قراءة تأويلية في كتاب “مـــــــــــــــسارات نـــــــــــــحت الــــــــــــــــذّات في المسرح التونسي” لمحمود الماجري

 

 

قراءة تأويلية في كتاب “مـــــــــــــــسارات نـــــــــــــحت الــــــــــــــــذّات في المسرح التونسي”

لمحمود الماجري

حاتم التليلي

إضـــــــــــــــــاءة:

ثمّة اعتقاد راسخ في أذهان المسرحيين التونسيين وبعض من العرب مفاده أنّ المسرح التونسيّ يتصدّر قائمة المسارح العربيّة وأنّه أفضلها بإطلاق، وهو اعتقاد بات يأخذ طابعًا دوغمائيًا صرفًا، ما حوّله إلى ما يشبه النصّ الدينيّ المقدّس، ونفى عنه امكانيّة الخطأ، وجعل من الفعل المسرحيّ في تونس محفوفًا بتلك الهالة من العظمة والقداسة، دون أدنى مراجعة نقديّة لكينونته أو حالته الرّاهنة. وعلاوة على ذلك، أمام نزعة الأفضليّة والتراتبية التي يلوكها البعض من المبدعين والنقّاد في مجالات مختلفة كالندوات والدراسات أو حتّى في الخصومات المسرحيّة التي تطفو على السطح من حين إلى آخر، تعلو أصوات أخرى تدين سياسات الفعل المسرحيّ، وهي أصوات غضبيّة تشير بأصابع الاتهام إلى هياكل المسرح وطرق تسييره، سواء من حيث حماية حقوق المبدعين أو من حيث الدعم والبنى التحتيّة، بما يعني أنّ ادّعاء التفوّق الخالص يظلّ منقوصًا ونسبيًا، خاصّة إذا قرأنا المسرح لا من جهة ابداعيّة صرفة، وإنما من زوايا أخرى مختلفة، كالدراسات والبحوث والمدونة النظرية والأكاديمية، وهو ما يحملنا إلى إعادة النظر في مسرحنا التونسيّ خارج نزعتي النرجسيّة والغرور، بتسليط الضوء على سيروراته المختلفة ومجالاته وقطاعاته المتنوّعة وقضاياه الراهنة، انطلاقا من الحفر في كتاب “مسارات نحت الذات في المسرح التونسي”[1] لصاحبه الباحث والجامعي محمود الماجري، في طبعته الأولى لسنة 2015، عن دار سحر للنشر.

  • قلق إزاء العنوان والنصوص الموازية

                ثمّة في كلّ قراءة لنصّ ما طقوس عبوره الخاصّ بما هي مرحلة أولى قبل دخول موجات متونه، والاقامة في لحمه الكتابيّ، والابحار في دم اشكالياته المطروحة، وهي طقوس تجد دليلها في ظاهرة العنونة، إذ هي الدليل والمرشد إلى النصّ المكتوب، وهي منارة ظلامه وعتمته، بوصفها “تضيء الطريق الذي ستسلكه القراءة” بعبارة عبد الفتاح كليطو، ولكنّها أيضا تمتلك شفرتها الخاصة، كأن تضعنا في مأزق منذ أوّل معالجة الكتاب المقروء، فمن سماتها الاضاءة كما التعتيم، أو الاخفاء والمواربة، وهذا ما نجد له صدى في العنوان الذي أسنده محمود الماجري لكتابه “مسارات نحت الذّات في المسرح التونسي”.

ثمّة مكر في ظاهرة عنونة هذا الكتاب، فالذّات المزمع نحتها لا تتعلّق هنا بكينونة المسرح التونسيّ، وإنّما تبحث في كينونتها الخاصّة من داخل الفعل المسرحيّ، كإطار لها، أو مكانا و فضاء، وفق ما تشير إليه الفاصلة اللغوية “في” بما تحمله وظيفتها من معان، ما يحيل إلى أن متون الكتاب لا تفصح عن ذات المسرح في حدّ ذاته بقدر ما هي تبحث عن ذواتٍ أخرى وجدت في هذا الفنّ اشتغالها وإقامتها، حتى أنّ مسارات نحتها ظلّت مرتبطة بمسارات المسرح. وأمام مخاتلة كهذه يضعنا في شراكها مؤلّف الكتاب، سيتسنّى لنا طرح جملة من الأسئلة بذات المكر: هل اللّحم النصيّ في متون الغابة الكتابية لهذه الدراسة تدين بشكل غير مباشر المسرح التونسي من حيث صعوبات زراعة هويّة له؟ وهل تلك الذّات بما هي مفهوم فلسفيّ اشكاليّ – لم يفصح عنها عنوان الكتاب بتحديدها-  ما هي إلا جمع من ذوات التجارب الشخصية لبعض المسرحيين حملوا المسرح التونسيّ صخرة سيزيفيّة على ظهورهم؟ وهل ندرك بضرب من التأويل الحرّ أنّ عمليّة استنبات المسرح التونسي لم تقم على تيّارات ومدارس فنيّة ومسرحيّة بقدر ما قامت على تجربة جملة من الأشخاص؟ ألا يمكننا التسليم بنجاعة هذه الأسئلة المشكّكة لا سيّما وأنّ الاهداء الذي تضمنه الكتاب لم يذهب إلى إجراء تنويه حول تجربة مسرحيّة جماعيّة أو الاحالة إلى تيّار ما بقدر ما كان موجّها إلى كلّ من عزّالدين قنون وسمير العيادي بوصفهما قدّما إلى الساحة المسرحيّة التونسية غير القليل من المنجز الابداعيّ والفنّي!!.  وإذا كان الأمر بهكذا توصيف وفق ما قدّمته لنا العتبة النصيّة لهذا الكتاب، بأيّ شكل سنفسّر النصّ الموازي الذي رافقه في صفحة الغلاف حيث أشار المؤلّف متحدّثا عن دراسته هذه بالقول: “لم تكن غايتنا من انجازها سوى تقديم رؤية عن المسرح التونسيّ حاولنا من خلالها المساهمة في الاجابة عن بعض من أسئلته، بحثا عما صنع منه مجالا مخصوصا”.؟ ثمّة إذن اعتراف ضمنيّ في هذه الشذرة تقول بأنّ المسرح التونسي يفتقر إلى رؤية واضحة وشاملة، وهنا يكمن رهان الكتاب، وثمّة أيضا بعض من أسئلته مازالت في حاجة ملحّة إلى أجوبة، ما يحيل إلى أنّ “مجاله المخصوص” يظلّ محفوفًا بنقائص ما، بما يجعل من  خصوصيته الآنية أدنى من أن تجعله يتخذ صفة العظمة والنرجسية والأفضليّة والتراتبية، ولعلّنا بتسليط الضوء على القطاعات التي اهتمّ بها مؤلّف الكتاب نكتشف عوالم أخرى تفكّك سردية التفوّق لهذا المسرح وما إذا كان ممكنا في ما بعد التساؤل عن ذاته الخاصّة، وامكانيّة نحتها دون أن تظلّ صخرته مؤهّلة لنوع من التصدّع والشروخ.

  • البدايات: مناخ الهويّة ومصير البذرة المهاجرة

يتحقّق الفعل الثقافيّ من خلال استنباته في تربة ما، بما هو عشبتها وعنوان خصبها، ولكنّه يظل في تفاعل معها بأشكال جدّ مختلفة ومتنوعة، فما كلّ بذرة تطفو إلى سطحها، وما كلّ بذرة يمكنها أن تورق كشجرة ممتدّة الفروع، إذ يحدث أن تكون هذه التربة غير مؤهلة لاستقبال بذور معيّنة، كما ممكن أن تحبل ببعضها رغم اختلاف شروط التفاعل المشترك، ومثلما يصلح هذا الأمر من جهة علمية صرفة، فإنّه ينطبق أيضا على الفعل الثقافي والمسرحيّ إذا نظرنا إلى تاريخيّة اشتغاله في تونس، وطرق استنباته، ومراحل ذلك، بما يحدّد ملابسات هويته الأولى، بالبحث في كيفيات استقبال بذرته القادمة والوافدة والمرفدة علينا، من حيث التماهي مع خصوصيتها أو الاشتغال عليها بما يعطيها طابعا خاصا في تربتها الجديدة.

يقدّم لنا هذا الكتاب أرطالا من اللحم الحيّ حول ملابسات نشأة المسرح التونسي، فمنهجه الاستقرائي جعله غنيّا وثريّا بمعلومات متعلقة بجملة من تواريخ هذا المسرح، تفصح عن حركته ومجالاته المختلفة، وذلك من خلال استنطاق حضوره وفقا لما هو سياسي وإقتصادي واجتماعي، ووفقا لما هو متعلق بالتأثيرات الأجنبية التي تسلّلت إلى عروقه ودمه، ووفقا للجوانب الذاتية التي كان لها منظورها الخاص في بعض الأعمال المسرحية.  رغم استناده إلى المراحل الأربعة الملخصة لتاريخية المسرح التونسي التي حددها محمد الحبيب، منذ مرحلة التقليد الأعمى إلى هاجس التأصيل حتى حدود رسم خارطة مخصوصة لهذا الفن، وما توّجت به من زخم فنّي كبير وتغيير اجتماعيّ فعّال، إلا أنّ محمود الماجري ينبهنا إلى أنّ حالة العقم المسرحيّ التي أصابته في المرحلة الرابعة، كانت في نفس الوقت المنعطف الذي سيجعل من الفعل المسرحي متّحذا مسارات جديدة ابداعية وانتاجية تحرّكت ضمن اتجاهين، الأول وجد اشتغاله في الخروج من الطابع النصي العربي إلى ما هو جماليّ، أما الثاني فقد اتسم بظهور الفرق المسرحية وانتاجاتها وموقف طليعة الشباب التونسي ورغبته في تثوير سائدها نتيجة تأثره بالمسارح العالمية من جهة، وارتباطه الوثيق بما يحدث على الساحة السياسية محلّيا وعربيّا ودوليّا أيضا. وقد تجلّى ذلك من خلال تجارب عديدة سمحت بظهور ببيان الأحد عشر، ثم تراجع الفرق تلك بعد وفاة بن عيّاد وظهور تجربة المسرح الجديد، ثم أفوله هو الآخر ليسمح ببروز مجموعة “فاميليا” وتجربة المسرح العضوي وغيرهما، ما جعل من المسرح التونسي يصنّف وفقا لتجارب أشخاص لا تيّارات ومذاهب، حتّى أنّ مؤلّف الكتاب صرّح بالقول “يبدو من الصعب تحديد خلفيات المبدع المسرحيّ وقراءة شواغله انطلاقا من موقفه من السلطة” وذلك في معرض تحليله لخطاب بدرة بشير التي عمدت إلى تصنيف المبدعين انطلاقا من علاقاتهم بالسلطة الحاكمة، وما يعنينا في هذا الاتجاه هو أنّه  يكشف عن زاويتين مهمّتين،الأولى تحيل إلى عدم تجانس الأعمال المسرحية بما يفتح مجالا للتساؤل عن غياب مشروع مسرحيّ وطنيّ يجعل من هذا الفنّ متّخذا هويّة مخصوصة وواضحة من حيث خلفياته الايديولوجية والفكرية، أما الثانية فهي تحيل إلى أن مساراته هذه ما هي إلا حركة مازالت تراكم تجاربه المختلفة وتبحث لها عن المسالك المؤدية إلى نحت كينونته.

على صعيد آخر، أضاء  مؤلّف هذا الكتاب، الجانب التنظيمي الذي شهده مسرحنا، بما هو شكل وجد اشتغاله في الجمعيات كما الفرق الجهويّة، ما يحيل إلى أن المسرح في تونس بات يشهد خارطة انتشارية كبيرة من حيث انفتاحه على الهواة والمحترفين حدّ السواء، كما أن تلك الهياكل مكنته من تحقيق حصاد ابداعيّ مهمّ، من حيث اكتشاف جملة من المؤلفين والممثلين ومخرجين، ومن حيث الاشتغال على أعمال عالمية، لكن دون أن نعرف عن ملابسات السياسات الانتاجية لها ومآزقها، خاصّة من جهة تسليط الضوء على الجماهير المتابعة للفن المسرحيّ، فرغم العدد الكبير للجمعيات والشركات وفرق التمثيل، إلا أنّه لا يمكن حصر الجمهور المتابع للعروض، ممّا دفع بالمؤلّف إلى البحث في ذلك ليصل إلى نتيجة مفادها مسالك التوزيع حتى أنّه صرّح بنبرة من التهكّم الأسود: “ألا يمكن أن نقول والحالة على ما ذكرنا أن الدولة هي التي تنتج وتستهلك في الآن ذاته؟”. هكذا نصاب برعب خفيّ  نتيجة تحوّل الفعل المسرحيّ إلى فعل منغلق على ذاته، غريبا عن الجماهير. ما يزيد من هذه المخاوف أن وضع المسرح التونسي لم يتغير حتى بعد الثورة، من حيث تشريعاته وقوانينه واجراءات الانتاج وغيرها، وهو ما يتطلّب وقفة تأمّل تطيح بعنتريته وتعيده إلى ضرورة طرح تصور جديد لسائده ولراهن المهنة المسرحية بهياكلها و”نقاباتها المختلفة”.

  • المجالات المسرحية ومدى نجاعتها:

للمسرح التونسيّ أكثر من بيت، إذ تعدّدت خرائط إقامته بتعدّد القطاعات، المدرسية والجامعية إضافة إلى مسرح الطفل، وهي تمثّل بشكل أو بآخر بعض مجالات حركيّته، سلّط عليها، محمود الماجري، الضوء بمعالجتها ومحاولة استنطاقها، ما يحرّضنا إلى التساؤل عن مدى نجاعتها في نحت الكينونة المسرحية خارج نزعات التجارب الذاتية، أو مكملة لها جزءا أو عضوا من أعضاء الجسد المسرحي التونسي برمّته.

يتأكّد لنا أنّ مسرح الطفل شهد سديمه حراكا كبيرا قبل أن يفضي إلى أوّل جينة تأسيسية له من خلال “منظمة مسرح الأطفال والدمى المتحركة” التي تراجع دورها في ما بعد ليحلّ محلّه الاعلان عن تأسيس فرقة العرائس في منتصف سبعينات القرن الماضي، إلا أن ما يجلب الانتباه هو أن ذلك الحراك لم تبادر به المؤسسات الرسمية للدولة بقدر ما بادر به أشخاص أغرتهم التجربة، مثل منصف شرف الدين ومحمد الشريف بن يخلف ومبادرة ناصر خمير التي تمثّلت في تقديم عرض تحت عنوان “ياسمينة، الطفلة إلّي قتلها بوها”، ما دفع في ما بعد إلى ظهور تجارب مسرحية عديدة تبنّتها الشركات والجمعيات ومراكز الفنون الدرامية والمهرجانات، غذّته أيضا حماسة أبناء المعهد العالي للفنّ المسرحي تجاه هذا النوع من المسرح، وهو وإن كان يعدّ فتحا نبيلا كما وصفه مؤلّف الكتاب إلا أنه يظل أيضا في حاجة إلى مزيد من التخطيط من حيث التوزيع والبحث والمراكمة، وذلك بهدف “نحت” مستقبل الحركة المسرحية بما يوفره مسرح الطفل من مناخ مساعد في ذلك، وهو أمر قد لا يتحقّق نتيجة عدم الاحاطة به من قبل الدولة نفسها وذلك عبر ما صرّح به المؤلف بالقول بضرورة سنّ “تشريعات مخصوصة حتّى لا يظلّ على الدوام الابن الفقير للحركة المسرحيّة”.

أمّا بخصوص المسرح المدرسي، فقد أكّد الباحث والمؤلف منذ أوّل شذرة تلت عنوان العنصر المعنيّ بهذه المسألة بأنّه ثمّة إكراهات راهنيّة تقوّض ما له صلة بامكانية نحت تجربة مخصوصة خاصّةا على مستوى النظريّ، حتّى أنّه في ما بعد تمّ التغافل على مسائل عديدة لخّصها المؤلّف في أربع نقاط، ألا وهي تحديد الرهان من وجود المسرح واشتغاله في حيّز الحقل المدرسي، وتحديد البرامج بما يتلاءم والحاجة العمرية، وتمكين المرشدين المسرحيين من معرفة وضعيتهم من حيث هم مدرّسين أو مسرحيين، ثمّ معضلة الفضاءات في المدارس، وزيادة على ذلك يمكننا لفت الانتباه إلى أن هذه المسألة مازالت رغم انتشارها حكرا على مدارس دون أخرى، بما يخلق فوارق تعليميّة كبيرة بين تلاميذ هذه المدرسة أو المعهد وتلاميذ مدرسة أخرى حدّ الآن لم يعرفوا عن المسرح شيئا.

سيبدو لنا أنّ كلّ من مسرح الطفل والمسرح المدرسي، على مدى أهمّيتهما فإنهما ظلا يعيشان هنات كثيرة، مثلهما مثل المسرح الجامعيّ الذي تحدث عنه مؤلف الكتاب بعد سرد ارهاصات استنباته ثم المنعطف الذي شهده بعد الوهن الذي أصاب المنظمة الطلابية الاتحاد العام لطلبة تونس، وبعد الافصاح على جملة من التجارب المهمّة والرائدة التي شهدها، وتبيان الهياكل والمهرجانات التي احتضنته، بوصفه قائلا “علينا أن نستنتج أن بواعث الاقبال على المسرح الجامعي تختلف من حقبة إلى أخرى”، بما يعني أنه يفتقر حدّ الآن إلى مشروع واضح يجعله كيانا قائم الذات.

  • التكوين المسرحي: عقدة غورديوس أو في العودة إلى مصير البذرة

بعد تقديمه المفصّل لتاريخية التكوين المسرحي في تونس منذ أوّل النشأة مرورا بمولد مركز الفن المسرحي وبدايات التكوين الجامعيّ والمنعطف التعليمي مع منظومة إمد، ووصولا إلى ما أشار إليه لغويّا بمصاعب التكوين الراهن، قدّم لنا محمود الماجري ملحقا مهمّا يعنى “بأهمّ المسائل المتعلقة بقضايا التكوين”، وتضمن أكثر من عشر نقاط، لعلّ أهمّها يعود إلى تحديد ما هو متعلق بالقضايا الفكرية والجمالية من حيث المنظور المسرحيّ وخلفياته، إذ لم يتمّ الحسم نهائيا في اجراء مساءلة نقدية بناءة تجاه سياسة “الأوربة” التي وقع فيها مسرحنا، أو امكانية انعطافه إلى إفريقيا أو الشرق الأقصى، وهذا دليل قاطع أن حيرته مازالت مستمرة في البحث عن كينونته وهويته الخاصة، لا من باب التقوقع على الذات أو التغريب وانسلاخه ثم ذوبانه في كيان مسرحيّ آخر، وإنما من باب امتلاكه لخصوصية تحدد طرق تفاعله ومكانته في اطار فعل المثاقفة وتناسج السياقات الثقافية التي تشهدها مسارح العالم.  من بين النقاط الأخرى التي طرحها مؤلّف الكتاب اشكالية التوجيه الجامعيّ التي تحرم عددا كبيرا ممّن لهم الرغبة في دراسة المسرح، وخضوع المعهد العالي للفن المسرحي إلى نفس السياق الزمني المحدد لبقية الجامعات الأخرى من حيث العطل وغيرها بما يجعل من المارد المسرحيّ يقنّن وفقا لنظام غير أنظمته الخاصة، ثمّ ندرة الشراكات مع معاهد أخرى، ولعلّ من أهمّ ما تطرّق إليه هو مواد التدريس خاصّة أنّ هناك أشكال تعبيرية جديدة هلّت علينا بعد الثورة.

سيبدو جليّا أن البذرة المسرحية التي تمّت زراعتها في تربة الحقل التونسيّ، ورغم كونها أينعت بشكل مميّز، إلا أنّها مازالت في حاجة إلى مساءلة وعناية كبيرتين، فهي وإن وهبتنا مسرحا نعتقد أنه الأفضل عربيا، ظلّت مسكونة بهاجس خصوصيتها ما جعل من مسالك التكوين المسرحيّ  وارهاصاته محفوفة بغير قليل من التصدّع، أو هو في حالة يصعب تحقيقها خاصّة أننا ندرك أن نقاطا مهمّة أوردها مؤلف الكتاب في ملحقه المعنيّ بمسألة التكوين لم يتمّ ادراجها بشكل واضح حدّ الآن. إنّ وضعية كهذه تذكّرنا كثيرا بـ”عقدة غورديوس” حيث لم يستطع أحد فتحها، لأنّها كانت تتطلب صرامة في ذلك ما جعل من الاسكندر المقدوني يستخدم سيفه عنوانا للحظة شطبها النهائيّ، فهل آن الأوان لتكون ثمّة قوّة ما فكرية/أكاديمية تطعن بشكل حادّ في كلّ قوة من شأنها أن تمنع  المسرح ومتطلباته النظرية والابداعية في أن يشهد منعطفا جديدا يهب له البهاء الذي نحلم به؟

  • المسرح بين الاحتراف والمهنة: قرابين بالمجان

في شذرة تضمنها الكتاب تقول “إنّ الهوّاة مهما تفانوا (في أعمالهم) فإنّهم غير قادرين على الاستجابة إلى الانتظام الكامل الذي يتطلبه المسرح حتى يحافظ على كيانه”، نفهم من خلالها أنّ المسرح التونسيّ في سياق تاريخيّ معيّن بات يشهد نقلة نوعيّة نحو الاحتراف، بما يعنيه خروجه إلى ما هو تنظيميّ، وتحوّله إلى نشاط ضروريّ يضمن “تطوّر الحياة المسرحية”، كما أنه بات يطرح اشكاليات انتاجية من حيث تحقيق الأمان المادي لصنّاعه، ومن هنا تمّ استنبات الجسد الاصطلاحي “المهنة” في حقوله، إلا أنه بالنظر في القوانين والتشريعات التي عالجت هذه المسألة، والمسافة الزمنية بين تحقّقها وما سبقها من حراك ودعوات إلى ذلك، ووفق ما أدلى به الكمّ الكبير من الأرقام والمعلومات والتواريخ التي تضمنها الكتاب، لن يتبادر إلى ذهننا إلى ضرب من ضروب التهكّم الأسود حول حالة المبدعين والمؤلفين والمسرحيين الناشطين في هذا القطاع، بما يجعلهم محض قرابين لخشبة المسارح أمام تدهور مقدرتهم المالية وحيف استحقاقاتهم المخجلة، خاصّة من حيث الضمانات المهنية كالتغطية الاجتماعية ومشاكل التكوين وتجهيز الفضاءات.

وحتى أنه تتالت الدعوات رغم ضعفها بغاية تجاوز الأوضاع الهشّة، إلا أنّ الأمر ظلّ رهين التصنيفات الشكلية للفنانين والفنيين الدراميين وللمؤسسات ما إذا كنت عمومية أم خاصّة، حتى أنّ نفس التمفصلات ظلّت تتكرر من حقبة تاريخية إلى أخرى، ولم تكشف إلا عن نصوص تشريعيّة عجزت السلطة نفسها عن تطبيقها. ولا نبتئس مرّة أخرى حين نقرأ شذرة ثانية من الكتاب تقول بأنّ “الفرق الجهوية والفرق الخاصة والمسرح الوطني ظهرت إلى الوجود تزامنا مع استعمال مفهوم للاحتراف دون أن تكون متطلبات وجوده قد توفّرت بالفعل”، وهذا وحده كفيل بجعلنا الآن نتواضع ونعيد النظر في راهننا المسرحيّ من حيث اشكالياته التنظيمية والقانونية والهيكلية، بغاية تقويض هشاشة الوضع التراجيدي لصنّاعه، وتقييم عمل النقابات المتحدثة باسمه بعد عجزها عن إرساء برنامج أو مشروع واضح، على أن يتسنّى في ما بعد العمل بشكل جدّي “بما يجعل من الاحتراف واقعا حيّا“.

  • من التمثيل الفردي إلى سطوة الإعلام

يبدو أن الجامعي محمود الماجري لم يترك مسألة عن المسرح التونسي إلا وسلّط عليها الضوء، إذ ينتقل بعد رصد جملة القطاعات المسرحية واشكالياتها الفنية والهيكلية إلى مساءلة المختلف/المؤتلف في مسيرة القائمين على الأعمال الفردية، ومكانة انجازاتهم في نظر الجمهور كما وسائل الاعلام، حتى أن المشترك في ما بينهم  وجد اشتغاله في كونهم جميعا انتموا إلى هياكل مسرحية هاوية ومحترفة، ما سمح لتجاربهم أن تمر بأشكال مختلفة خاصّة من حيث التمثيل، كما أن عددا منهم لم يتلق تكوينا مسرحيا مخصوصا بقدر ما تآلف مع المسرح عن طريق العمل الميداني”، على غرار تمكّن أغلبهم من حصاد شهرة واسعة إضافة إلى تجربة البعض السينمائية والتلفزية، أمّا المختلف فقد تمحور حول طرق تناول المواضيع التي عالجتها تلك الأعمال سواء من حيث نقدها للأوضاع الاجتماعية والسياسية أو اهتمامها بما هو شعبيّ خالص.

مثّلت مرحلة ما بعد 14 جانفي منعطفا مهمّا بالنسبة إلى هذه التجارب، خاصّة بعد أفول الرقابة المسرحية، لكن ولد وحش رقابي جديد مفاده السلطة الرابعة، حتى أنّه نشرت مئات المقالات الصحافية تصدّت لما خالته ضعفا فنّيا في تلك الأعمال، ولما رأت فيه تعدّيا على ما هو أخلاقيّ. وفي معرض تحليل هذه الظاهرة ذهب الباحث محمود الماجري إلى القول بأن تناولا اعلاميا يتخذ له منحى كهذا الذي ذكرناه سلفا، ما هو إلا تناول متسرع، خاصة وأنها – الأعمال- تمثل ظواهر فنيّة مازالت تحفر وتراكم باحثة عن خصوصيتها. وإن كان هذا الرأي فيه الكثير من الوجاهة، فإنه عائد أيضا إلى تخلّي الساحة النقدية وغيابها ما سمح للاعلامي أن يلعب دورها بما له من فقر أكاديميّ وفكري حول الفعل المسرحيّ، وليس أدل على ذلك ما صرّح به صاحب الكتاب في أوّل سطر من مقدمته  بالقول “إنه لمن المفارقات الصارخة في المسرح التونسي كثرة الانتاج وندرة الدراسات”.

  • المسرح والجسد الكتابي

استند محمود الماجري في معرض حديثه عن النص المسرحيّ التونسي إلى جملة من الكتّاب والباحثين والدارسين ممّن حفروا في هذه الظاهرة، وقد كان ذلك عبر شهادات حيّة لهم مثل تصريح عز الدين المدني في المعهد العالي للفنّ المسرحيّ سنة 2009، أو  شهادات كتابية لبعضهم مثل سمير العيادي، أو مؤلفات لنقاد حاولوا تصنيف النصوص، من بينهم حمادي بن حليمة وعمر بن سالم ومحمد السقانجي ومحمد مؤمن وحافظ الجديدي . وفي هذا الاطار لفت الانتباه إلى تجارب حديثة نظرا إلى ما  لها من الأهمّية الكبرى في إعادة النظر إلى النص المسرحيّ، خاصّة مع فاضل الجعايبي والجبالي وعزالدين قنون وغيرهم، إذ تمّ الاتجاه إلى تقويض مركزية النص بما يجعله “مساهما في تطوير الكتابة الدرامية نفسها وجعل النص المسرحي التونسيّ أكثر تجريبا وحداثة”.

لقد قادت هذه الرحلة التي صاحبت مسارات تشكّل النص المسرحيّ إلى نقطتين مهمّتين، الأولى عمادها التساؤل عن الجدوى من الحديث عن النصوص وكينونة ذواتها بوصفها لم تعد الرهان الأول والمركزي في الفعل المسرحي، أما الثانية فقد توّجت بعجز المسرح التونسي على انجاب كاتب مسرحيّ كبير يتنافس المخرجون والمنتجون على ترجمة منجزه اللغوي مسرحيّا.

خاتمة: محنة الغائب

قدّم الباحث في خاتمة كتابه جملة من اشكاليات  تطوف بالمسرح التونسي  لم تعالج بعد، لعلّ أهمّها غياب الاحصائيات وحصر عدد المشتغلين في هذا القطاع، وضبابية الأرقام المالية المسندة إليه، واتساع المسافة الفاصلة مع الجمهور والجهل بمتطلباته، وأزمة البنى التحتية التي نشهدها يوما بعد يوم، والخطر الليبرالي من حيث تأثيره على السياسات الانتاجية، وهو – المؤلف- إن نبهنا إلى خطورة هذه الاشكاليات وأهمية البحث فيها، منطلقا لنهاية كتابه وزرع آفاق بحثية جديدة تحرّض الباحثين والدارسين على الاشتغال عليها، فإنّه يمنحنا سندا معرفيّا لتقويض ثقافة ادعاء الأفضليّة المسرحية ودحض الغوغاء الاعلامية وكبح جماح البعض في اطار معاركهم المسرحية التي تطفو على السطح من حين إلى آخر.

لقد مكّنت المحصلة الكتابية لـمسارات نحت الذات الكشف عن سيرورة المسرح التونسي وسيرة نجاحاته المبهرة، كما نبّهت إلى مناطق ضعفه الكثيرة، وعليه فإنّه من الأحرى بنا التوجّه إلى معالجتها قبل أن تتفاقم وتتحوّل إلى ورم مرضيّ قد يصيب مسرحنا في مقتل، بدل خوضنا تلك المعارك المحلّية والعربية باسم التفوّق الفنّي، لأنّها حتما ستجعلنا حبيسي الرّاهن، سجناء المعادلة: المعادلة التي تحرمنا من الاطلاع على أشكال تعبيريّة جديدة باتت تحشر نفسها على الساحة، والتي تعمي أبصارنا عن مولد فرجات جديدة وسائطية وافتراضية. كما من شأنها أن تحوّلنا إلى محض كائنات تحنّ إلى تجارب سبقتنا نتيجة عجزنا عن تفكيك راهننا الفنّي ومتطلباته ومجرياته.

 

– تجدر الاشارة إلى أن العبارات الواردة بين مضفرين تعود إلى مؤلّف الكتاب. [1]

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.