قراءة لمسرحية “السواتر” لجان جينيه محمد سيف/باريس

يقوم نص “السواتر” Les paravents لجان جينيه بتأسيس علاقة مع هذا الذي كان وسيكون. إنه اقتراح مسرحي يكاد أن لا يصدق من كثرة صدقه وغرائبيته في آن واحد. يقود جينيه الممثل والمخرج، في الوقت نفسه وليس العكس، من خلال سلسلة من الملاحظات المحددة تدعو الفنانين لأن يتنكروا وأن يتقنعوا وأن ينحرفوا من أجل أن يخلقوا. يقول في إحدى ملاحظاته: “إن على المخرج أن يضع على المسرح ستارة نحيفة ورقيقة وطويلة ترتعش بطريقة تعطي الانطباع بأنها تمطر”. كتب النص في عام 1968، أي بعد خروجه من السجن في عام 1944، وبعد الإعفاء عنه بشكل نهائي في عام 1949. تتحدث مسرحية “السواتر” عن الأحداث التي وقعت أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر يقول: “إن الحقيقة التاريخية، يجب أن تظهر كما لو أنها قد وقعت في زمن بعيد، وتكاد أن تكون ممسوحة تقريبا”. ما المقصود من هذا الكلام؟ بلا شك، المقصود هو المهزلة. مهزلة خارج الزمن، وهي تنبثق من جديد. يتموضع الحدث في هذا النص بشكل رئيسي على الأرض وفي السماء. الموتى فيه يحضرون بنوع من الاندهاش أو القلق، وفقا لمذبحة الأحياء. بعض الأحداث المسرحية تدور في بيت الدعارة. ولكن لماذا في بيت دعارة بالذات؟ ربما لأن عالم الحرب بالنسبة الى جينيه بمثابة دعارة. يقول جينيه، ضمن الملاحظات التي ضمنها في النص إلى المخرج والممثلين دائما: “ينبغي على الرجال أن يبقروا، وينبعجوا وليس الفئران. مع ذلك فإن القبعات ذات القرون التي يستعملها بخاصة أعضاء المجتمع العلمي الفرنسي تصنع من جلد الفئران”. ويقول على لسان الرقيب: “قوات مدججة بالسلاح تغزو الأراضي، في حين أن الأبطال الحقيقيين هم السكان الأصليون. إن سعيد، وليلى، والأم، يعيشون زمانهم وهم مغتصبون”. نلاحظ أن جينيه يعيش حالة ألفة مع الملحمة، بحيث يوجد في هذا العمل 16 لوحة تصويرية ومئة كائن، وهو مكتوب بكثافة شعرية عالية لا تخلو في الكثير من الأحيان من الكتابة المتعلقة بالبراز والغائط، وبالموضوعات الداعرة إجمالا. مع ذلك فإن الغنائية فيه لا يستهان بها ولا تبعث على الازدراء، مثلها في ذلك مثل الشكل الذي يؤطر الكتابة نفسها: “تفوح منك رائحة السرقة؛ الحرب مضاجعة جماعية صاخبة”. تكمن عبقرية جينيه في هذا النص خصوصاً في المشهد الذي يمزّق فيه القتلة السواتر، فيجدون أنفسهم فجأة في مملكة الأموات. السواتر في النص هي الديكور، وتكون على هيئة واجهات تمثل الصحراء، وبستان البرتقال، ومحل البقالة، وبيت الدعارة. في نهاية المطاف، جميع المخلوقات الموجودة فيه ستكون في وقت ما قد توفيت، وأثناء الجملتين أو الثلاث الأخيرة، يكون الأموات قد حملوا ستائرهم. نرى الأم على سبيل المثال، تخرج من الخلف مع كرسيها. هنا ينتهي كل شيء، إذ نكتشف أن ليس هناك قواعد في مسرح جينيه ولا رسائل، إنما يوجد طعم للسيرك، ولمدينة الألعاب، وطعم للإنسان، الذي يجعلنا من خلاله نتعرف إلى البشر المستحضرين. أليس هذا هو المسرح؟ انه الذي يجعلنا نعرف ما هو الحقيقي البعيد كل البعد عن تغيرات الهيئة والوجه. هنا يولد، فنعثر على الاضطراب والبلبلة، وعلى التأكيد الحقيقي لفن المهرج، وعلى بعض الطرف من الدرجة المأسوية. لهذا، وعلى الرغم من المأساة، فإن على الممثلين أن يلعبوا أدوارهم بطريقة تهريجية. وأود أن أقول، إنه على الرغم من جدية اللعنات التي تتلفظ بها الأدوار النسائية والأم، يجب أن يعلم الجمهور أن ما يجري أمامه مجرد تمثيل. يقول جينيه: “ستكون ظهور الممثلين مقوسة ومحنية نحو أحذيتهم السميكة النعال، وأنوفهم زائفة مستبدلة ويعتلي سطوحها شيء آخر ليعطيها بعدا آخر غير ما هي عليه، وشعر مستعار، وماكياج بألوان زاهية متعددة. هكذا ستكون المشاهد المسرحية سريعة وعاجلة، والإلقاء سيكون مرحا ومضحكا، وأصوات الحيوانات مقلدة”. ويختم بقوله: “كنت أريد في هذه المسرحية أن أتلفظ بحماقات”. في هذا النص يوجد التمثيل داخل التمثيل وليس المسرح داخل المسرح فقط، مثلما يوجد أيضا طعم المسرح، وتمويه وكراهية للمسرح الفرنسي.
لاحظنا من خلال قراءتنا لما حدث من سوء فهم عندما قدم النص روجيه بلان على مسرح الأوديون، كيف قوبل هذا الشاعر الذي يدعى جان جينيه بالاستهزاء والسخرية؛ هذا الشاعر الذي لم تكن له أي صلة بالحرب على الجزائر، وهذا يبدو واضحا؛ هذا الشاعر المسرحي الذي اخترع من جديد الفن الباروكي ذا الأسلوب الفني الذي ساد في القرن السابع عشر الذي تميز بالزخارف والحركة والحرية في الشكل؛ هذا الشاعر الذي استطاع أن يستعمل سوقا من دمى العرائس؛ والذي تلذذ في قول الجمل البذيئة؛ والذي صوّر الملازم مثل كلب لا يحب سوى دور الدعارة والعاهرات. مع ذلك، فإن الممثلين والممثلات يحبون لعب هذا النوع من الشخصيات، مثلما يحبون تمثيل الملاحم الكبيرة، والقصص والأساطير. تقول وردة، العاهرة الرقيقة والجميلة: “في المركز، توجد المحرقة، جهنم الحمراء، ونحن في داخلها”. ويبدو أن ما كانت تعنيه وردة في الأمس هو كذلك اليوم تماما، جهنم الحمراء، والتطهير العرقي. في هذا النص، يوجد هناك قيم وضحايا وجلادون، ويوجد أيضا من يذهبون إلى حتفهم باسمين، وعاهرات وقديسون. لوحات المسرحية الست عشرة، جميعها تكاد أن تكون ساخرة ومضحكة وغريبة الشكل ومليئة بالبشاعة والتنافر، وفي الوقت نفسه مرحة وفرحة وفيها الكثير من السعادة. إنه عمل ضخم بحق.

محمد سامي / مجلة الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.