كتاب “الكوميديا السوداء في المسرح المغربي ” تأليف جميل حمداوي


صدر كتاب جديد للمؤلف جميل حمداوي بعنوان “الكوميديا السوداء في المسرح المغربي ” ويتكون الكتاب  من :

الإهداء

الفهرس…………………………………………………………….4

المقدمة……………………………………………………………..5

المبحث الأول: تعريـــــف الكوميديا السوداء……………………..8

المبحث الثاني: مقــومات الكوميــديا الســوداء…………………..9

المبحث الثالث: تاريخ الكوميديــــا الســـــوداء…………………12

المبحث الرابع: عوامل ظهـــور الكوميديا السوداء……………..17

المبحث الخامس: الكوميديـــا الســوداء عند لحسن قناني………19

المبحث السادس: طبيعــــة الممثل في الكوميديا السوداء………24

المبحث السابع: بعض المسرحيات الرائدة……………………..28

المبحث الثامن: التراث والفنون الشعبية………………………..44

الخاتمة………………………………………………………………….45

ثبت المصادر والمراجع………………………………………….46

و الإهـــداء ذكر المؤلف بأن هذا الكتاب المتواضع اهديه إلى أستاذي العزيز الدكتور مصطفى رمضاني الذي علمني أبجديات المسرح بكلية الآداب وجدة نظرية، وتطبيقا، ورؤية. 

المقـــدمة

 يتناول هذا الكتاب المتواضع الذي بين أيديكم مسيرة الكوميديا السوداء بالمغرب بصفة خاصة؛ تلك الكوميديا التي تقوم على الضحك الهستيري، والتسلية الهادفة، والصراخ البناء، والنقد الصاخب، والمفارقة الإيحائية، والقبح الكروتيسكي، والوحشية السوداء. بمعنى أن هذا الكتاب يعرف القارىء بالكوميديا السوداء، ويتتبع تاريخها الطويل في الغرب والوطن العربي على حد سواء، بالتوقف عند انتشار هذا الفن بالمغرب، وبالضبط في الجهة الشرقية كما عند لحسن قناني، ومصطفى رمضاني، ومحمد مسكين، وغيرهم، إلى أن أصبحت الكوميديا السوداء موضة أو ظاهرة أو تقليعة فنية وجمالية حاضرة في عروض المسرح المغربي إن جزئيا، وإن كليا. 

ولم تقتصر الكوميديا السوداء على النصوص والعروض التطبيقية فحسب، بل هناك تنظيرات لهذا الفن الجديد كما عند لحسن قناني وجميل حمداوي على سبيل المثال.

أضف إلى ذلك فقد حدد هذا الكتاب مجموعة من المقومات والمكونات والسمات التي تتميز بها الكوميديا السوداء مقارنة بباقي الفنون المسرحية الأخرى. كما اهتم الكتاب أيضا برصد مختلف المراحل التاريخية التي عرفتها  الكوميديا السوداء بغية تبيان مقوماتها الفنية والجمالية والدلالية والوظيفية من خلال نماذج فنية نظرية وتطبيقية .

وقد توقف الكتاب كذلك عند مختلف النماذج المسرحية التي تنتمي إلى الكوميديا السوداء قصد استجلاء تيماتها وأشكالها الفنية والدرامية والجمالية، وخاصة فيما يتعلق بالممثل والتراث. 

وفي الأخير، أرجو أن تنال هذه الدراسة رضا القراء واستحسانهم، ونعتذر عن مختلف الهفوات والأخطاء والهنات التي نكون قد وقعنا فيها لغرورنا، وجهلنا ، و سهونا، وتقصيرنا… والله الموفق

توطئة لابد منها:

من أهم النظريات المسرحية التي عرفها المغرب منذ السبعينيات من القرن العشرين الميلادي ، والتي كانت بحق وحقيق أداة لتأسيس الخطاب المسرحي، ووسيلة ناجعة لتفعيله حركيا ، وآلية فنية وجمالية قادرة على تأصيله ذهنيا وعمليا وتقنيا، نظرية الكوميديا السوداءL’humour noir ))، أو ما يسمى كذلك بالكوميك الصادم، أو التراجيكوميدي. ويمكن اعتبار هذه النظرية الدرامية في الوقت  نفسه نظرية مسرحية، وأداة درامية في الكتابة والإخراج.ويجمع هذا النوع من المسرح بين الطابعين: التراجيدي والكوميدي، ويهدف إلى تعرية المجتمع القائم، ورصد نمط الوعي لدى الجمهور الحاضر، إن كان وعيا كائنا ، أو وعيا مغلوطا زائفا، أو وعيا ممكنا يستشرف المستقبل. ويسعى هذا المسرح جادا، عبر آلياته الفنية والجمالية، إلى نقد الواقع المرصود والمشخص والمعروض،  عن طريق السخرية، والهزل، والهجاء، والمفارقة، و الضحك، والبكاء…

إذا، ما أهم المكونات النظرية والجمالية والفنية لهذا المشروع المسرحي؟ وما منظور هذه النظرية إلى الممثل والمتفرج والتراث؟ وهل يمكن اعتبار الكوميديا السوداء نظرية مسرحية أم تقنية درامية ؟ وهل ثمة تنظير فعلي لهذه النظرية تصورا و ممارسة ووظيفة؟

هذا ما سوف نتعرف إليه عبر هذه المباحث التالية:

المبحث الأول: تعريـــــف الكوميديا السوداء

نعني بالكوميديا السوداء (La comédie noire) تلك الكوميديا الساخرة التي تصور المفارقة الصارخة بين السلوك والقيم . وتتسلح بالضحك والجنون والهذيان والباروديا والمحاكاة الساخرة لتدمير كل الثوابت التي تستند إليها الأنظمة السياسية المعاصرة على جميع الأصعدة والمستويات.بمعنى أن الكوميديا السوداء فلسفة تأملية مأساوية، تندد بعبثية الواقع، وتهجو عدمية المجتمع، وتشدد على انحطاط القيم الإنسانية الأصيلة، وتحتفل بحياة العبث، والإخفاق، والفشل، والسقوط التراجيدي. إنها فلسفة الضحك الممزوج بالبكاء الهستيري. ويعرفها أحمد بلخيري بأنها ” نوع قريب من التراجيكوميديا.إن المسرحية – هنا- ليس لها من الكوميديا إلا الاسم، بسبب الرؤية المتشائمة السائدة فيها، نتيجة التنكر للقيم” .

وتستند هذه الكوميديا إلى السخرية اللاذعة، والتغني بالشذوذ، والارتكان إلى الباروديا ، والمبالغة في الكروتيسك، والميل إلى التعيير الكاريكاتوري، وانتقاء الهابط والسوقي والفج من الألفاظ والتعابير والصيغ التداولية، والتركيز على ماهو غريب وشاذ في سلوكيات المجتمع ولغته، والخلط الهستيري العجيب بين الأساليب والفنون والأزمنة والأمكنة، والتغني بفلسفة العبث والعدم.

 أما أسلوب التمثيل والعرض الذي يعتمد عليه المخرج أو الدراماتورج في تقديم الكوميديا السوداء، ” فيتسم بالمبالغة الشديدة في الحركة ومسرحية الأداء المفتعلة، مع التأكيد على المفارقات المحسوسة الصارخة التي تظهر في أبسط صورها في ارتداء النساء لملابس الرجال، وقيام الرجال بأدوار النساء، بحيث يصعب التمييز بين الجنسين، ويبدو جميع الممثلين كمخلوقات شاذة شائهة، كذلك يعتمد هذا المسرح بدرجة كبيرة على المؤثرات البصرية المبهرة، وليس أقلها العري، وأعمال القسوة السادية، والرموز الجنسية السوقية ، كما يعتمد على خلط الأزمنة والأمكنة التاريخية…وفي المسرحية نفسها نجد أغاني الديسكو وأحدث الموضات المجنونة في فنون الرسم والتصوير، تمتزج بأعرق كاتدرائيات العصور الوسطى التي تصبح بدورها بيوتا للدعارة، نرى فيها الراهبات يبتهلن على نغمات الديسكو، وهن يؤدين أحدث الرقصات.

وأمام هذا الخلط الهستيري العجيب الذي يثير إحساسا بالرعب، يعرفه كل من تعرض يوما ما للإحساس باقتراب الجنون، لا يملك الإنسان إلا الإغراق في الضحك هربا من جنون العصر، واعترافا باستحالة إصلاحه.” 

وتأسيسا على ماسبق، توجد الكوميديا السوداء في جميع الأجناس الأدبية، من مسرح، وسينما، وقصة، ورواية، وشعر، وقصة قصيرة جدا. وتحمل، في طياتها، رؤية إبداعية عبثية متشائمة، قوامها الضحك الجنوني، والهستيريا اللاواعية، والنقمة العارمة على معايير السلطة والمجتمع والقيم وطابوهات المجتمع.

المبحث الثاني: مقــومات الكوميــديا الســوداء

تعتمد الكوميديا السوداء، أو ما يسمى بالكوميك الصادم، على انتقاد الواقع بكل مستوياته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية ، وتعريته فكاهيا وكاريكاتوريا، ومسخه كروتيسكيا، وتشويهه فنيا وجماليا، وكشف نواقصه الظاهرة، وتشخيص عيوبه المضمرة،  باستعمال السخرية والهزل والباروديا لرصد الواقع القائم، واستشراف لحظات المستقبل الممكنة. 

كما تتوسل الكوميديا السوداء بالملحمية البريختية، واستخدام المسرح التسجيلي والتوثيقي والسياسي، وتوظيف النقد الجدلي، والتسلح بالأسلوب الساخر المفارق، والارتباط بالواقع فهما وتفسيرا، والاستعانة بكل المقومات المسرحية، سواء أكانت كتلا بشرية أم أشكالا سينوغرافية ، باعتبارها علامات سيميائية وأيقونية. ومن هنا، فالكوميديا السوداء هي دراما واقعية جدلية نقدية، تجمع بين الجد والهزل من أجل تغيير الواقع، وتحرير الإنسان على مستوى الوعي والذهن والشعور.

وعليه، فالكوميديا السوداء قائمة على كوميديا الحوار، وكوميديا الشخصية، وكوميديا الموقف، وكوميديا الرؤيا. وغالبا، ما تنطلق هذه الكوميديا الصادمة من الأمثال الشعبية التالية:” كثرة الهم تضحك”، و” إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده”، و ” شر البلية ما يضحك”…

وترتكز هذه الكوميديا السوداء على الواقعية الانتقادية، والمادية الجدلية، والباروديا الباختينية، والتهجين اللغوي والتعبيري والخطابي والأجناسي ، واستعمال التعريض والكناية والتلويح والأسلبة، واللجوء إلى الفكاهة الكاريكاتورية ، والاستعانة بفن الهجاء ولغة الذم والقدح والتتفيه والتعيير، وتوظيف فن البساط، والاعتماد على المفارقات والمتناقضات، والتأرجح بين المختلف والمتشابه، والمزاوجة بين المتعة والفائدة، والجمع بين الجد والهزل، والميل إلى التجريب، والتجاوز، والمغايرة، والاختلاف، وخرق المألوف، والانزياح عن الأشكال السائدة .

المبحث الثالث: تاريخ الكوميديــــا الســـــوداء

ظهرت الكوميديا السوداء في المسرح العالمي  في القرن العشرين، مع انتشار الفلسفات والفنون اللاعقلانية  في الغرب ، كالسريالية، والدادائية، والوجودية، والعبثية، والعدمية، والتجريدية، والتكعيبية، وانتشار مسرح اللامعقول مع يوجين يونيسكو، وأداموف، وصمويل بيكيت، وأرابال….

وثمة فرق واضح بين الكوميديا السوداء والكوميديا الساخرة. وإذا كانت الكوميديا السوداء مبنية على الكوميك الصادم ، وقائمة أيضا على فلسفة العبث والجنون والهذيان، وإدانة واقع القهر والتعسف والجور، فإن الكوميديا الساخرة  نوعان:

  كوميديا ساذجة تعتمد على الهجاء البذيء، والضحك المتتابع، والفكاهة المثيرة، كما يتجلى ذلك واضحا في مسرح وان مان شاو، أوفي السكيتشات الهزلية…؛

كوميديا راقية تعتمد على الصراع الدرامي بين المواقف والشخصيات والقيم ، كما نجد ذلك في كوميديات موليير المسرحية والأدبية، أو نجدها أيضا في الكوميديا المرتجلة… 

وقد ظهرت الكوميديا الساخرة في الفترة اليونانية مع أريستوفان الذي كان يستعمل لغة ساخرة في نقده اللذيع، وهجائه للآخرين. واستمرت هذه الكوميديا الهجائية أو الساخرة في أداء أدوارها الانتقادية عبر مختلف العصور التاريخية ، إما في الغرب، وإما في الشرق ، بنقد أوضاع المجتمع ، أو محاكاة أراذل الناس، وتبيان نواقصهم، وتشخيص عيوبهم، ورصد عوراتهم، وتتبع أخطائهم وزلاتهم. 

وقد كان الغرض من وراء هذه الكوميديا الساذجة التنكيت، والإمتاع، وإثارة الضحك، وتغليب جانب التسلية والترفيه على حساب الإقناع والفائدة. بل كانت هذه الكوميديا تكرس الوعي الطبقي السائد في المجتمع، وتخدم إيديولوجية السلطة أو الفئة أو الطبقة الحاكمة بشكل من الأشكال، مادامت أداة فنية وجمالية تدغدغ عواطف المتفرجين بشكل سلبي ومستلب، ولا تدفعهم إلى التفكير السليم، واستخدام العقل لتغيير الواقع. وفي هذا الصدد، تقول نهاد صليحة في كتابها( التيارات المسرحية المعاصرة):” بين مبدإ إثارة الضحك لإراحة الذهن من التفكير، أو لصرفه عن التفكير، ومبدإ إثارة الضحك لإثارة الفكر، أو للدعوة إلى التفكير، تأرجحت الكوميديا على طول تاريخها الطويل.

فالمبدأ الأول تندرج تحته كل العروض الهزلية (الفارس)، سواء أكانت مسرحيات كاملة أم اسكتشات، والتي تستهدف أولا وقبل كل شيء دغدغة المتفرج، وإثارة أكبر قدر من الضحك، حتى تنهكه- عضليا- إنهاكا كاملا، بحيث لا يصبح قادرا على التفكير في أي شيء.أي: إنها – إذا كانت جيدة- تنهك جسده لتريح عقله، أو هي – إذا كانت سيئة- تنهك جسده، وتنتهك عقله في الوقت نفسه.

وتحت المبدإ الثاني، يندرج كل ما نسميه بالكوميديات الراقية التي ترتفع إلى مستوى الأدب المسرحي، إذ هي لا تعتمد على المفارقات الصارخة، سواء في الحركات الجسدية أو المواقف السطحية، كما تفعل المسرحيات الهزلية، بل تحاول إثارة الضحك عن طريق تنبيه المتفرج إلى مواطن الشذوذ في واقعه الاجتماعي والإنساني، بحيث يصبح الضحك انتقادا للواقع، وتعليقا عليه أملا في إصلاحه. “

في حين، تعد الكوميديا السوداء ، أو الكوميديا الجديدة، فلسفة إنسانية مأساوية، تعبر عن عبثية الواقع، واندحار الإنسان تراجيديا، وسقوطه قيميا وأخلاقيا ووجوديا. وتعبر أيضا عن فلسفة عدمية مقيتة، يتقاطع فيها الحلم والجنون، والوعي والهذيان، والشعور واللاشعور، والضحك والبكاء، والموت والحياة…” وإذا كانت الكوميديا على طول تاريخها احتفالا بالحياة، ومحاولة لترسيخ قيمتها واستمراريتها، وفق مبادئ معروفة، وفي أطر قيم ثابتة متفق عليها في المجتمع بصورة عامة، فإن الكوميديا السوداء ترتكز أساسا على إحساس عميق باللا جدوى أو العدمية، وهو إحساس يتخطى مرحلة الإحساس بالمأساة أو الفجيعة، ولا يمكن التعبير عنه إلا بالضحك المتشنج الهستيري.

ويفتقد الضحك تماما، في هذا النوع من الكوميديا ، السخرية الإيجابية التي تميز كوميديا النقد الاجتماعي. كما يخلو من الإحساس بالسعادة لزوال غمة عابرة، وهو الذي يميز الضحك الذي تبعثه الكوميديات الرومانسية، وهو لا يتضمن حتى ذلك الشعور بالتفوق والتميز الذي يحسه المتفرج، وهو يضحك من المآزق التي يتعرض لها أبطال الهزليات.فالضحك في الكوميديا السوداء تنفيس عضلي عن توتر عميق مدمر ، ينتج من إدراك المتفرج لموقف بالغ القتامة، لا أمل في علاجه، ولا مهرب منه إلا بالضحك أو الموت، أو الجنون. “

وعلى العموم، فقد ظهرت الكوميديا السوداء أولا في السينما على يد المخرج الأمريكي جاك سميث في فيلمه( المخلوقات الملتهبة والحب الطبيعي)… ونجدها أيضا عند ألفريد هتشكوك، وتيم برتون، وجون واترس، وجيرار أوري… 

ثم، انتقلت هذه الكوميديا إلى المسرح على أيدي مجموعة من المبدعين والكتاب والفنانين المسرحيين، كان أهمهم: كينيث برنارد، وتشارلز لادلام، ورونالد تافيل، والمخرج المسرحي جون فاكرو الذي أخرج مسرحيات هؤلاء المبدعين والكتاب، مثل مسرحية( حياة ليدي جودايفا) التي قدمت سنة 1966م بشعار مسرح” الاستهزاء والتتفيه” . وأسس تشارلز لادلام فرقة مسرحية سنة 1968م، تعنى بتقديم عروض في إطار الكوميديا السوداء، تسمى بفرقة مسرح الاستهزاء. ولكن يلاحظ أن مؤسس هذه الفرقة المسرحية لم ينظر لهذا الاتجاه المسرحي، كما فعل كثير من المخرجين والمبدعين المسرحيين مثل: ستانسلافسكي، أو بريخت، أو كروتوفسكي، وأنطونان أرطو، وغيرهم كثير، بل نجد عروضه المسرحية هي التي تحمل، في طياتها، ملامح هذا الاتجاه المسرحي الجديد فكرة، وتأثيثا، وتشخيصا، وإخراجا.

ومن أكثر كتاب إنجلترا تأثرا بالكوميديا السوداء توم ستوبارد الذي يعد ” أكثر الكتاب الإنجليز سخرية من الفلسفات والسفسطة اللغوية، وأكثرهم استخداما لعنصر الهزل في مسرحه. لكن توم ستوبارد لم يحاول أن يتخطى الحد الفاصل بين الواقع والوهم المسرحي، كذلك فهو يكن احتراما بالغا للفن المسرحي، واقتناعا عميقا بقيمته في ذاته وبصورة مطلقة ، وربما كان هذا ما يميزه أساسا عن كتاب تيار مسرح الاستهزاء. “

ولم ينتقل مسرح الكوميديا السوداء إلى العالم العربي إلا في سنوات السبعين من القرن الماضي، بعد انحساره في أوروبا وأمريكا ، وانتشر ، بشكل لافت للانتباه، في المسرح المغربي بصفة عامة، ومسرح المنطقة الشرقية بصفة خاصة(لحسن قناني- مصطفى رمضاني- لخضر مجدوبي- حفيظ مساوي- محمد الشركي- محمد بوقرات…).

ويعني هذا أن دخول مسرح الكوميديا السوداء إلى العالم العربي  متأخر جدا، ومرتبط بأفوله في الغرب. وفي هذا السياق، تقول الباحثة المصرية نهاد صليحة:” ومع انحسار موجة التجريب في المسرح في أوروبا وأمريكا مع بداية الثمانينيات، ومع ازدياد التركيز على المسارح الإقليمية ومسارح المجتمعات المحلية الصغيرة، ومع ظهور بشائر محاولات للبحث عن منابع للقيمة في حياة الإنسان، عما أسماه توم ستوبارد في آخر مسرحياته:” بالشيء الحقيقي”(1983م)، وهو عنوان المسرحية، يمكننا التنبؤ بأن تيار المسرح الاستهزائي سيبدأ في الانحسار.فهو تيار قد حمل التجريب في المسرح إلى ذروته،واليأس إلى درجة الملل من اليأس، ولننتظر ما تجيء به الأيام. “

وعليه، فلقد أصبحت الكوميديا السوداء ميسما رئيسا في جل المسرحيات العربية ، ولم يكن دائما جنسا دراميا مستقلا بنفسه، بل أصبح كذلك آلية أو تقنية درامية توظف في أنواع من العروض المسرحية، مثل : المسرح الفردي، أو مسرح اللامعقول، أو المسرح التجريبي، أو المسرح التجريدي، وغير ذلك من المسارح…

المبحث الرابع: عوامل ظهـــور الكوميديا السوداء

يمكن الحديث عن مجموعة من العوامل التي ساهمت في إفراز هذه الكوميديا الجديدة التي تجمع بين آليات المفارقة والتناقض والسخرية. ونحصر هذه العوامل فيما يلي:

 ماعرفه الغرب من حروب وأزمات وويلات زعزعت الإنسان ماديا ومعنويا ، فخلخلت منظومته الأخلاقية والاعتقادية ، ودفعته إلى التشاؤم والتبرم من الحياة تشكيكا وإلحادا وثورة.

 ظهور الفلسفات اللاعقلانية أو العبثية التي تشكك في العقل، وفي القيم والمعايير الغربية الموروثة ، كالفلسفة العبثية عند نيتشه وشوبنهاور، والفلسفة الوجودية عند سارتر، والفلسفة العدمية…

ظهور مدارس فنية في المسرح غارقة في العبث والجنون والهذيان والصراخ والضحك الهستيري، كما يبدو ذلك جليا في المسرح السريالي، ومسرح اللامعقول، ومسرح العبث…

 انتقال الإنسان من مرحلة الاحتفال بسعادة الحياة إلى مرحلة الاحتفال بالعدمية، والفشل، والإخفاق، والعبث، والسقوط التراجيدي.

انتشار الفلسفة العبثية، بشكل لافت للانتباه، في المجتمعات الليبرالية المفلسة؛ مما جعل الإنسان عرضة للأزمات المادية والنفسية والأخلاقية، فنتج عن ذلك أن أصبح هذا الإنسان كائنا مشيأ ضائعا ومستلبا ، لا قيمة له في هذا الكون التراجيدي العابث. وفي هذا، تقول نهاد صليحة:” كانت الإجابة في الغرب هي العبثية ثم ما بعد العبثية، أو- في قول آخر- كانت أولا هي الضحك المتألم الفلسفي من انحسار الإيمان وفوضى القيم ، وفساد اللغة، في استسلام ويأس، وهذا ما فعله مسرح العبث على أيدي يوجين يونيسكو وصمويل بيكيت وغيرهم، ثم في مرحلة لاحقة عانق الإنسان قدره اليائس في تحد، وجاء الاحتفال بالعدمية بعد أن تعذر الاحتفال بالحياة.وكانت هذه مرحلة ما بعد العبث في أمريكا التي تبلورت بصورة صارخة في مسرح” الاستهزاء والتتفيه” “.

هذه هي أهم العوامل والأسباب التي كانت وراء ظهور الكوميديا الصادمة. ناهيك عن انعدام حريات الإنسان وحقوقه الخاصة والعامة، وإحساس الإنسان المعاصر بالقهر والخيبة والإحباط والإخفاق، فنتج عن هذا كله وجود ثنائية قاهر ومقهور داخل مجتمع القهر والجور والإحباط.

المبحث الخامس:  نظريـــة الكوميديـــا الســوداء عند لحسن قناني

يعد لحسن قناني  من أهم المنظرين المسرحيين العرب الذين نظروا  للكوميديا السوداء في كتابه القيم( الكوميديا الصادمة) (2012م)، وإن كان كل من مصطفى رمضاني  (1996م) ،  وناهد صليحة (1999م) ، وجميل حمداوي  (2007-2010م) … قد سبقوه إلى التعريف بهذه الكوميديا بنية، ودلالة، ووظيفة.

 وينقسم الكتاب إلى بابين: يتناول الباب الأول الضحك كظاهرة وإشكالية في أبعادها الأدبية، والفلسفية، والفنية، والجمالية. في حين، يتناول الباب الثاني مبادئ الكوميديا الصادمة في علاقتها بسخرية الإنسان والمتفرج المقهور.

وعليه، يرى لحسن قناني أن ظاهرة الضحك ظاهرة فلسفية معقدة ، وإشكالية أدبية حيرت كثيرا من الأدباء والمفكرين. وفي هذا، يقول الباحث:” إن موضوع الضحك على الرغم من أنه يبدو في ظاهره وللوهلة الأولى ، موضوعا موسوما بالبداهة والابتذال، فإن محاولة تكوين معرفة منظمة عنه تثير العديد من المشاكل، إلى درجة تبدو معها تلك البداهة مصطنعة، ويبدو معها ذلك الابتذال مخادعا، ويصبح الضحك على مستوى التفكير النظري ظاهرة إشكالية، يتميز حقلها الدلالي بالغنى والخصوبة والتنوع؛ نظرا للاستعمالات المتعددة لهذا المفهوم، ونظرا لتعقد وتنوع المواقف التي تثير الضحك، وتباين واختلاف مصادر الأشياء المضحكة. “

ويعني هذا أن الكوميديا – بصفة عامة- تعتمد على الضحك والفكاهة والسخرية والمفارقة كمقومات رئيسة في إثارة المتفرج، واستفزازه ذهنيا ووجدانيا وحركيا.وإذا كانت الإبداعات الكوميدية للثقافة الغربية” قد استطاعت أن تنال حظها الوفير من المتابعة النقدية انطلاقا من أعمال أرسطوفان، مرورا بأعمال موليير وكورناي وماريفو، وصولا إلى أعمال شوبنهاور وبريشت ودورينمات وداريوفو وغيرهم، فإن أرض الإبداع المسرحي في مجال الكوميديا في العالم العربي لازالت بكرا،ليس فقط على مستوى الابتكار والإنجاز، بل أيضا على مستوى التتبع النقدي الجاد والرصين للأعمال المسرحية في ميدان الكوميديا السوداء، سواء تعلق الأمر بالجانب الأدبي الصرف .أي: جانب النصوص المسرحية الكوميدية، أو تعلق بجانب الممارسة الركحية.أي: جانب العروض، فلازالت أعمال رجال من قبيل الماغوط، وألفرد فرج، ويوسف إدريس، وعبد القادر علولة، وأحمد بودشيشة، ومحمد الفلاك، وفرحان بلبل، ورياض عصمت، والطيب لعلج، وعبد الكريم برشيد، ولحسن قناني، وغيرهم، أعمالا مجهولة أو بالأحرى متجاهلة، ولازالت القيم الفنية والجمالية التي أفرزتها هذه الأعمال تنتظر من ينتشلها من متاهة النسيان.”  

ومن ثم، فالكوميديا الصادمة – حسب لحسن قناني- هي كوميديا الإنسان المقهور والمتفرج المنخور، وتجمع بين المتعة والفائدة، وتجمع أيضا بين الجد والهزل، وتوظف آليات السخرية والتغريب والفكاهة والانزياح والمفارقة. كما تشغل تقنيات بريخت كالتغريب، والتباعد، وتكسير الجدار الرابع، مع استعمال تقنيات تراثية تتجلى في استلهام الموروث الشعبي، وتوظيف الميتامسرح، وتسخير تقنيات الحكي والرواية، والكوميديا المرتجلة. ويعني هذا أن الكوميديا السوداء من المسرح الحي الذي يتنافى مع المسرح الميت الخشن أو المسرح التكسبي التجاري. وقد تأثر لحسن قناني، في تصوراته النظرية،  بأوكيستو بوال صاحب مسرح المقهورين . وتأثر أيضا بكرنفالية ميخائيل باختين. كما تأثر بتصورات كل من بريخت، وكروتوفسكي،  والكوميديا المرتجلة، والمساحة الفارغة لبيتر بروك، والنظرية الاحتفالية. وتأثر كذلك بخطاب الفلسفة (عزيز لحبابي- سارتر- برغسون…)، والخطاب الأدبي(الجاحظ – فولتير- المعري- جحا-الماغوط…).

علاوة على ذلك، توظف الكوميديا السوداء عند لحسن قناني الفلكلور والفنون الشعبية والتراث الشعبي الأصيل، مع الانفتاح على التقنيات المسرحية الغربية، ولاسيما تقنيات بريخت. وفي هذا الصدد، يقول لحسن قناني:” وكان على بريخت أن يضيف إلى ذلك، أشكال الفرجة العربية، كالرواة والحكواتية والقوالين والسامر والمداحين، وأشكال الفرجة المغربية منها على وجه الخصوص كالحلقة ولبساط وسيد الكتفي وأعبيدات الرمى، وغيرها، وذلك على اعتبار أن هذه الظواهر الفرجوية كلها كانت تستخدم هذا التكنيك…، وليس بناء على وصفات نظرية جاهزة، بل لأنه وبكل بساطة كان يشكل جزءا لا يتجزأ من تقاليدها الفرجوية وأساليب الاستمتاع التاريخي عند شعوبها، وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن المتأمل لنصوص الكوميديا الصادمة وعروضها، لابد أن يخرج بنتيجة مفادها أن هذه الكوميديا، وفي الشكل الثالث من تقنيات التغريب أيضا استطاعت أن تحقق نوعا من الانزياح عن الصيغة البريختية؛ لأنها بدت أكثر ما تكون ارتباطا بتقاليد الفرجة الشعبية عندنا، تقاليد ” كان يا ما كان، ياسادة ياكرام” منها بالصيغ الغريبة الجاهزة، إن الرجوع إلى نصوص الكوميديا الصادمة انطلاقا من نص ” صهيل الذاكرة الجريحة”، وصولا إلى نص” ما كاين باس”، ليثبت بما لا يترك أي مجال للشك بأن هذا الإجراء. أي: كسر الإيهام عن طريق التوجه المباشر للجمهور قد كان حاضرا في أغلب هذه النصوص، فإذا استثنينا مسرحيات” دونكيشوط بن قحطان” و” الجار والمجرور”، و” الأخلاق ما بقيت”، والتي غربت أكوانها الحكائية بطرائق مغايرة، فإن باقي النصوص قد وظفت بشكل أو بآخر الإجراء المبطل للاندماج عن طريق مخاطبة الصالة، ولكن لابد من التأكيد مرة أخرى على أن الأمر قد تم بالطريقة التراثية أكثر منه على الطريقة الغربية…” 

ويرى لحسن قناني أن الكوميديا السوداء لا يمكن أن تكون ناجعة إلا”بقدر ما تكون فكاهاتها ونوادرها وملحها ودعاباتها وألوان تهكمها وسخريتها قائمة على ما يشكل جوهر الكوميديا من قبيل الآلية في السلوك، والتلاعب بالألفاظ ودلالات القول، وإبراز أشكال التضاد والتعارض والمفارقات في المواقف والأحداث، بحيث يكون القياس غير مألوف، ويكون التشبيه خارجا عن العادة، وتكون النتائج غير متوقعة، حينئذ تكون الكوميديا الصادمة بحق هي تلك المرآة المجلوة، التي يتماهى فيها الضحك بالبكاء.” 

وعليه، فالكوميديا الصادمة هي تعبير صادق وحقيقي عن كوميديا الإنسان المقهور، توظف الضحك والبكاء، وتتلذذ بالإخفاق والفشل لإدانة الواقع المحبط وجوديا، واجتماعيا، وأخلاقيا. كما تستعين هذه الكوميديا تناصيا بالموروث الشعبي تجريبا، وتأسيسا ، وتأصيلا. 

المبحث السادس: طبيعــــة الممثل في الكوميديا السوداء

أما عن طبيعة الممثل في هذه الكوميديا السوداء، فهو ممثل مقهور وجوديا وقيميا . وهو أيضا إنسان يائس ومتشائم ومنخور من الداخل، يعيش في عالم تراجيدي عبثي وعدمي ، لا يستطيع هذا الممثل المقهور أن يبرز فيه ذاته و يفرض كينونته بسبب انحطاط القيم، وتفسخ الأخلاق ، وطغيان المبادئ الكمية ذات الطابع المادي التبادلي. ويعني هذا أن الممثل المقهور يعيش في عالم القهر والتفسخ والامتساخ البشري، ويوجه رسالته إلى متفرج مقهور بذاته، ويستعمل في عرضه المسرحي مجموعة من الآليات الدرامية للمقاومة والتنديد بهذا العالم العبثي اللامتكافىء طبقيا واجتماعيا وإنسانيا، كتوظيفه للضحك، والسخرية، والفكاهة، والجنون، والهذيان، والمفارقة، والتناقض، والارتكان إلى الشذوذ، والمبالغة، والتهكم، والتذويت، واستعمال منولوجات عصبية هذيانية، وتكسير الجدار الرابع لمخاطبة المتفرجين المقهورين إبعادا وتغريبا، والتأرجح بين الجد والهزل، والخوف والضحك، والوعي واللاوعي…

ويستعمل أيضا لغة مفككة ومتنوعة قائمة على الباروديا والتهجين والتنضيد والتناص، ويستعين بالموروث الشعبي، باستلهام الفنون الشعبية، والاستعانة بتقنيات السرد التراثي، والانفتاح على جميع تقنيات المسرح العالمي. ويعني هذا أن الممثل في الكوميديا الصادمة يحيلنا على ثنائية قاهر ومقهور. وفي هذا، يقول الباحث:” وعندما يبلغ الوضع الإنساني هذه الدرجة من القهر، يصبح النموذج قاهر- مقهور نموذجا متفشيا في كافة العلاقات: علاقة الرئيس بالمرؤوس، والرجل بالمرأة، ورب العمل بالعامل، والصغير بالكبير، والغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والمعلم بالتلميذ، والموظف بالمواطن ، وهكذا دواليك…إلى المدى الذي يصبح فيه كل إنسان مقهورا ممن يعلوه، وقاهرا لمن يدنوه…يقول أوكستو بوال: ” على هذا النحو يمكن لعامل محدد كإنسان مقهور اجتماعيا، بحكم الظروف القاسية التي يمارس فيها عمله، أن يكون داخل أسرته قاهرا لزوجته وأطفاله، وتكون ظروف القهر الخاصة بهذا العامل هي التي تكشف عن طبعه كمقهور- قاهر”، وذلك على اعتبار أنه في مجتمع تسلطي تتظافر أشكال القهر، وتمارس عبر العلاقة مقهور- قاهر، وكأننا بالضبط أمام تسلسل إقطاعي للطاعة، من السيد إلى كبير الأقنان، ومن كبير الأقنان إلى القن الذي يليه، ومن القن الذي يليه، إلى القن الذي يلي الذي يليه، وهكذا، وهو تسلسل نجد له مثيلا في التراتبية العسكرية: لواء، عقيد…ضابط، ملازم أول، رقيب، عسكري، شعب، كل حلقة في السلسلة هي ممثلة من طرف مقهور، هو بدوره يمارس قهره، على الذي يليه، والذي من جهته ينقل القهر إلى شخص آخر وهكذا.” 

إن الممثل الذي تتكئ عليه الكوميديا السوداء هو الكوميدي المقهور الذي يتسلح بمجموعة من التقنيات الساخرة للدفاع عن ذاته المتفسخة، ومقاومة هذا العالم العبثي المشيإ الذي افتقد الإنسانية والكرامة والاحترام:” وعلى هذا النحو، تعمل السخرية في الكوميديا الصادمة كبلاغة للمقهورين، وذلك لأنها تؤدي دورا بلاغيا إلى جانب كبير من الأهمية.وإذا كانت مقصدية البلاغة – كما يرى الجرجاني- لا تتمثل في المعنى السطحي الظاهري ، وإنما في المعنى المجازي أو ما يسميه بمعنى المعنى، فإن الكوميديا الصادمة تحقق هذه الوظيفة البلاغية عن طريق السخرية والتفكه والتهكم والتندر…لأن هذه الميكانيزمات الإضحاكية كلها تقوم على مدى قدرة الكوميدي المقهور على التلاعب الذي ينتجه التعدد الدلالي لمستويات القول، معتمدا في ذلك على المراوغة التي تقوم على إظهار عكس ما نبطن، وهي في كل ذلك إنما تروم المواجهة والتصدي لما هو قائم ومفروض بالقوة، ومهاجمته، والتشكيك فيه، ومساءلته ، وخلخلته، الشيء الذي يجعل منها سليلة للوعي النقدي بامتياز، والشواهد على ذلك كثيرة في أعمالها المسرحية.” 

ولا يمكن الحديث عن ممثل مقهور إلا باستحضار المتفرج المقهور الذي يعاني من الاستلاب ، والتكليس الإيديولوجي، والتطهير الأرسطي الذي يوقعه في أوهام الاندماج من جهة، والانطواء النفسي السلبي من جهة أخرى. 

وإذا كان المسرح التجاري القهري، أو ما يسمى عند بيتر بروك بالمسرح المميت، يبقي على المتفرج في حالة مستدامة من الخصاء الذهني،” فكيف تعاملت الكوميديا الصادمة مع هذا المتفرج المقهور، أو بالأحرى الذي يعاني قهرا مزدوجا؛ جانب منه مسلط على وجوده وكينونته والجانب الآخر له ارتباط بمدى قدرته على الاستمتاع الفني الإيجابي؟

يرى الفيلسوف كانط أن التنوير يتمثل بالأساس في رفض ذلك النوع من الوصاية أو الحجر المضروب على العقل الإنساني، وفي ضرورة أخذ الإنسان بزمام المبادرة الفكرية، بعيدا عن كل العوائق التي من شأنها الحيلولة دون استخدامه لعقله بكل حرية واختيار…على هذا الأساس سيكون المتفرج المقهور في تصور الكوميديا الصادمة هو ذلك المتفرج المتنور، والذي يعبر عن ميله التنويري هذا في تنكره لكافة أشكال الوصاية فكرية كانت أم جمالية،إنه المتفرج الذي لا ينقاد دون إرادة منه لأي إيحاء مهما كان نوعه، ولا ينساق وراء أي انفعالات من جرائها أن تجعله  يندمج فيما يقدم له إلى درجة التماهي، مع ما يترتب عن ذلك من فقدانه للقدرة على أن يكون طرفا مشاركا في هذا الحوار الفني الذي يسمى العرض المسرحي.” 

وهكذا، توظف الكوميديا السوداء الممثل الكوميدي المقهور. كما تتحدث عن المتفرج المقهور داخل مجتمع القهر. وقد استفادت كثيرا من التراث الشعبي. كما استفادت من البريختية منهجا للإخراج والتأليف والتأثيث والتشخيص، واستفادت من مسرح المقهورين لأوكستو بوال فلسفة ورؤية وإبداعا. 

المبحث السابع: تجليات الكوميديا السوداء في بعض المسرحيات الرائدة

من الأكيد، أن الكوميديا السوداء تحضر في الكثير من المسرحيات العربية بصفة عامة، والمغربية بصفة خاصة، إما كمكون جزئي، وإما كمكون كلي. غير أن الكوميديا السوداء تحضر ، بشكل لافت وبارز، في المسرح المغربي منذ سنوات السبعين من القرن العشرين، وخاصة مع انطلاق مسرح الهواة،  باعتبارها ممارسة ركحية لها أسس تنظيرية وجمالية خاصة بها، سواء أكانت ظاهرة أم مضمرة، ولها أيضا  مقاييس واعية وغير واعية، مكتوبة أو غير مكتوبة.

المطلب الأول: الكوميديا السوداء عند لحسن قناني

 تقترن الكوميديا السوداء إبداعيا بمجموعة من المبدعين المسرحيين المغاربة ، ولاسيما المبدع المسرحي المتميز لحسن قناني في مجموعة من أعماله المسرحية، مثل(عيشة قنديشة في ميزان الريشة)، ومسرحية( وقتاش تصحا يا جحا)، ومسرحية( رغيف سيزيف)، ومسرحية( صهيل الذاكرة الجريحة)، ومسرحية(الجار والمجرور)، ومسرحية( يا مد البحر متى تأتي؟)، ومسرحية(الحلم)، ومسرحية( سيكبر حنظلة)، ومسرحية( ميكرو كراسي)، ومسرحية( عروة يحضر زمانه ويأتي)، ومسرحية(الدنيا سوق)…

ومن المعروف أن حسن لقناني كان من أهم المسرحيين المغاربة الهواة الذين فكروا في عملية التأصيل والتأسيس لمسرح عربي جديد قائم على التحديث والتجريب، منذ سنوات السبعين من القرن الماضي. 

وإذا كان محمد مسكين وعبد الكريم برشيد وجميل حمداوي قد مالوا إلى التنظير المسرحي بكتابة مجموعة من البيانات والأوراق ، فإن لحسن قناني قد أصدر بدوره كتابا تنظيريا بعنوان( الكوميديا الصادمة  ) . وقد جاء هذا الكتاب التنظيري بعد أن أصدر مجموعة  من الكتابات الدرامية ، وأنجز العديد من العروض المسرحية التي تحمل، في طياتها، فلسفته النظرية التي كان يدافع عنها وهي : نظرية الكوميديا الصادمة، أو سخرية الإنسان المقهور. وربما كان لحسن قناني – قبل أن يصدر كتابه الجديد-  يتحاشى التنظير التجريدي مخافة من الدخول في صراعات ومناظرات ومهاترات، قد تجر صاحبها إلى ما لا يحمد عقباه، كما رأينا ذلك بوضوح مع عبد الكريم برشيد الذي واجه انتقادات كثيرة من داخل المغرب وخارجه.

وعلى الرغم من ذلك ، يعد لحسن قناني  من مؤسسي الكوميديا السوداء بالمغرب ممارسة وتطبيقا. وهذا” ما يجعلنا نقر بكل اطمئنان نجاح لحسن قناني- يقول مصطفى رمضاني- في تأسيس العرض المسرحي.كما نقر بدوره الريادي في التبشير بما نسميه بالكوميديا السوداء أو الكوميك الصادم. وهي تجربة تجمع بين جدية الطرح، وعقلانيته، ومتعة الأداء، وحسن توظيف وسائل التبليغ، بما في ذلك اللغة المنطوقة والمرئية من ديكور وأزياء وأكسسورات وتمويج وإضاءة وتشخيص، وغيره بما يساهم في المستوى السينوغرافي، أو ما يطلق عليه اسم الكتابة الركحية.” .

ويعني هذا أن لحسن قناني يختار المنظور الرؤيوي اختيارا موفقا الذي من خلاله يعبر عن قضايا المجتمع والوجود والقيم. كما يختار الكتابة الشعرية المعبرة، مع التمسك بالطرح الواقعي الانتقادي، مستعملا في ذلك الملحمية البريختية في تقديم الفرجة الركحية، ومزجها بالفرجة الشعبية الاحتفالية في كثير من الأحيان.وفي هذا السياق، يقول مصطفى رمضاني عن المبدع حسن لقناني، وهو قريب من هذا المبدع بشكل حميم:” ولكن إلى جانب هذه المحاولات التنظيرية، كان بعض المبدعين يدعون عمليا إلى هذا المسرح المغاير من خلال أعمالهم. وقد انهمكوا على جعل العرض المسرحي هو المحك الأساسي للتجريب أولا، وللتأصيل والتحديث بعد ذلك.

ويعد المبدع لحسن قناني من أهم المسرحيين المغاربة المولعين بالتجريب. فهو أيضا، كمحمد مسكين، خريج شعبة الفلسفة من كلية الآداب بفاس، ومدمن على القراءة بشكل كبير. كتب الشعر أول الأمر، ثم ما لبث أن تعلق بالمسرح، وإن ظل الشعر حاضرا في أغلب مسرحياته. وقد اختار لحسن قناني لنفسه أسلوبا يكاد يميزه عن باقي المسرحيين المغاربة. ويتمثل هذا الأسلوب في منهج العرض المسرحي الذي يركز على بنية الفرجة. وهذا طبيعي مادام قناني يكتب نصوصه المسرحية بعين المتفرج؛ لأنه أصلا مخرج أغلب مسرحياته، إن لم نقل كلها، باستثناء المسرحيات التي لم تعرض بعد.

كما أنه قد ساهم في أداء الأدوار الصعبة في مسرحياته، ومن ثم يسهل عليه تقمص تلك الأدوار، ويساعد الممثلين الآخرين على توفير نجاح الفرجة”. 

وإذا تأملنا مسرحيات لحسن قناني، فقد وظف الحكاية الشعبية في مسرحية( عيشة قنديشة في ميزان الريشة) ؛ حيث عالج فيها قضية المرأة في شتى مواقفها المتناقضة، فقد تناولها باعتبارها رمزا وقضية، ومؤشرا سيميائيا يحيل على البطولة، والتضحية ، والتحدي، والحب، والخديعة، والاستشهاد:

 ” تقول عيشة للحفيد: نعم، ولكنني أرفض لأنني عيشة قنديشة، الكرامة رأسمالي وللمدى ابتهالي، والحلم سبيلي إلى درب الشمس… ولك أن تتجاهلني ماشئت، ولكن تذكر دوما أنني لغم يرابض تحت عمامتك العتيقة، ينتظر اشتعال الفتيل” .

وقد تناول لحسن قناني قضية المثقف العربي في مسرحيته( الجار والمجرور) بطريقة واقعية انتقادية، مستخدما في ذلك الذاكرة النحوية في قالب كوميكي صادم، جامعا بين الجد والهزل.

 أما مسرحية( الحلم)، فقد تناول فيها الخطاب الديني تناصا ومناصا كما في قصة يوسف عليه السلام التي أخضعها للإسقاط المعاصر ، بالتركيز على الحلم الطوباوي، وذكر أزمات الواقع العربي المأساوية على جميع المستويات والأصعدة.

في حين، تناولت مسرحية( سيكبر حنظلة ) مأساة فلسطين السليبة ، وانحطاط الواقع العربي حالا ومآلا ، باستعراض رسومات ناجي العلي. ومن ثم، فقد تعامل الكاتب مع الذاكرة التراثية السياسية المعاصرة إيحاء وتلميحا وترميزا، بالتركيز على قضية فلسطين على سبيل الخصوص.

أما مسرحيته( الالتفات إلى الأمام)، فتحمل منظورا عقلانيا إلى قضايا الأمة العربية في تموقعها الحالي، واستشرافها للوعي المستقبلي الممكن.

وتعتبر مسرحية( رغيف سيزيف) نموذجا ناجحا للكوميديا السوداء، أو الكوميك الصادم ؛ حيث تصور المسرحية معاناة الإنسان المهمش والمقهور والمنخور في صراعه مع الواقع الزاخر بالتناقضات الجدلية. ويحضر رمز سيزيف للتعبير عن العبثية، واللاجدوى، والعدمية، والعذاب البشري، والظلم الإنساني. وهنا ، يرد التراث اليوناني بدواله الأسطورية والرمزية والإيحائية للتعبير عن ضآلة الإنسان، وضياعه في هذا الوجود المغترب. ويرى لحسن قناني أن مسرحية( رغيف سيزيف)” مسرحية من نوع الملهاة الجادة أو الكوميديا الصادمة، وهو نوع من المسرحية الساخرة التي تتحدد فيها غاية الضحك خارج ذاته، أي في مدى تعالقه مع الوضع البشري في مختلف تجلياته وشتى أشكاله ومظاهره.

تتمحور أحداث المسرحية بكاملها حول شخصية ” عش واها” ، وهي شخصية عادية جدا، بسيطة جدا، مقهورة جدا، ولكن ما يميز ” عش واها” عن النماذج البشرية التي يحيل عليها خارج المسرحية هو كونه إنسانا بسيطا ، ولكنه متأمل، وعيه قابل للتنامي…يحمل الكثير من التساؤلات ، ولا نجد حرجا في الإعلان عن هواجسه، ولكنه في بحثه عن ذاته لايقع في الدوامة الهاملتية أو الفاوستية، بل يتوسل لذلك بأسهل وأبلغ الطرائق لقول الحقيقة، وهي السخرية والنقد اللاذع، معتمدا في ذلك على ما يميز شخصيته من طابع كاريكاتوري، ومن ميل إلى البسط والتفكه حتى في أحرج اللحظات.

” عش واها” لا يصعد الخشبة ليمثل، بل ليعيش، يصعد الخشبة لاهثا، وقد خرج لتوه من زحام الواقع، فهو لايمثل الحياة، بل يحيا التمثيل، يقتحم الركح، ومرارة المعيش لازالت تسري في عروقه…، لا يتقمص الشخصيات والنماذج البشرية التي يمثلها، بل إن هذه هي التي تتقمصه (فالزوج المقهور، والمياوم، والبائع المتجول…إلخ)، وغيرها من النماذج البشرية هي التي تدخل في جلد يصنعه لها “عش واها” من جلده…فتصبح الأحداث التي يعيشها “عش واها” على الركح معادلة للحياة في مرارتها وقسوتها… وتتكئ المسرحية على أسلوب الكوميديا الصادمة، متوسلة السخرية كأبلغ السبل لبسط الحقيقة.

فالمسرحية لاشك تثير الضحك، لكنه ضحك لايخلو من مرارة وقسوة، لأنه وليد نقد ساخر ، وتعرية لاذعة لمظاهر الحياة اليومية، وأسلبة …على طراز الكاريكاتير ، تنطلق من منظور يعتبر الكاريكاتير يمتلك وبامتياز كل الإمكانيات التعبيرية لنشر الحياة على الحبال وفي الهواء الطلق .كما أنه أبلغ الطرائق للتعبير عن الرقص والتمرد بالنسبة إلى إنسان مثل “عش واها”، يحتضنه اليأس من كل جانب، لأن السخرية هي التي توصل التعبير عن اليأس إلى مداه.” 

وتندرج مسرحية( وقتاش تصحا يا جحا) ضمن الكوميديا السوداء ، وقد استلهم الكاتب شخصية جحا باعتباره رمزا إنسانيا شعبيا ، وتمثله مستنسخا تناصيا للتعبير عن الإنسان الكوميدي المقهور. ويقول لحسن قناني في مقدمة هذه المسرحية:” لماذا التعامل مسرحيا، وبالأخص ضمن توجه الكوميديا الصادمة مع شخصية حجا المرحة؟ لأن جحا يعتبر من أبرز الشخصيات في عالم الفكاهة والضحك في تراثنا العربي…فهو نموذج بشري سارت بذكره الركبان في كل المنطقة الواسعة الممتدة من المغرب حتى حدود الصين، ولكن على الرغم من تعدد الأسماء والمواصفات التي اتخذتها هذه الشخصية، إلا أنها ظلت تعكس من ملامحها العامة ذلك القاسم المشترك بين الكثير من الشعوب والشرائح الاجتماعية  التي قد تختلف قليلا أو كثيرا من حيث بنياتها الذهنية ورؤاها للعالم والإنسان.

فالشهرة التي نالتها هذه الشخصية جعلتها ترتقي في الوجدان الشعبي من مستوى الحقيقة التاريخية إلى مستوى الرمز، فأصبح جحا هو الواحد المتعدد بتعدد الأزمنة والأمكنة والمجتمعات.

إن هذا التعدد في شخصية جحا مع ما ترتب عنه من تنويع لنشاطاته وممارساته وعلاقاته بالآخرين، هو الذي جعل نوادره لا تعبر عن فلسفة جحا الخاصة ونظرته الذاتية للعالم، بل تعبر عن تصورات الحس المشترك ومخزونات الذاكرة الجمعية. وبالتالي، فهي ليست مجرد نظرة فردية خالصة، بل هي ترجمة لتجربة اجتماعية عامة.أي: إنها محاولة من طرف الوجدان الشعبي لتكشف تجربته الاجتماعية، والتعبير عنها بأبلغ الطرائق لتقول الحقيقة، ألا وهي السخرية والفكاهة والضحك.

ولكن الضحك في نوادر جحا ليس ضحكا من أجل الضحك، بل لقد كان جحا بحق الكلمة الحزينة التي تؤرخ للزمن الرديء، وعلى النحو نفسه سنجده في مسرحيته:” وقتاش تصحا يا جحا” . فالمسرحية نجدها تارة تستحضر جحا من أزمنته الغابرة لتزج به في عصرنا، وتارة ترحل معه إلى أجواء الزمن العتيق، كل ذلك بغية إضحاكنا من أنفسنا ومن أوضاعنا عبر تماهينا بهذه الشخصية الهازلة الجذابة، وسواء ضحكنا من جحا أو معه أوبه أو عليه، فإن ضحكنا في كل الحالات هو ضحك يشبه البكاء” 

وتطفح مسرحية( دونكيشوط بن قحطان) بالكوميديا السوداء والرؤية الكرنفالية التي عبر عنها ميخائيل باختين كثيرا في كتبه التنظيرية. ومن ثم، فالمسرحية عبارة عن رحلة سيزيفية زاخرة بالمعاناة المأساوية، والاحتجاج الانتقادي، والثورة على الواقع المتردي والمنحط.” فإن دونكيشوط مسرحية:” دونكيشوط بن قحطان” هو دونكيشوط الزمن العربي المريض…رجل قضى نصف العمر غارقا بين دفات الكتب الصفراء…انتفخت رأسه حتى صارت مثل البالون الطائر…ساعتها قرر أن يرحل…أن يأخذ حق المظلوم من الظالم…أن يمحو حلكة ليل طال…ويعيد الشمس إلى مشرقها…حتى تدفئ أكواخ البسطاء…استحضر في رأسه كل بطولات الدنيا…أشرقت في عينيه الأحلام الوردية…رأى نفسه بطلا ينضم إلى قائمة الأبطال…حمل الرمح…رمحا أصبح من فرط تصدئه أعجز عن أن يثقب بطيخة…ركب حصانا أعرج…حصانا أصبح من فرط هزاله أعجز من أن يحمل سرجه…ومضى” 

وقد تسلح الكاتب، في هذه المسرحية التراجيدية التي تنتقد عالم القهر والانبطاح والسقوط، بالسخرية، والضحك، والكرنفالية، والمفارقة، والتهريج، والهزل، والنكتة، والإنشاد اللاذع… 

وتتجسد الكوميديا الصادمة أيضا ، بأناتها الحزينة، ومفارقاتها المضحكة، في مسرحية( ميكروكراسي)؛ ” حيث تتم أنسنة الميكرو ليصبح شخصية أساسية بجانب شخصية المختار، تساهم في مجرى الأحداث، تتحدث وتحاور وتناور، وتضحك وتغضب وتحزن، ولا يكتفي المختار بإضفاء النزعة الأنيمية على الميكرو ، بل نجده يخاطبه بصيغة الاحترام:” السي الميكرو” .

وترصد مسرحية( تقاسيم باسمة على وتر حزين) معاناة الإنسان البسيط في ظل مجتمع السلطة والقهر والقمع، مع نقد الكثير من الظواهر المتفشية في المجتمع، كالمحسوبية، والرشوة، والبطالة، والبيروقراطية. وتنتهي المسرحية بقرار الهجرة إلى الضفة الأخرى. وبهذا، تكون المسرحية واقعية انتقادية تستعمل الكوميديا السوداء لتبليغ رسالتها التوعوية، والتعليمية، والسيميائية .

و بموازاة مع الطابع الواقعي الانتقادي الحاضر في المسرحية،”يضاف أسلوب السخرية ذي التوجه الملحمي ، نظرا إلى توسل المبدع قناني بتقنية التغريب الساعية إلى إبراز مختلف المفارقات الكاريكاتورية. وهي طريقة مقصودة لذاتها بقدر ما هي وسيلة لتحقيق فعل التعرية: تعرية مواطن الخلل وانتقادها، وإثارة فضول المتلقي، وحثه على وضع كل شيء موضع التساؤل والشك والمراجعة. فبعد السخرية، تأتي مرحلة المراجعة والتفكير في التصحيح والتغيير. وهذا هدف من أهداف المسرح الملحمي كما نعلم، وإن كان لحسن قناني يسعى جاهدا لتحقيق توازن بين ماهو فكري وجمالي، كي لا يغيب طابع الفرجة والمرح عن عروضه المسرحية”. 

وتندرج مسرحية( تقاسيم باسمة على وتر حزين) – يقول لحسن قناني- ” ضمن التوجه الفني الذي ارتضينا أن نصف به تجربتنا المسرحية منذ انطلاقتها في أواخر السبعينيات إلى الآن، ألا وهو التوجه الذي أطلقنا عليه” الكوميديا الصادمة”، ونظرنا له في كتابنا النقدي:” الكوميديا الصادمة: سخرية الإنسان المقهور”.

وما نقصده بالكوميديا الصادمة في مسرحية ” التقاسيم” هذه، هو ذلك النوع من المسرح الذي يجعل من الضحك والتفكه قناته النموذجية لمد جسور التواصل الفني مع المتلقي، وينظر إلى السخرية باعتبارها أبلغ الطرائق لقول الحقيقة. وتداول الخطاب المسرحي بين الخشبة والقاعة تداولا يتحدد بمقتضاه كبناء فكري يحمل وجهة نظر معينة مصاغة على شكل جمالي، يختلط فيه الجد بالهزل والمتعة بالفائدة، ومعنى هذا أن الضحك في هذا النوع من الكوميديا ليس مجانيا، لأن غاية الضحك فيها تتحدد خارج ذاته. أي: في مدى تعالقه مع الوضع البشري في مختلف أشكاله ومظاهره وتجلياته، فالكوميديا الصادمة بهذا المعنى هي كوميديا تضحكنا، ولكن ما أن يخبو رجع ضحكنا، ويتباعد صداه، حتى نشعر بنوع من المرارة في الحلق، الشيء الذي يجعلنا نتساءل إن كان الموقف الذي ضحكنا منه هو موقف يستدعي فعلا أن تضحك منه، إذ ما أن تنطفئ الضحكة حتى يصدمنا هذا الموقف بما يحمله من جدية، بل بما يحمله من أسى وقسوة ومرارة قد تبلغ حد المأساة، إننا إذا أمام مأساة جاوزت حدها، فانقلبت إلى ضدها. أي: إلى ملهاة.

والكوميديا الصادمة بكل هذه المعاني هي كوميديا للإنسان المقهور. ولهذا، فإن الضحكة فيها لا يمكن أن تكون إلا صدى لشهقة مكتومة، ووسيلة يعلو بها هذا الإنسان على حدة الأوجاع.” 

ويعرض لحسن قناني في مسرحيته الفردية( ميكرو كراسي) موضوع البيروقراطية في ضوء رؤية كوميدية صادمة ، مع استعمال العلامات السيميائية الوظيفية. 

كما يحضر التراث الأدبي والحكائي الشعبي في مسرحيته المدرسية( عروة يحضر زمانه ويأتي)؛ إذ شغل حكايات ونوادر جحا. كما خلق فرجة احتفالية ممتعة ومفيدة.

 أما مسرحيته الأخيرة( الدنيا سوق)، فتحمل الدلالات المتضمنة نفسها في مسرحياته السابقة كمسرحية( رغيف سيزيف)، ومسرحية( تقاسيم باسمة على وتر حزين).

أما مسرحيته ( يامد البحر متى تأتي) ، فتتناول وضعية المثقف العربي المتأرجحة بين القول والفعل، وبين مأساته التراجيدية وأحلامه الممكنة. ومن هنا، يعد المؤلف لحسن قناني من خلال هذه المسرحيات من ” المولعين بالمسرح الملحمي الذي يتأسس على الواقعية. لهذا، نلاحظ أن المسرحية تحفل بألوان النقد الاجتماعي والسياسي والفكري، وما يرافقها من مرح وسخرية وتغريب، حتى إن رؤية الكاتب تسمح بالحديث عن الرؤية الكرنفالية في ظل الكوميديا السوداء. ويبدو أن المؤلف استفاد بعض هذه السخرية من رواية سيريفانتيس، ولكنه أضاف إليها ملامح واقعية تستمد مشروعيتها من المعيش واليومي. وهذا ما يجعلها أبلغ تأثيرا على المتلقي، وأكثر فائدة عليه.” 

وعلى العموم، تعتبر مسرحيات لحسن قناني – كما يقول الناقد المغربي مصطفى رمضاني-:” من أرقى المسرحيات تمثيلا لتجربة الكوميديا السوداء في الوطن العربي. وقد كانت مسرحيته:” يامد البحر متى تأتي” من أهم الأعمال التجريبية في هذا الاتجاه. بل نعتبرها مسرحية تأسيسية في بعدها الفكري والفني معا، بفضل غناها وجرأتها في طرح قضايا حيوية، بمنهج يؤهلها لتكون من أهم الأعمال الحداثية في المسرح العربي”. 

ويعني هذا أن مسرحيات لحسن قناني تحمل، في طياتها، تصورات نظرية جديدة مضمرة داخل النصوص المكتوبة والمعروضة التي تبشر بمولود مسرحي جديد هو مسرح الكوميديا السوداء. ويعد هذا المسرح أيضا بمثابة تأسيس لممارسة مسرحية جديدة قائمة على التأسيس والحداثة والتجريب.وعلاوة على ذلك، تتميز أعمال لحسن قناني بشاعرية التعبير ، وهيمنة الطرح الفكري الفلسفي العقلاني، واستخدام الواقعية النقدية، والتأرجح بين المأساة والكوميك، والمزاوجة بين الجد والهزل.

المطلب الثاني: الكوميديا السوداء عند محمد الكغاط

نجد الكوميديا السوداء  أيضا عند محمد الكغاط ، وخاصة في مسرحيته( المرتجلة الجديدة ومرتجلة فاس) التي خصصها لمناقشة مشاكل التأليف المسرحي، ورصد معاناة الممثلين والمخرجين. وفي هذا الصدد، يقول محمد الكغاط:” ولجأت في ” المرتجلة الجديدة” إلى السخرية والضحك وتضخيم المواقف سعيا مني لخلق ما يعرف بالكوميديا السوداء، وقد بالغت في سوداوية هذه الكوميديا؛ لأصل لا إلى أن من الهم ما يضحك، ولكن إلى أن الهم إذا زاد عن حده صار مضحكا، وأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، وأن البياض إذا اشتد صار برصا” .

وهكذا، فقد تمثل محمد الكغاط خصائص الكوميديا السوداء في بناء مرتجلاته المسرحية القائمة على المفارقة الصارخة، والسخرية الانتقادية، والتناقض الجدلي.

المطلب الثالث: الكوميديا السوداء عند مصطفى رمضاني

وترد الكوميديا السوداء كذلك عند المبدع مصطفى رمضاني في مسرحيته الامتساخية المتميزة( بني قردون)  التي تنبني على الكوميديا السوداء، أو الكوميك الصادم؛ لأنها تطرح قضايا جدية وجادة، في قالب مأساوي حزين، مغلف بالآلام والمعاناة الإنسانية. وفي الوقت نفسه، يستعين بالكوميديا الهزلية الضاحكة، والتهجين الكاريكاتوري الماسخ، والگروتيسك القائم على الفانطاستيك ،  بالمزج بين التعجيب والتغريب ، فيتحول البشر إلى حيوانات وقرود وسوبرمانات واهمة. ولقد تأثر الكاتب، في هذا المنحى التراجيدي المطعم بالضحك والكوميك، بتجربة لحسن قناني رائد الكوميديا السوداء في المنطقة الشرقية.

ومن ثم، فمسرحية ( بني قردون ) لمصطفى رمضاني مسرحية انتقادية واقعية، يتقاطع فيها ما هو اجتماعي وما هو سياسي، ويتداخل فيها ماهو اقتصادي مع ماهو تاريخي، ويتجادل فيها ماهو تراثي مع ماهو ثقافي ذهني. أي: إن المسرحية دسمة بالقضايا الجدية والجادة، مادامت تتعلق بالقضايا العربية المصيرية  المرتبطة بتاريخ العرب وهويتهم وحاضرهم. 

كما ينتقد الكاتب مجموعة من الآفات والظواهر السلبية التي تفشت في المجتمع العربي، كالتقاعس، والكسل، والخمول، والعبث، والتسيب، والبطالة، والبيروقراطية، والفساد بكل أنواعه، وانتقاد سلطة الحكم الفردي المطلق، والثورة على تردي الإعلام العربي ، والاحتجاج على انقسام العرب شذر مذر، وإدانة جبنهم وتفرقهم ، والتشديد على خوفهم من بطش الأعداء الذين يتكالبون على بلدانهم، فيستبيحون أعراضهم ، ثم يهتكون شرفهم. 

ويشير الكاتب أيضا في مسرحيته إلى انعدام حقوق الإنسان ، وانتشار الفقر والبؤس ، و بروز تفاوت الطبقات الاجتماعية التي تعكس لنا مقولة هيجل المعروفة بجدلية السيد والعبد. 

وعليه، فالمسرحية تجسيد صارخ لتناقضات المجتمع العربي بصفة عامة،والمجتمع المغربي بصفة خاصة. و من ثم، فالمسرحية شهادة حية على انحطاط الواقع العربي، وناطقة بكل ما يحيل على تردي الإنسان العربي المتآكل في ذاته وهويته وكينونته، والممسوخ في آدميته وبشريته.

ونخلص مما سبق إلى أن مسرحية ( بني قردون) لمصطفى رمضاني مسرحية ساخرة ، تندرج ضمن الكوميديا السوداء، أو الكوميك الصادم، وتعالج قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وتاريخية ، في قالب تجريبي جديد، يعتمد على مسرح النقد والشهادة، والمسرح البريختي، والاستفادة من ميتامسرح، والفانتازيا، والكروتيسك ،والارتجال، والانفتاح على الحلقة، وتوظيف الكوريغرافيا الميمية،  مع تشغيل السينوغرافيا الوظيفية والموسيقا الشعبية المتناغمة .

المبحث الثامن: تعامل الكوميديا السوداء مع التراث والفنون الشعبية

تعاملت الكوميديا السوداء في المسرح المغربي مع التراث تعاملا إيجابيا، فقد وظفته تارة بطريقة جزئية، وتارة أخرى بطريقة كلية ، عبر صيغ جمالية وفنية متنوعة، كالترميز، والتلميح، والتعريض، والسخرية، والإيحاء، والمفارقة، والكروتيسك ، كما في مسرحية (بني قردون) لمصطفى رمضاني، أو باستعمال المستنسخات الخرافية كما في مسرحية ( عيشة قنديشة في ميزان الريشة) لحسن قناني،  وتشغيل المستنسخات الفانطاستيكية في مسرحية (بني قردون ) لمصطفى رمضاني، والمستنسخات الأسطورية في مسرحية( رغيف سيزيف )لحسن قناني، وتشغيل المستنسخ الفني والدرامي في مسرحية( مرتجلات فاس) و( المرتجلات الجديدة) لمحمد الكغاط، والمستنسخ الأدبي في مسرحية( عروة يحضر زمانه ويأتي ) للحسن قناني… 

أما مسرحية( يامد البحر متى تأتي؟) للحسن قناني ، فتتكئ على متناص إنساني يتمثل في رواية(دون كيشوت) للكاتب الإسباني سيرفانتيس.

ويعني هذا أن مسرح الكوميديا السوداء قد تعامل مع التراث المحلي والشعبي والعربي واليوناني والإنساني، كما تعاملت معه الاحتفالية بشكل كبير، في ضوء رؤية موسعة تجمع بين الطرح الواقعي والطرح العقلاني ، وإن كان هذا التعامل مرتبطا بالطرح الفلسفي ، واللجوء إلى شاعرية التعبير، والاعتماد على الفرجة الشعبية الشاملة الممتعة والمفيدة.

الخاتمة

وهكذا، فالكوميديا السوداء تنظير مسرحي مغربي بامتياز، تبلور فنيا وجماليا ودراميا بالمنطقة الشرقية من المغرب منذ سنوات السبعين من القرن الماضي. وقد تجسد هذا الفن الجديد عبر ممارسة التأليف والتمثيل والإخراج على حد سواء. 

وقد تعاملت هذه الكوميديا الصادمة – من جهة- مع التراث المغربي والعربي واليوناني والإنساني بطرائق متنوعة ومتعددة. ومن جهة أخرى، فقد عمدت إلى تشغيل المستنسخات التناصية والمناصية بغية تجريب شكل مسرحي جديد. وكان الهدف من ذلك هو خلق مسرح عربي أصيل، لا يبتعد إطلاقا عن واقعه المعيش، أوذاكرته التراثية المعلنة والمضمرة.ومن ثم، فقد ارتبطت الكوميديا السوداء بالإنسان المقهور ضمن ثنائية قاهر ومقهور. كما وظفت ممثلا كوميديا مقهورا من جهة، ومتفرجا منخورا لا ينفصل البتة عن واقع المقهورين من جهة أخرى.

ومن جهة أخرى، فقد عايشت الكوميديا السوداء أزمات المجتمع المغربي الخانقة على جميع الأصعدة والمستويات، إبان سنوات السبعين من القرن الماضي، و امتداد  العقود المتوالية إلى سنوات الألفية الثالثة، برصد مشاكل المجتمع المغربي بصفة خاصة، ومشاكل الأمة العربية بصفة عامة. 

وقد انطلق مسرحيو هذه الكوميديا السوداء من رؤية واقعية جدلية، وأيضا من رؤية فنية تشكيلية وحشية، وكذلك من فن كروتيسكي بشع يقوم على القبح، والسخرية، والمفارقة، والضحك، والتعرية، والنقد الصارخ.

ثبت المصادر والمراجع

المصادر الإبداعية:

1-لحسن قناني: رغيف سيزيف وقتاش تصحا ياجحا، مؤسسة جليلي للطباعة والنشر، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1998م.

2- لحسن قناني: تقاسيم باسمة على وتر حزين، شركة مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2012م.

3- محمد الكغاط: المرتجلة الجديدة ومرتجلة فاس،مطبعة سبو، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1991م.

4- مصطفى رمضاني: بني قردون، منطبعة تريفة ، بركان، المغرب، الطبعة الأولى، 2007م.

المراجع باللغة العربية:

5- أحمد بلخيري: معجم المصطلحات المسرحية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية سنة 2006م.

6- جمال الدين الخضيري وآخرون: تجربة مسرح الكوميديا السوداء عند لحسن قناني، مطابع رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

7- لحسن قناني: الكوميديا الصادمة، سلسلة الكوميديا الصادمة، شركة مطابع الأنوار المغاربية ، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.

8- مصطفى رمضاني: الحركة المسرحية بوجدة من التأسيس إلى الحداثة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بوجدة، الطبعة الأولى سنة 1996م.

9- نهاد صليحة: التيارات المسرحية المعاصرة، هلا للنشر والتوزيع، الجيزة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1999م.

المقالات:

10- أحمد الكبداني:  (آليات الكوميديا الصادمة  في مسرحية (رغيف سيزيف) للحسن قناني)، تجربة مسرح الكوميديا السوداء عند لحسن قناني، مطابع رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

11- جمال الدين الخضيري: ( تجليات الكويميا السوداء  في مسرحية (تقاسيم باسمة  على وتر حزين)، تجربة مسرح الكوميديا السوداء عند لحسن قناني، مطابع رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

12- جميل حمداوي: (الكوميديا السوداء في مسرحية” بني قردون” لمصطفى رمضاني)، جريدة يومية الناس، المغرب، العدد5 ، السبت- الأحد 9-10 يونيو 2007م.

13- جميل حمداوي: (الكوميديا السوداء في مسرحية” بني قردون” لمصطفى رمضاني)، جريدة يومية الناس، المغرب، العدد5 ، السبت- الأحد 9-10 يونيو 2007م.

14- جميل حمداوي: (نظرية الكوميديا السوداء في المسرح المغربي)، تجربة مسرح الكوميديا السوداء عند لحسن قناني، مطابع رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

15- عبد الواحد عرجوني: (مظاهر الكوميديا الصادمة  في مسرحية وقتاش تصحا  يا جحا للحسن القناني)، تجربة مسرح الكوميديا السوداء عند لحسن قناني، مطابع رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

16- فريد أمعضشو: (الضحك، المسرح،  الواقع: أي علاقة؟ (قراءة في كتاب “الكوميديا الصادمة” : سخرية الإنسان المقهور للحسن قناني)، تجربة مسرح الكوميديا السوداء عند لحسن قناني، مطابع رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

الروابط الرقمية:

17- جميل حمداوي: (نظريــــة الكوميــديا الســوداء في المسرح المغربي)، موقع دروب، موقع رقمي، نشر المقال بتاريخ:03مايو 2010م، 

الرابط: http://www.doroob.com/archives/?p=43628.

المخطوطات:

18- لحسن قناني: صهيل الذاكرة الجريحة، مسرحية مخطوطة.

 كلمة الغلاف الخارجي:

يعرف الكتاب القارىء بالكوميديا السوداء، ويتتبع تاريخها الطويل في الغرب والوطن العربي على حد سواء، بالتوقف عند انتشار هذا الفن بالمغرب، وبالضبط في الجهة الشرقية كما عند لحسن قناني، ومصطفى رمضاني، ومحمد مسكين، وغيرهم، إلى أن أصبحت الكوميديا السوداء موضة أو ظاهرة أو تقليعة فنية وجمالية حاضرة في عروض المسرح المغربي إن جزئيا، وإن كليا. 

 ——————————————————
المصدر : مجلة الفنون المسرحية

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.