كلمة الكاتب والمخرج وجدي معوّض في إفتتاح الجزء الثاني من “مهرجان ربيع بيروت 2020”

معوض 1
مهرجان ربيع بيروت 2020

كلمة الكاتب والمخرج وجدي معوّض في إفتتاح الجزء الثاني من “مهرجان ربيع بيروت 2020”

ترجمتها عن الفرنسية رندا أسمر

إسمي وجدي معوّض وأعيش في باريس.
شاركت في “مهرجان ربيع بيروت” عام 2013 حيث قدّمت عرضاً، أو بالأحرى عدّة عروض مسرحيّة، ومن بينها، عرض مثّلته بنفسي.
وكان هناك عرض بعنوان “حرائق”، وخصوصيّته تكمن في أنني قمت بإخراجه مع ممثّلين كنديّين عندما كنت مقيماً في كيبيك. والجدير بالذكر أن هؤلاء الممثّلين الكنديّين الذين لم يعيشوا أبداً أيّة حرب على أرضهم، أتوا إلى بيروت ليخبروا الجمهور المحلّي رواية تتناول حرب لبنان، ممّا جعل الناس فجأة تجد نفسها في وضع ملتبس، إذ أنّها تشاهد قصّتها هي، بأداء ممثّلين كنديّين. فكان وقْع اللقاء مدوّياً بالنسبة لي، لدرجة أنني أدركت من جديد ما هو المعنى الذي قد يحمله فعل الكتابة في بلدك الأمّ، وهذا ما لم ألمسه يوماً من قبل.

سأتابع إذن كلمتي هذه الليلة، بقراءة النص الذي استوحيته لهذه المناسبة، والذي قد يشرح ويقول ماهيّة المشاعر التي تختلجني اليوم.
“رداّ على دعوة “مؤسسة سمير قصير” للمشاركة بحدث هذه الليلة، لم أتردّد بالقبول فوراً. إذ أن كل ما يمكن أن يتحقّق في سبيل التواصل في ما بيننا، وفي ما بين اللبنانيّين، يجب أن يتحقّق. كلّ ما قد يساهم في إمكانيّة التواجد معاً، هو أمر مرحّب به.
إن سبب التواجد معاً ليس فقط أمراً إيجابياً، إنما هو، ومنذ زمن طويل في لبنان، يكمن في اعتبار “التواجد معاً” يتخطّى الأفعال الشنيعة، كقتل الأب، أو الأخ، ويتخطّى فعل إغتصاب الأخت، ويتخطّى فعل مضاجعة الأمّ، أو الأسوأ بعد، يتخطّى كونك لوطيّاً ، أو كونك محبطاً كليّاً، إذ أن “التواجد معاً ” يُعتبر من أكبر المحرّمات لدى الشعب اللبناني.

إن “التواجد معاً” هو المحرّم الخاص بنا. هو الشيء الممنوع.

أما اليوم، وبينما يسعى الجيل الجديد، جيل الشباب الذين يحاولون أن يتواجدوا معاً في الشوارع، حاملين معهم ما هو الأجمل والأكثر عطاء ً وكرماً في هذا البلد، ها هم مضطرّون مجدّداً لمواجهة الحقيرين التابعين للأمس والذين سيفعلون كل ما بإمكانهم لمنع تحقيق هذا “التواجد معاً”. إنه كابوس. كابوس لا إسم له. وإذا أردنا أن نقلب هذا الكابوس، علينا تشجيع جيل الشباب هذا، لأنه، في الواقع، هو من تتمثّل فيه اليوم رغبة الحياة، ورغبة الحريّة في الحياة. “نضلّ مع بعض”.
لهذا السبب إذن، لم أتردّد في قبول هذه الدعوة، وذلك من باب الصداقة والحبّ، وبالتالي من باب الرغبة في المشاركة، بكل بساطة، بينما يغمرني الشعور بالذنب بشكل فظيع. والمسألة تعود إلى عدم قدرتي على التكلّم باللغة العربية لأنني لم أعد أعرف أن أتكلّم بالعربية. ولقد حاولت كثيراً أن أقارب هذه المسألة من مختلف الجهات، حاولت كثيراً البحث عمّا قد أقوله الليلة، وأن أجد قولاً ذكيّاً…

إن المفارقة تكمن في أن ما كنت سأقوله الليلة، إن كان قولاً ذكيّاً أم لا، سأضطرّ لقوله، بكل الأحوال، بلغة أجنبية والتي هي حتماً عصيّة على جدّي، والد أبي. كل هذا جعلني أشعر بأنني عالق في خطأ التوقيت.
إذن، فإن المنفى ليس فقط جغرافياً، إنما هو متواجد داخل الحلق، عندما لا يعود بإمكان حنجرتنا إستخراج نعومة حرف “الحاء”، ولا قوّة حرف “الخاء”، ولا دواخ حرف “العين”، ولا طفولة حرف “الغين”. عندها، كيف يمكن قول الغضب بلغة ليست هي اللغة الأمّ؟

عندما أكون في مونتريال، أو في باريس، أو في برلين، أو في أبيدجان، أو في ساو باولو، ويسألني الفضوليّون بكل إهتمام عن إسمي وعن بلد المنشأ، أجيبهم، وذلك من باب قول الحقيقة، بأنني “زبالة” آتٍ من بلد “الزبالة”، بلد متعب من الأوجاع، ومرهق من الإرهاق، مرهق من كثرة الفرح الإجباري، ومن الإبتسامات المتجمّدة، بلد لم يعد لديه جلداً يكسيه سوى البحر الذي، حتى هو، لم يعد يواسيه، كما لم تعد تواسيه لا الشمس ولا زرقة السماء. إنه بلد فقد ذارعيه و رجليه، ولا يبقى منه سوى قلبٍ مسمّمٍ، بحيث تُسمع دقّاته، فوق طبقة من الباطون، كصرخة غضب لم تعد تفقه أيّاً من الأبجديّات.

“بعد في أمل؟” سؤال يطرحه عليّ المشعوذون العجزة من فصيلة هنود أميركا الشمالية المعروفين بشعب “الكومانش”، وهم الضالعون بمواضيع الاضمحلال والكآبة، فأجيبهم بأن الأمل يكمن، على وجه التأكيد، في بطون النساء الحوامل في بلادي، حيث أنّه في خضمّ الخطوة المترجرجة، في ذلك البلد المترجرج، ما زالت الناس تمارس الحبّ كلّ ليلة. “هذه الليلة، سنمارس الحبّ”. ربما ليس بالكثافة الكافية خارج نطاق الزواج، أو خارج نطاق الدين، ولكن هناك تكاثر لشخصيات “روميو وجولييت” التي تمارس الحب بالرغم من الإنقسامات العائليّة والتسميات العائلية، وبالرغم من الصدمات المدهشة، وإعادة خياطة غشاء البكارة، وبالرغم من عمليّات التجميل و”الظنطرة الفوفاش” لدى الطبقة البرجوازيّة التي تظنّ بعد بأنها، بمجرّد ما “تضرط” بالفرنسية، أو “تتدشّى” (تجشؤ) جيّداً بالإنكليزيّة، سيُنسيها ذلك بأن الدمّ العربي يجري في عروقها.

إن الذهاب لاستشارة محلّل نفسيّ ليس إذن من أصعب الأمور. إن أصعب الأمور ترتكز في قبول فكرة التغيير. والتغيير يفرض قوّةً فلكيّةً مماثلة للقوّة الضروريّة لإقلاع صاروخ وقلعه عن جاذبية الأرض.
هل سيقبل بأن يتمدّد على السرير أمام المحلّل النفسي؟ هذا الذي يدّعي بأنه يحمل بيديه قدَر البلد؟ هل سيقبل بأن يتغيّر؟ وما هو حجم القوّة الضروريّة لتغيير هذا العالم بالذات؟
ففيما نحن متواجدون معاً، ما زالوا هنا، هؤلاء القيّمون على إدارة البلد، المحمَّلون بتاريخهم الدمويّ.
إنهم هنا، ولا يخجلون البتّة من وجودهم هنا. لقد اخترقوا كلّ القوانين، حتى تلك التي وضعتها الآلهة في متناول البشر منذ آلاف السنين. لقد داسوا على القانون الأزلي الذي يفرض حسن الضيافة، وما زالوا هنا، في سيّاراتهم الفخمة وفي قصورهم، مجبولين بالدمّ، هم أنفسهم الذين جبولنا نحن بالدمّ.

زعماء الأحزاب، زعماء الميليشيات، زعماء “الحرام”، زعماء الحيوانات الداكنة التابعة لتاريخ داكن وما زال، يغرق دوماً في دُكنةٍ هي أشدّ ظلاماً من الظلام، في ليالٍ لا قمر فيها ولا نجمة، هم أولاد “إيفور”، هم غيلان من دون خصيات.
هم الزبالة، غارقون في رائحة صمتهم النتنة، يبصقون كلمة “بلد” وكأنهم يبصقون الإهانات، وفي كلّ يوم يقولون: “لبنان” كما لو أنهم يقولون: “كسّ إمّك”، فتختلط كلّ المفردات والمعاني.
إن ما أقوله ليس كلاماً للتيئيس، ولا للاستسلام، إنما هو عكس ذلك تماماً، لأنني أؤمن إيماناً مبرماً، مثلما يؤمن “كافكا”، بأنه في داخل كلّ واحد منّا، هنالك شيء ما، غير قابل للدمار، قطعيّاً.

هذا المساء، وبسبب إستحالة الدمار هذه، لست راغباً في الشعر، لست راغباً في بعث الأمل، لست راغباً في رواية القصص، لست راغباً في التأثّر، لست راغباً في أن أقول “لبنان”، لست راغباً في أن أقول “فيروز”، لست راغباً في أن أقول “الشباب”، لست راغباً في أن أقول ما هو الأجمل، لست راغباً في بكاء الموتى ولا الجرحى، ولا المفقودين، ولا أمّي الميتة، ولا أبي الميت، اللذين هما الآن تحت الثلوج الكندية، قابعان في إحدى المقابر النكرة، هما اللذان وُلدا على جانب غابات الصنوبر في الشوف. لست راغباً في أن أقول “بيروت المتوفّاة ألف مرّة والعائدة إلى الحياة ألف مرّة”، ولست راغباً بأن أستذكر عظَمة الفنّ، ولا المسرح، ولا العزّ والكرامة، ولا “القال والقيل”، ولا الثرثرة الممحونة، ولا الحمّص، ولا التبّولة، ولا البابا غنوج.
لا شيء، يعني لا شيء.

في كتاب “التحوّلات”، يروي الكاتب “أوفيد” ما حصل وسط “طروادة” المدمّرة المنكوبة، وكيف أرسل اليونانيّون “هيكوبي” إلى مدينتها كي تتأمل الدمار في معقل دارها. وعندما نظرت “هيكوبي” إلى جثث عساكر “طروادة”، رأت فجأة إبنتها الأصغر “بوليكسين”، مذبوحة فوق قبر “أخيل”، كضحيّة تكفيريّة.

عندها، أصيبت “هيكوبي” بالبكم من شدّة الألم. فرفعت رأسها نحو السماء، ومن ثمّ، التفتت باتّجاه أعدائها، وحاولت التكلّم بملء فمها، بيد أنها بالرغم من جهودها الجبّارة، لم يصدر منها الاّ أصوات عواء الكلاب.
فمنذ ذلك الزمن وحتى اليوم، ما زالت تلك الصخرة بارزة كشاهد عيان، حيث عوت “هيكوبي” بكل جوارحها بوجه كل من حاول أن يقترب منها، وهي من دون لسان، من دون أيّ كلمة، إذ أنها أصبحت “كلبة” لألمها المتحكّم بها.
هذه الليلة، لدي الرغبة في الالتفات إلى أعدائنا، بيد أنهم من نفس فئة دمّنا، ولدي الرغبة في إعطاء الكلام لِما لم يعد يملك الكلام في داخلي. كذلك، لِما لم يعد لديه أيّة أبجديّة، لِما لم يعد يجيد اللفظ، سوى لفظة العواء التي تحضر عندما يصل العنف المستشري إلى حدّ رمي اللغة في دوّامة الغضب والحرائق.

وجدي معوّض – كاتب ومخرج
مدير “لا كولّين – مسرح وطني” – باريس، فرنسا
ملاحظة: في البثّ المباشر، تلى هذا النص، تسجيل فيديو يعوي فيه “وجدي معوّض” لمدة طويلة.

—————————————————

(*) كلمة الكاتب والمخرج “وجدي معوّض” في إفتتاح الجزء الثاني من “مهرجان ربيع بيروت 2020” 1 أيلول 2020 – ترجمة: رندا أسمر 

(عن صفحة الفنانة رندا أسمر)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح