قراءة في كتاب “تمظهرات ما بعد الحداثة في النص المسرحي العربي ” تأليف شاكر عبد العظيم – الغراق

د. عامر صباح المرزوك : 

يشكل تيار ما بعد الحداثة أهمية بالغة على الأصعدة كافة وفي كــــــل المجتمعات الإنسانية دون إستثناء وذلك نتيجة نزعته الشمولية ولأن الحداثة التي سبقته وارتبط بها بسبب كونه قائماً من خلالها ومن خلال وجودها الممهد له،

إذ قامت الحداثة برسم مسارات جديدة للإنسان امتلك عبرها رؤيته الجديدة لنفسه وللعالم، تلك الرؤية التي إختلفت عن العصر الكلاسيكي حيث حاول تيار الحداثة الاعتماد الكلي على النزعة الإنسانية والتشريع للإنسان بذاته، فأصبح الإنسان هو المركز، بناءً ونتيجةً لقيام الثورة الصناعية والعلمية في كافة المجالات في الحياة الأوربية، لذلك حاولت الحداثة التأسيس بناءً على العقلانية وإقصاء المتخيل الأسطوري والعقائـدي والميتافيزيقي.
ولان ما بعد الحداثة قائمة على تقويض وانقاض الحداثة، لذا فإنه من الممكن تحديد ملامحها في ظل علاقتها بها وهنا سنجد إن اي تعريف لما بعد الحداثة يستلزم نبذ اهتمام الحداثة بتفرد المعنى وخصوصيته، كما ان من أهم مميزات عصر ما بعد الحداثة،أنه عصر إستهلاكي (عصر الوفرة)، فالأستهلاك هو المحرك الرئيس لما بعد الحداثة، وقضية (الوفرة) ليست سبة عليه لأن المجتمعات تحلم بالوفرة، ولم تتوقف التسميات عند هذا الحد بل سمي بعصر المجتمعات الصناعية والاعلامية والمعلوماتية ومجتمع التكنوقراط، وتميز أيضاً باعتماده المعلوماتية وتخطي حدود الدولة ساعد على تحطيم البيروقراطية، فأدى إلى تحولات طالت كافة مستويات (الكل الاجتماعي) كما ان تلك التحولات أصبحت خاضعة لقانون الموضة.
فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ عصر مابعد الحداثة في الغرب , ومثلما تغير حال المجتمعات الغربية بعد ان خاضت حربين عالميتين متجهة نحو الاستقرار والنمو بدأت أفكار مابعد الحداثة بالظهور بالضد من أفكار عصر الحداثة التي شغلت النصف الأول من القرن العشرين, فقد بدأ عصر الوفرة والاستهلاك والشركات العابرة للقارات والفضاء الرقمي والعولمة والديقراطية والليبرالية وترسخت التيارات البنيوية في كل الحقول المعرفية (في علم الانسان، والماركسية وعلم النفس، والنقد الأدبي، وعلم اللغة العام)، ومن ثم تلتها مابعد البنيوية من تفكيكية وسيميائية وتأويلية، وهكذا ظهرت ثقافة جديدة وظهر إبداع جديد في الفنون والاداب.
سادت في المسرح , كتابة وعروضا وتقنيات , مجموعة من القيم الجديدة التي فتحت الحدود بين الفنون والثقافات المتجاورة والمتعامدة وغابت القوالب النموذجية بين الاجناس وتهاوت الحدود والفواصل.وظهر الاهتمام بالانثروبولوجيا الثقافية وتداخلت الأساطير والخرافات مع الواقع وتماهى الوعي مع اللاوعي وظهرت الرموز الخفية للإنسان وتمزقت مركزية البطل والحضارة الواحدة والفحولة والذكورية والسلطة.وفي عالمنا العربي تجلت أشكال مابعد الحداثة في المسرح في بعض النصوص والأعمال رغم هيمنة منجزات والكلاسكية الحداثة واختلاطها بها.
إن نص ما بعد الحداثة المسرحي يعد (نصاً مفتوحا) وهو يتسم بطا بع التعدد والتنوع ويشهد على بلاغه متعددة تفتقد لكل شكل او هيأة محددة، وهذا المرتكز الفكري الجديد شمل أيضاً كل مفاصل اللغة والأدب والفنون الأخرى، فقد تميز في المسرح بغياب القوالب النموذجية بين الأجناس، وكما هو معروف عن المسرح بأنه (أبو الفنون) بناءاً على احتوائه الفنون جميعها سواء أكان في النص أم في العرض فضلاً عن تعاضده – أي المسرح – مع الآداب بكافة تنوعاتها في إنتاج تلك النصوص فأنه لا يمكن له أن يميط اللثام عن تيار فكري حديث لأن ذلك سيكون عكس طبيعته (مسايرة الحياة والتعبير عنها) منذ أن بدأ وحتى اليوم. فالمسرح يتلاحم مع كل الطروحات الفكرية الجديدة بتنوعاتها وأشكالها المختلفة.
ولقد قام تيار ما بعد الحداثة بخلق سماته لنفسه وهي رفضه للتقليد السائد والمألوف والعادي , واخضع كل شيء للتفكيك والاهم من ذلك فانه يشكك في كافة الحدود الفاصلة بين الفنون المختلفة فجاء النص المسرحي المنتمي إلى هذا الفضاء متمرداً على كافة الفرضيات الفنية السابقة وفق تمثلات الما بعد بتعددها. لكن الدارس للمسرح العربي لابد سيخرج بمجموعة من الآراء أهمها ان المسرح العربي السائد بكافة مستوياته مسرح تقليدي(بقي ثابتا دون تطور) وغير قادر على مس القضايا العربية بشكل صميمي , الا ان ذلك لا يعني ان ليس ثمة أعمال ونصوص مسرحية لم يكن اشتغالها على امتصاص آراء ما بعد الحداثة الفكرية والفنية لكن ذلك ربما يشكل البدايات في تقصي هذه الإزاحات الما بعدية , ويحتوي على تمثلاتها.
وفي مسرحية (اللعبة الأبدية) للكاتب والشاعر المصري (محمد الفارس) نجد بعض التمثلات الما بعد حداثية تطفو على أسلوبية الكاتب في التناول الشعري السردي للمسرحية , وتدور أحداث المسرحية حول شخصية رجل من عامة الناس وبسيط وهامشي وليس ذا صدارة اجتماعية في حضوره , لكنه محب للناس وللتاريخ ومسالم وبرئ وقد وقع تحت ظلم السلطة الحاكمة ليس لأنه ذو موقف منها بل لان الأقدار ساقته إلى ذلك مصادفة. ومن هنا ينمو موقفه الفكري في غياب السجون وأساليب التحقيق ليرفض ذلك الظلم المخيم على الحياة التي يعيش. وفي هذا النص يسجل المؤلف رؤيته التي تهدف إلى إنهاء الظلم وانتصار المظلوم في النهاية كبديهة حياتية عامة ومفهوم اجتماعي مترسخ. المسرحية شعرية لكن السرد يخترق تلك الشعرية عبر إرشادات المؤلف المقوسة وفيها يتداخل الحزن كمفهوم تراجيدي بالكوميديا. وهذا التداخل يستدعي فيه اللغة الشعرية في نصوص وأرقام وإحصائيات ومؤسسات لضرب مركزية النص ويقدم صورة للواقع الإنساني العالمي المأساوي، إذ ما الذي يجعل كاتباً عربياً يعبر عن أطفال البرازيل أو جنوب أفريقيا وحالة الفقر المستشري هناك حتماً انه فكر ما بعد الحداثة اللا تحده حدود.
اما في تجربة الشاعر والكاتب المسرحي العراقي (خزعل الماجدي) فنجد التنظير الشعري قد انتقل وتمظهر في أعماله المسرحية من خلال تلاقح الشعري بالمسرحي , وتجدر الإشارة ان الماجدي قد اصدر بيانين مسرحيين فيما يخص التنظير للشأن المسرحي بعنوان (المسرح المفتوح وهو البيان الأول أما الثاني بعنوان المسرح الشعري الحديث) الذي يصب فيه كل أفكاره النظرية حول ارتباط أعماله المسرحية بهذا العالم أو عالم ما بعد الحداثة.
يرى المؤلف ان ذلك قد عمل على تحفيز دائم للعمل الدرامي ونشوء فضاءات جديدة تنمو داخل النص بواسطة موجهات غير تقليدية , ومنها ما يتواءم مع المنهج الذي سارت عليه فاعلية ما بعد الحداثة , في الانثربولوجيا , والخرافة والعودة إليها , وكذلك العمل على الهامش وأبعاد للمركزية المترسخة في الحداثة وذلك يظهر أو تبدو تمثلاته في سيدرا , وهاملت بلا هاملت , وفي عزلة في الكرستال وحفلة الماس , أعمال ونصوص الكاتب.
وتوصل المؤلف إلى عدد من النتائج نذكر منها:
– شكل فكر ما بعد الحداثة عودة الإنسان لماضيه ومعتقداته وأساطيره وخرافاته، التي ابعده عنها فكر الحداثة ما جعل الإنسان منفتحاً على الآخر.
– فَعٌلت الصورة مفاهيم تفاعل جديدة في الحياة الما بعد حداثية وصارت لغة للتفاهم بفضل الرقمية والتلفزة والحاسوب والميديات مما تثاقف وفنون الأداء ومنها المسرح.
– النص المسرحي العالمي ما بعد الحداثي عبارة منظومة متنوعة من القصص والحكايات المتنافرة , مما يفتح افاقاً للقراءة والتأويل.
– امتلك النص الما بعد حداثوي تشكله الداخلي وفق مفهوم اللا نصية من حيث تعدد مرجعيات المبنى والمتن الحكائي للنص. محتفياً بفوضاه الداخلية مستدعيةً منظومة من النصوص ليكون الكائن النصي واقعاً مفتوحاً على (واقع مجازي قائم).
– ان النص المسرحي المابعد حداثي يتميز أسلوبه بميزة الاستنساخ وتكرار التكرار والسخرية والقلب والتعرية والمزج لمكوناته البنائية المتعالية او القارة.
– اعتمد النص المسرحي العربي على مقولات (الوافد)الجمالي والبنائي والاتصالي لدى الاخر الغربي مما صيره نصاً ذا سمة اتباعية عبر مسيرته التاريخية.
– المسرح العربي لم يكن فاعلا في امتصاص تيار ما بعد الحداثة بشكل حقيقي الا ان ذلك لا يعني عدم وجود نصوص مسرحية اشتغلت على امتصاص تلك الاراء، وهو ما يعد بدايات التمثل.
يبقى كتاب (تمثلات ما بعد الحداثة في النص المسرحي العربي)من إصدار/ دار الصفوان في عمان ومؤسسة دار الصادق في بابل ..
الكتاب الرائد في تناول النص المسرحي العربي ومدى اشتغاله على منظومة ما بعد الحداثة وما تحملها من دلالات، نبارك هذا الجهد الرائد وننتظر من المؤلف المزيد من الإصدارات التي تتحف المكتبة العربية بما هو جديد ومميز.

——————————————————————–

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – د.عامر صباح المرزوك

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.