أخبار عاجلة

كريم دكروب: مسرح العرائس العربي مهمل

بيروت: هناء توبي

كريم دكروب، منتج ومخرج لبناني، شغوف بمسرح الدمى منذ طفولته. اختار الدمى على أثر دراسته للفنون، وبجانب تخصصه في العلاج النفسي والعائلي، استطاع أن يحقق خلال مشواره المسرحي الذي بدأه في العام 1993 مجموعة من الأهداف التي تعيد الاعتبار لهذا الفن الراقي الذي استحق موقعه في لبنان قبل اندلاع الحرب الأهلية في التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً مع دكروب، بصفته مؤسس «المسرح اللبناني للدمى».
استطاع دكروب أن ينفذ إلى قلوب الصغار والكبار من خلال رسائله المسرحية المبطنّة التي تحرّض على حب الطبيعة، والإنسان، للارتقاء بالمجتمع. مسرحياته ال25، ومنها «يا قمر ضوّي ع الناس»، و«يللا ينام مرجان»، و«ألف وردة ووردة»، و«يا دني شتي صيصان»، و«كراكيب»، و«ألغام»، و«بيتك يا ستي» و«طير وعليّ يا بالون»، وغيرها من الأعمال الهادفة، اعتمدت البناء الدرامي المسلّي البعيد عن الوعظ، وساهمت في إثراء مسرح العرائس اللبناني، وتحريك عجلته نحو الأمام.

اليوم، ومع إعادة عرض مسرحيته «شو صار بكفر منخار» التي قدمها دكروب منذ 26 عاماً، وأمضت سنواتها في السفر والتجوال، تعود الآن إلى بيروت، لتعيد معها إلى الواجهة الحديث عن مسرح العرائس اللبناني، وبالتالي عن دكروب الذي حرص على إيصال هذا المسرح إلى العائلة من دون اقتصاره على الأطفال، فهو يقول: «لا أريد أن يكون مسرحي للصغار فقط، مسرح الدمى عائلي بامتياز، يحاكي عقول الصغار والكبار، هو مرآتنا، ولا ينفك يضيء على همومنا وهواجسنا حتى يسافر بنا إلى عالم أفضل».
ويعترف دكروب بأن مشواره أضناه، لكنه سعيد بإنشاء «ريبرتوار مسرحي»، ويقول «استطعت ولأول مرة في لبنان، أن أقدم ريبرتواراً مسرحياً في مسرح «دوار الشمس». أصبح لدينا عروض مسرحية متواصلة أسبوعياً، وعلى مدار العام، العائلات تقصدنا، والأطفال يصطفون على شباك التذاكر، الصالة ممملوءة، وفي برنامجنا أعمال مسرحية جديدة، وأخرى قديمة يعاد عرضها».
أما لماذا وقع اختياره اليوم على «شو صار بكفر منخار» لإعادة عرضها، فيعود دكروب بالذاكرة إلى العام 1993، وهو العام الذي توّج فيه شغفه بالمسرح بالشهادة الأكاديمية، ويقول: «تخرجت في العام 1993، وعرضت مشروع التخرج في جامعتي سان بطرسبورغ الروسية، ثم في فرنسا، وبعدها توجهت إلى لبنان، لأقدم أول أعمالي وهو مسرحية «شو صار بكفر منخار» التي كانت عنوان اللقاء الأول بيني وبين الناس، وعلى أثرها انطلق مشروع مسرح الدمى في لبنان، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عرض هذا العمل، تجول في العالم، ونجح، وأكدت من خلاله حرصي على ضرورة إنشاء ريبرتوار مسرحي أسبوعي دائم ضمن الإمكانات المتاحة لنا. ويلفت إلى أنه «من المعروف أن هذا النوع من المشاريع تموّله دول، وتؤسس لأجله مسارح رسمية، لكننا سعينا كأفراد ونجحنا، واستطعنا أن نعمم ثقافة مسرح الدمى والعرائس، واعتمدنا التجوال في المناطق اللبنانية، والبلدان الأوروبية، والخليج العربي، وأصبح لمسرحنا رواد في جنوب إفريقيا، وكندا، والصين، والإمارات، والكويت، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلينا كفرقة، لأن تواصلنا وانفتاحنا على الآخرين يؤسس لتحقيق أهداف بعيدة المدى تتجلى في الرؤية المستقبلية لمسرح العرائس، ودوره وتأثيره».
ومن خلال مقاربته لمسرح العرائس في البلاد العربية يقول دكروب «إن هذا الفن لم يحظ بالرعاية في البلاد العربية، باستثناء المبادرات التي يطلقها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بصفته رئيس الهيئة العربية للمسرح، وكان منذ سنوات أطلق المهرجان العربي للمسرح، وخصّ مسرح الدمى بعروض، وكانت لنا فيه مشاركات ناجحة، إلى جانب تفعيل لقاءاتنا مع المسرحيين العاملين في مسرح الدمى، وتبادل الخبرات فيما بيننا، وآمل أن يكون لمسرح العرائس حصة في مهرجان لبنان الوطني للمسرح الذي أطلقته الهيئة العربية للمسرح بدورته الأولى العام الماضي، وستنطلق دورته الجديدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019. ومن خلال مشاركتنا في مهرجانات مسرح «أفينيون» في فرنسا، ومهرجانات في جنوب إفريقيا فإن عروض الدمى تأخذ نصيبها عالمياً، كما أن هناك مهرجانات متخصصة لهذا الفن، ومنها مهرجان charleville-misieres في فرنسا، وهو من أهم المهرجانات في العالم، ويعقد كل ثلاث سنوات لاختيار أهم الأعمال العالمية وإعادة عرضها، وسنشارك فيه خلال الشهر المقبل، لنؤكد مرة جديدة أننا أهل للدمى، وما ينقصنا هو الدعم لمزيد من الإبداع، والارتقاء، والتعميم.
ورداً على سؤال حول اعتبار مسرحه وحيداً في لبنان في مجال العرائس، ومدى قدرته على الاستمرار في ظل الظروف الصعبة، أوضح «إن مسرحه يمتلك البنية التحتية الجيدة التي تضمن بقاءه»، وأضاف: «منذ طفولتي عشقت مسرح العرائس من خلال فرقة»السنابل«التي أسسها غازي بكداشي، وانضم إليها أحمد قعبور، وعبيدو باشا، وحسن ضاهر، وغيرهم، وانطلقت أعمالهم في أوائل السبعينات واستمرت، ثم انتكست جراء الحرب، وفي التسعينات أنشئت فرق جديدة، منها»مجموعة كهربا«، و»أصدقاء الدمى«، ونحن نعمل ثلاثتنا للارتقاء بمسرح العرائس، لكن لا شك في أنه من خلال مسرحنا المتواصل فإننا نتحمل الجهد الأكبر».
ومن خلال الدور الذي يلعبه كمدرّس جامعي لطلاب الفنون قال دكروب إنه يعلّم طلابه ضرورة الالتزام بكل تفاصيل نجاح العمل المسرحي، وهي الفكر الذي يحمله مسرح الدمى، البناء الدرامي، القصة والحبكة، ملامسة الناس، الكتابة المبسطة، الإخراج البعيد المدى والممثلين، وبناء علاقات جيدة بين أفراد وطاقم العمل، وغيرها من التفاصيل.
دكروب مؤمن بطلاب الفنون في الجامعة اللبنانية، ويجب إعطاء الخريجين فرصة العمل، بعضهم يعملون معه في المسرحيات، ولديهم طاقات إبداعية كبيرة، ويعول عليهم لمتابعة المشوار، والمضي معاً في الفكر الذي يقدمه. المهم بالنسبة إليه اليوم هو العمل الإبداعي.. في البداية حرص على التسويق لمسرح الدمى، واجتذاب الناس إلى المسرح، أما اليوم فقد بات لديه بنية تسمح له بالتفلت من القيود التسويقية، والعمل لأجل الإبداع، هذا ما يريده من كل المسرحيين الجدد. يقول: «نحن غامرنا وأطعمنا المسرح من عرقنا ومهّدنا الطريق للذين يريدون السير معنا».
ماذا لو كان الجمهور لا يبحث عن الأعمال الإبداعية؟.. يرى دكروب أن»هذا الكلام غير صحيح، وأنا ضد مقولة: «الجمهور عايز كده»، لا أقبل هذه المعادلة التي تبسّط عمل الفنان، وشبّاك التذاكر لدينا يؤكد أن الجمهور يحب الإبداع، وعلى الفنان ألا يتقاعس، الفنان قائد رأي، وسبّاق، والناس تتأثر به، وتلتقط الشرارات التي يبثها، وكل فنان لا يقوم بهذا الدور يعتبر مقصراً تجاه جمهوره«.
وعن مشاركته في الترويج لمسرح الدمى ضمن نشاط تجمع الباحثات اللبنانيات، وإقامة محاضرة عن»البعد السياسي والإجتماعي لمسرح الدمى«، أكد دكروب أن»شغفه بالمسرح يدفعه لإقامة محاضرات، وورش عمل وتدريب، وسفر، والمشاركة في المهرجانات للتسويق لهذا الفن الراقي بشتى الطرق«. وقال:»أينما حللت أؤكد على الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية لمسرح الدمى، وأؤكد على رسائله التي تصل من خلال الضحكة، وضمن المفارقات الاجتماعية، وفي قالب إنساني».

انسجام فني

حول اختيار الدمى والتعامل بينه وبين أخيه وليد دكروب مصمم الدمى، لفت إلى أن الدمى يتم اختراعها وليس اختيارها، وصانع الدمية بالدرجة الأولى يعرف دورها، ثم لدينا مخرج، وسينوجراف، ومصمم دمى، ومحرك، ونعمل جميعاً ضمن مناخ واحد، ورؤية سينوجرافية واحدة، نخترع الدمى وندمج التقنيات، ويسعدني التعامل مع أخي وليد لأنه مبدع ومتخصص في صناعة الدمى، كما يسعدني الانسجام بين كل أعضاء فريق العمل.

http://www.alkhaleej.ae

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح