل للتواصل الاجتماعي، وتعكس “الفرجة” رغبة قوية في أن يكون العالم تحت ناظري الإنسان، لكن ينبغي التنبه إلى أن الصورة لا تنقل الواقع الفعلي بقدر ما تروج لمظهره.

في هذا المجتمع يفوض الفرد الصورة لتمثله، فمن خلال حساب إنستجرام، على سبيل المثال، تنوب صورة المرء عنه أمام محيطه، تصور حياته لهم أو بالأحرى تحل محلها، يصبح الرمزي بديلًا عن الواقعي، وتتبدى الحياة الإنسانية مجرد مظهر.

تشتبك تلك الرؤية مع ما طرحه فيلسوف فرنسي آخر هو “جان بودريارد”، في نظريته حول “موت الواقع”، وفيها تتحول الوسائط الإعلامية عن وظيفتها من رصد ونقل الأحداث إلى صناعتها، ليتوارى الواقع وراء صورة مستنسخة ومنقحة تصبح المرجعية للحدث.

في هذا “اللا واقع” يتقدم الوهم على اعتباره واقعًا، بل يصبح أكثر واقعية من الواقع، لتزول الحدود بين النقائض، وتسود الفوضى المعرفية، بعد انخراط الجميع في لعبة الإيهام، نتيجة لما شجع عليه “الاصطناع” من عدم الاعتراف بأي “معيار أو مقياس أو إطار أو مرجع أنطولوجي أو قاعدة إبستمولوجية أو ضوابط أخلاقية نهائية أو يقينيات دينية تصلح للتمييز بين الأشياء..”.

عند ذلك يفقد الإنسان القدرة على التفرقة بين الخير والشر، الصدق والكذب، الخيال والواقع.

هذا العالم، في أطروحة “دوبريه”، بدأ مع عصر التلفزيون، فبعد أن “غدا كل شيء مرئيًّا، لم يعد لشيء قيمة”. صارت الصور منذ البث التلفزيوني الأول في متناول الكل، فهي على عكس الكلمات، ليست بحاجة إلى تعلم، وبذلك أمست الصورة أو الشاشة مركز العالم، لكن لأن الصور الواحدة منها تلغي الأخرى، كما ذهب عالم الاجتماع “بيير بورديو”، فمن ثم تنعدم أي فرصة لتُشكِّل ثقافة جادة، ما يعني انحصار القيمة في كل ما هو مبتذل.

هذا العالم المرئي يتحكم فيه “أسياد التاريخ المباشر” “بنثامي” (نسبة إلى مؤسس المذهب النفعي) بامتياز، حيث يدار وفق مبدأ اللذة، لكن “دوبريه” حذر من أن استمرار تسلط هذا المبدأ سيؤدي نهايةً إلى حدوث خلل في “التوازن الذهني للجماعة”.

في اعتقاد “دوبريه” أن العالم وإن كان ما يزال يخضع لسيطرة الصورة والشاشة، لكنه بات على مشارف نهاية “مجتمع الفرجة”. قد تبقى الصورة وسلطتها المعرفية، غير أن ذلك لن يمنع غريزة البقاء من تحريض الجنس البشري، كي يحد من “مشاعر الاختناق واليأس”، إلى إعطاء فضاءات لا مرئية -مثل: القراءة، والكتابة، والشعر، والحلم- مساحة أوسع بكثير عما كان لها.

تنبأ “دوبريه” بأن هذا المنحى سيتبع وقوع كارثة، تجبر المتفرجين على الانتقال من أمام الصورة إلى داخلها، يصبح المتفرج جزءًا من الحدث، لتأتي جائحة كونية مثل “كورونا” فتكون هي الأقرب للكارثة الموعودة.

يكتشف المتفرجون أن الشاشة عاجزة (كما “أسياد التاريخ” الذين يسيطرون عليها) عن إنقاذهم، وأن المطرودين من جنتها -العلماء والمثقفين، من لا يخضع منتوجهم بشكل كبير لمبدأ اللذة- هم المعنيون بإنقاذ الجميع من الكارثة أولًا، ثم التعافي منها بعد انقضائها ثانيًا (فكل كارثة كونية، تتبعها أزمات وجودية وإعادة تشكيل للمنظومة القيمية والثقافية).

لا يهبنا “ريجيس دوبريه” تصورًا لعالم ما بعد “مجتمع الفرجة”، لكن إذا انتقلنا من أمام الشاشة، وقبلنا دعوة الكاتب والشاعر والمخرج المسرحي الألماني “برتولت بريخت” لحضور إحدى مسرحياته، مثل “البؤس والخوف في زمن الرايخ” أو “دائرة الطباشير القوقازية” أو “أوبرا الثلاثة قروش”، سيقدم لنا مضيفنا تصورًا لـ”ما بعد”، لا يقوم على “الفرجة”، بل يشجع على إعمال العقل والمشاركة، عبر تقنية أسماها بريخت “كسر الجدار الرابع”.

أراد “بريخت” للمتفرج، من خلال تقنيته، أن يكون يقظًا وأن يتفاعل مع ما يُقدم له، بعقله لا عاطفته. لم يرغب المسرحي الألماني في اندماج الجمهور مع العرض بقدر ما عمل على ترتيب حالة من الانفصال تتيح للمتفرج تكوين رؤية نقدية تدفعه لاتخاذ رد فعل موضوعي وسريع تزامنًا مع العرض.

وجاء تعبير “الجدار الرابع” من رؤية “بريخت” للمسرح على أنه حجرة ذات أربعة جدران، الجدار الرابع فيها متخيل يفصل بين الممثلين والجمهور، وكان “بريخت” هو أول من كسر هذا الجدار، والمقصود به كسر حالة الإيهام التي تهيمن على عقل المتفرج، حتى تتاح له فرصة المشاركة في العرض.

استخدم “بريخت” لتحقيق ذلك عدة أساليب، منها: سرد القصة للجمهور قبل بداية العرض، من أجل توفير فرصة للتفكر وتكوين رأي بشأن القضية المطروحة، كذلك دفع “بريخت” ممثليه إلى التفاعل مع المتفرجين عبر توجيه الحديث لهم -بين حين وآخر- بهدف تحريض الجمهور على اليقظة الدائمة.

استهدفت تقنية “كسر الجدار الرابع” مخاطبة العقل لا ابتزاز العاطفة، لتدعو المشاهد إلى التفكر لا الاستمتاع، ولتحثه على ألا يظل ذلك المتفرج القابل للتحكم، فلا يُسمح له بعد عرض تؤطره تلك الرؤية بالعودة إلى حياته العادية وكأن شيئًا لم يكن، مثلما يحدث مع “الفرجة”، بل هو مدعوّ لأن يشارك ليصبح جزءًا من الحدث لا أن يقف عند عتبة “الفرجة”، أن يملك رؤية نقدية لا أن يكتفي بالتلقي، أي أن يتشكل وفق ما شاهده، وأن يصير “غير قابل للضبط والتحكم”.

بعد نجاته من كارثة “كورونا”، العالم مدعوٌّ لأن يكسر “جداره الرابع”، أن يتخلى المتفرجون عن مقاعدهم، ليكونوا أكثر فاعلية، سواء في تشكيل أنفسهم أو في صياغة العالم، فما أذاعه وباء “كورونا” من سلبيات، وما سيكتشف لاحقًا، يبين أن ثمنًا باهظًا دُفع نتيجة الاستسلام لـ”ثقافة الفرجة”، من ذلك -على سبيل المثال- ما رسخه العزوف عن مشاركة أكثر فاعلية فيما يخص حتى أولوية إنفاق الموازنات العامة للدول، لتفضح الأزمة عوار القطاعات الأكثر أهمية وارتباطًا بحياة عموم الناس، تتساوى في ذلك دول العالم الثالث ونظيراتها الأكثر تقدمًا وغنى وديمقراطية.

على الجانب الآخر، عندما أرادت الأنظمة المدانة استدعاء وعي الجماهير وفاعليتها لم يتجاوب معها المواطن “المتفرج” بالصورة المطلوبة، بعدما زيفت “ثقافةُ الفرجة” وعيَه، وسلبت جزءًا كبيرًا من فاعليته. لكن تماهيًا مع نبوءة “ريجيس دوبريه” ربما تتوافر لجائحة “كورونا” قدرة لم تحظَ بها مآسٍ وحروب وكوارث هددت العالم سابقًا، لتُرسي الأزمة الراهنة ملامح عصر “ما بعد مجتمع الفرجة” بقبول هدية “بريخت” و”كسر الجدار الرابع”.

محمد السيد طنطاوي – مصر
(ذات مصر)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح