قواعد المسرح الرقمي – د. محمد حسين حبيب #العراق

 

 

قواعد المسرح الرقمي

د. محمد حسين حبيب

لا قاعدة هناك في الفن .. ولا قواعد ثابتة هناك في الابداع الفني وفي مختلف التخصصات الفنية ،ذلك لان الفن والابداع الفني يبحثان في مناطق مجهولة من الابتكار والتجديد ، يهيمان في القبض على المطلق واللامتوقع ، كسرا لكل القواعد التي من شانها التضييق على فعل التجريب الحركي ومساحة الابداع الفني الخلاقة والمنفتحة نحو مساحات لا حدود لها البتة .

لكن الحاجة تدفع البعض احيانا الى تقعيد المصطلح الجديد لاسيما وهو يحبو في انطلاقته الاولى بحثا عن التعريف المتفق عليه معجميا واصطلاحيا ، او في محاولة السعي نحو تجذير المفهوم البكر لظاهرة جديدة ما وحصرها اصطلاحيا ومفاهيميا بهدف الوصول الى مفهوم علمي واضح ورصين ، وهذا فعلا مانعتقده هنا وما يحتاجه مصطلح مثل ( المسرح الرقمي ) الذي وضعناه عربيا لاول مرة ومنذ عام 2005 واقترحنا له تعريفات اولية وهي الى الان غير ثابتة بحكم حداثة المصطلح واكتشافاتنا المستمرة عنه وحوله عالميا وعربيا ، لاننا بين فترة واخرى نكتشف ان هذا المصطلح ( المسرح الرقمي ) قد تم تداوله عالميا منذ تسعينات القرن الماضي سواء بالتسمية نفسها او بمسميات مجاورة لاتخرج عنه مفاهيميا او تطبيقيا مثل ( المسرح التكنولوجي ) او ( المسرح الالكتروني ) او ( المسرح الافتراضي ) أو ( المسرح عبر الانترنت ) أو ( المسرح الوسائطي ) واخرى غيرها من مسميات التجأت الى ذات المعنى والمفهوم تنظيرا وتطبيقا .

  وهي مجلة فرنسية متخصصة في النقد المسرحي بمعنى لعب . jouer

كانت قد خصصت في واحد من اعدادها عام 2012 ملفا عن المسرح الرقمي وتحت نفس عنوان المصطلح  ، كذلك ماقدمه لنا قبل سنوات قصار المخرج الايطالي انطونيو بيتزو في كتابه ( المسرح والعالم الرقمي ) من مفاهيم ومصطلحات اخرى قاربت واتصلت كثيرا بالمسرح الرقمي ، وغيرها من المراجع الجديدة التي اسهمت في  توسعة دائرة الاهتمام العلمية والاكادديمية عربيا ومحليا .

   اما اليوم فنوجه انظار المهتمين والمختصين نحو كتاب ( الشاشات على خشبة المسرح ) ج2 منه الذي جاء تحت اشراف ( بياتريس بيكون قالين ) ترجمة ( نادية كامل ) من اصدارات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الواحد والعشرين ، وهو يضم مجموعة من الموضوعات ذات العلاقة بعدد كبير من البرامجيات الحاسوبية الرقمية وكيف احتلت الصدارة في الشاشات على خشبات مسارح العالم المختلفة مستثمرة هذه التقنيات الرقمية في تأسيس دراماتها المسرحية عبر مختلف ابتكارات التوظيف والاستثمار الذي من شانه ان يخلق عوالم افتراضية مسرحية تتفاعل مع الخشبة وهي تبث السحر والجمال العالي بهدف زحزحة الثابت وتفجير المتحرك والتحليق به نحو فضاءات مسرحية خلاقة ، ومن هذه الموضوعات التي جاءت في الكتاب نذكر : ( انكسار اشعة الاجساد داخل الفضاء الالكتروني حول بعض العروض التي اخرجها جورجيو باربيرو كوستي ،بقلم ديدييه بلاسار ، و شاشة الفكر او الشاشات في مسرح روبير لوباج ، بقلم شانتال هيبير ، والمسرح والحقيقة الافتراضية ، مقدمة لمسير مارك ، بقلم فرانك بوشار ، و نص مسرح وفيديو ، بقلم جان – فرانسوا بييريه ، والتشكيل النفسي للفضاء المسرحي ، حديث مع جوزيف سفوبودا و ميلينا هونزيكوفا عن الصورة المسرحية .. ) وموضوعات مقالية اخرى عديدة اهتمت بذات السياق المسرحي الصوري الرقمي والفيديوي والسينمائي الذي من شأنه تفعيل الفضاءات المسرحية جماليا وفكريا وانشائيا .

    لكن من المهم التوقف هنا عند ماطرحه ( كارل بادريزا سينجلا ) في دراسته التي جاءت تحت عنوان ( المسرح الرقمي ) يقول في مقدمتها : ” بعد المرحلة التي شكلها في وقت ما مسرح التأثير ، فان لافيورا دل باوس في خضم بحثها عن النموذج المثالي القديم ألا وهو المسرح الكامل ، تتقدم الآن نحو ما أطلق عليه اسم ( المسرح الرقمي ) . الطريق وعر وطويل ، مليء بالعقبات والمنعطفات ، ولكننا نحن الفيوريس نؤمن بمسرح يرغب في تقديم الانسان على المسرح وفق مستوى أكثر سموا ، دون عقد ، فالمسرح الجديد لم يوجد لكي يقلد الانسان بل لكي يبني الانسان الاصيل ” . فالمسرح الرقمي لدى سينجلا ، هو ذلك الذي يعتمد نظاما ثنائيا ، اداة عمل لبناء مختلف الميادين وهو من ” ناحية اخرى مسرح قامت الاصابع ببنائه ، والتحكم فيه بشكل كامل ” . ثم يمر على تحديد مفهوم موجز وسريع عن مسرحه الرقمي الذي يتلاعب بالمعلومة لانه دراما العالم كونه حقيقة ذاتية لا حقيقة موضوعية على حد قوله ، منتقلا الى شرح السيناريو الخاص به الذي يغوص بالمكان الرامز الى الزمن اللانهائي ، وصولا الى الممثلين الذين : ” يتحركون بطريقة مضحكة مثل الدمى التي حركها القدر ، يبالغون في الاداء ، يتحركون برعونة مثل الدمى المتحركة يضربون بعضهم بعضا ، في كل اداء ، هناك شخصيات رئيسة ، الاخرون محايدون لا يقومون الا بالبناء او الهدم او يظلون في اماكنهم ” .

    ثم يختم ، بوضعه ( خمس قواعد للمسرح الرقمي ) وهي : ” 1- المسرح الرقمي هو حصيلة ممثلين وملايين من وحدات التخزين الرقمية صفر واحد تجوب شبكة الفيديو كونفراس ، حاملة معها صورا واصواتا وحركة تنقلها من مكان الى اخر . 2- المسرح الرقمي مثله مثل اي مسرح اخر ، يتم بشكل مباشر وبطريقة حقيقية بتفاعل كامل بين الممثلين الذين يعملون من خلاله . 3- لا يحتاج ممثلو المسرح الرقمي لان يكونوا في اماكن او مدن او بلاد مختلفة لانه قد تم ربطهم بواسطة وحدة تحكم عن بعد للفيديو كونفراس . 4- يسمح المسرح الرقمي باعادة تغذية الصورة كقاعدة للتواصل بين الممثلين ، يتم الامر وفقا لسلسلة من الصور تمر من مكان الى اخر من خلال الشبكة خلال بضع اجزاء من الاف من الثانية ، اثناء ذلك الارتباك ، يجد الممثلون نقطة التوافق في حركاتهم . 5- المسرح الرقمي ، رغم ارتكازه على التكنولوجيا ، يعود بطريقة حاسمة الى شكل المسرح البسيط الاولي ، الساحر ، القديم ، من سحر الحركة والرقص والارشادات والطقسية كما لو ان المسرح قد عاد ليبدأ من الصفر ” .

   في ضوء ماتقدم ، يعلن كاتب السطور هنا اختلافه ضد اغلب ماجاءت به هذه القواعد الخمسة للمسرح الرقمي التي وجدت على رابط في الانترنت منذ عام 1997 ، لان هذه القواعد قد قيدت المفهوم وحصرته في البرامجيات الحاسوبية المستخدمة لانتاج صورة مسرحية مبرمجة لا روح للدراما فيها ، او هي نسيت هذه القواعد انها تتعامل مع دراما مسرحية فيها من الثنائيات والصراع والصورة والتحولات والتاثيرات الفكرية والجمالية على فكر وروح المتفرج وتثوير تفاعله الذي ينبغي ، لان ما عنيناه نحن في وضع نظريتنا عن المسرح الرقمي ، لا ذلك المفهوم المرتبط بعلوم البرامجيات حسب ، بل ذلك المفهوم المرتبط بالمسرح وعرضه المسرحي في ال ( هنا ) و ( الآن ) ، لانني واقولها بتواضع شديد ، من اوائل المسرحيين العرب الذين دعوا وسعوا للترويج الى اهمية  استثمار التقنيات الرقمية الالكترونية ، من اجل انعاش الفضاء المسرحي جملا بهيا وساحرا ، لان المسرح الرقمي هو مسرحنا القادم لا محال ، ولانني قصدت بالمسرح الرقمي : هو ذلك العرض المسرحي الحي المقدم على خشبة المسرح ، والذي يشاهده الجمهور في ال (هنا) و (الآن) وهو يستثمر التقنيات الرقمية التي من شانها التحليق جماليا وفكريا بفضاءاته وعوالمه الدرامية ليتجلى فيها انفعال التلقي وانعكاسه على الذائقة بمختلف مستوياتها .

  

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح