قراءة في مسرحية “ليلة من ألف ليلة” لبيرم التونسي والفخراني.. إبداعات منسية وكنز مهمل

2015p635759430007992214

 

 

أكثر من خمسة عقود مرت على رحيل الشاعر بيرم التونسي، ورغم ذلك ما زالت أشعاره نابضة بالحياة، قريبة من الوجدان المصري، كأنها جرت لتوها على لسان أحد “أبناء البلد”، وها هو المسرح القومي يزيح الستار عن هذا التراث الذي كاد يندثر وسط زحام من الابتذال.

الفنان يحيى الفخراني يؤكد دوما أنه أحد المخلصين القلائل للمسرح المصري الذي تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة بعد أن أدار النجوم ظهورهم إليه مقبلين على السينما والتليفزيون باحثين عن عائد مادي وانتشار جماهيري أكبر.

ورغم أن الفخراني قد أعلن بعد انتهائه من تقديم رائعة ويليام شكسبير “الملك لير” عن عدم عودته للمسرح، فإنه سرعان ما وافق على العودة فورا عندما عرض عليه نص “ليلة من ألف ليلة” للخالد بيرم التونسي، مؤكدا أنه أحد العاشقين للمسرح، الذين كرسوا حياتهم للفن وحده.

كما أن تزامن عرض المسرحية مع افتتاح المسرح القومي بعد إغلاقه لسنوات إثر الحريق الذي تعرض له عام 2008 يعطي أملا في أن هناك رغبة في استعادة دور المسرح المفقود، وفي أن يظل هذا المسرح حيا.

في أجواء ساحرة تعيد للأذهان صورا لم تعرف سوى في كتب التاريخ عن المسرح القومي الذي ظهر في أبهى صورة وكأن رجال الخديو إسماعيل قد فرغوا للتو من بنائه، في هذه الأجواء يقدم الفخراني مسرحية “ليلة من ألف ليلة”.

المسرحية تعد محاولة مهمة لإعادة تسليط الضوء من جديد على المسرح الغنائي الذي فقد المنتجون الاهتمام به؛ نظرا لما يواجهه من تحديات من الناحية الإنتاجية والفنية، ونظرا كذلك لتراجع النصوص المكتوبة في هذا المجال سواء من ناحية الكم، أو الكيف.

وما تتميز به المسرحية هو سهولة أشعار بيرم التونسي وسلاستها؛ ما يجعل الممثل قادرا على تقديمها بصورة غنائية حتى وإن لم يكن يمتلك القدرة على الغناء من ناحية الصوت أو الأداء، فالكلمات تجري على ألسنة الممثلين مصحوبة بألحان، رغم جودتها، سهلة لا تحتاج إلى تكلف.

هذا الأداء الغنائي جعل الفخراني يظهر بصورة رشيقة أبرزت ما يتميز به من خفة ظل وقدرة على أداء أدوار كوميدية ربما لم يعتد الجمهور أن يراه يقدمها بهذه الصورة من قبل، مع قدرة الفخراني على المزج بين الأداء التراجيدي والكوميدي في فترة زمنية وجيزة، فيهبط من أداء انفعالي غاضب حزين جعل الجمهور على وشك البكاء، إلى لقطة كوميدية خاطفة تحول البكاء إلى ضحك.

كذلك جاء أداء الفنان لطفي لبيب قادرا على انتزاع الضحكات من الجمهور رغم دوره الشرير.

كما تعيدنا المسرحية إلى الدور العظيم الذي لطالما لعبه المسرح الغنائي أثناء ازدهاره وهو تقديم أصوات غنائية جيدة لم تحظ بالفرصة كاملة في سوق الغناء الذي تحكمه عوامل مادية وتجارية قد تغلب على الجانب الفني، فتقدم المسرحية المطرب الشاب محمد محسن الذي عرفناه مطربا خرج من رحم الثورة وأعاد إحياء أغان تراثية امتزجت بوجدان المصريين كتلك التي اشترك فيها عظيمان من عظماء الفن المصري، بديع خيري وسيد درويش.

تكشف المسرحية، ربما لأول مرة، عن موهبة الفنانة الشابة هبة مجدي التي عرفها الجمهور لسنوات كممثلة فقط، ولكنها تظهر في ثوب جديد، إذ تشترك مع محسن في الغناء لتكشف عن موهبة لم يعرف بها أحد من قبل.

ورغم أن المسرحية تم عرضها عدة مرات من قبل كان آخرها في عام 1994 وقدمها الفخراني أيضا لكن بصحبة أنغام وعلي الحجار، فإن الثوب الجديد الذي ظهرت به المسرحية كان مختلفا؛ إذ احتوى على رقصات رغم بساطتها فإنها أضفت على المسرحية جوا من “الخفة” وأضافت لها الكثير من المتعة.

البناء الدرامي للمسرحية ربما لا يبدو معقدا؛ فلا تحوي حبكة متشابكة وعقدة صعبة تتدرج المسرحية في حلها، إنما جاءت بسيطة التركيب كما هو الحال في المسرح الغنائي.

ما يؤخذ على المسرحية أن الديكورات، وإن جاءت معبرة عن روح المسرحية مكملة للنص ومبينة للبعد التاريخي، لكنها لم تراع حجم المسرح فجعلته يبدو أكثر ضيقا من حقيقته، الأمر الذي انعكس على الرقصات التي، لولا الديكور المزدحم، لجاءت أكثر حرية.

كانت براعة بيرم التونسي تكمن في قدرته على خلق نص قريب له روح مصرية، أو عربية خالصة، في فترة كان المسرح فيها متأثرا بالمسرح الغربي، حتى كادت تقتصر العروض المسرحية آنذاك على عروض غربية خالصة، أو عروض ممصرة، ولكنها ظلت تحمل روحا غربية، لم يكن المشاهد قادرا على استساغتها.

لكن التونسي استطاع من خلال ربط عمله بالتراث ووضعه في قالب قريب من وجدان الجمهور، وهو قالب “ألف ليلة وليلة” الشهير، استطاع أن يقدم عملا مصريا أصيلا، ساعده في ذلك لغته التي تعلمها من الأحياء الشعبية فجاءت قريبة من المصريين جميعا، لا دخيلة عليهم.

هذا الرجوع إلى التراث جعل المسرحية قريبة من الخيال الشعبي، جاذبة للعديد من الفئات والشرائح المجتمعية، الأمر الذي انعكس على الحضور الجماهيري، حيث يسجل المسرح القومي حضورا ربما لم يشهده منذ عقود، بل وربما منذ إنشائه.

ومن عجب أن الفخراني رفض إدخال أي تحديث على النص؛ حيث كان مقترحا أن تدخل بعض التحديثات على النص للتخلص مما قد يبدو غريبا تجاوزه الزمن من المصطلحات، ولكن الفخراني رفض ذلك وأصر على الاحتفاظ بالنص بصورته الأصلية، ورغم ذلك فإن النص جاء سهلا قريبا من الجمهور ينطق بلغة اليوم كأنه كتب بالأمس القريب ولم تمر على كتابته عقود.

هذا الحضور الجماهيري الكبير، وهذا التجاوب من الجمهور الذي استساغ العمل وأحبه يدفعان للتساؤل حول سبب إحجام المسرح المصري، وتحديدا المسرح الخاص عن تقديم مثل هذه العروض والإصرار على تقديم عروض مبتذلة تخلو من أي قيمة درامية، تتكون فقط من مجموعة من “القفشات” الخارجة علي إطار النص لتضحك الجمهور.

تأتي “ليلة من ألف ليلة” لتقدم الحل، وتتبرع بالإجابة عن السؤال الذي بدا عصيا على الجميع، وتلقي بالضوء على كنز مهمل، هو كنز التراث. ليس التراث بمعنى العودة لكتب التراث التي كتبت منذ قرون، إنما المقصود بالتراث هو تراثنا المسرحي الذي كتبه رواد هذا الفن في أوائل القرن الماضي من أمثال بيرم التونسي وبديع خيري.

هذه الأعمال تملك جميع أطراف المعادلة، القدرة على الإمتاع، والقيمة الفنية، والقرب من الجمهور، لكن من يستمع؟

مسرحية ” ليلة من ألف ليلة ” من تأليف الشاعر الراحل بيرم التونسي ومن بطولة يحيى الفخراني، لطفي لبيب، هبة مجدي، سلمى غريب، ضياء عبد الخالق، والمطرب محمد محسن ونجوم المسرح القومي ، موسيقى وألحان أحمد صدقي، ديكور محمد الغرباوي، أزياء نعيمة العجمي، تنفيذ موسيقى يحيى الموجي، استعراضات مجدي صابر.

 

محمد فايز جاد

http://gate.ahram.org.eg/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.