“قانون العباقرة” مسرحية سياسية تنتصر للفن في زمن الوباء

 

 

على موقع “بوبليك سينا” قناة مجلس الشيوخ الفرنسي تُبثّ هذه الأيام مسرحية “قانون العباقرة” التي كان من المفروض أن تعرض على خشبة مسرح “لا سكالا” بباريس، وهي من تأليف فرنسوا دو بروير وإخراجه وتمثيله يطرح من خلالها سؤالا يتداوله السياسيون “ما جدوى الفن؟”.

تستعرض مسرحية “قانون العباقرة” مجتمعا متخيّلا كما يزعم فرنسوا دو بروير، فيما هو صورة عن المجتمع الفرنسي اليوم، حيث يبرز نائب من نواب الشعب كخصم لدود للفن والفنانين، و”يحلم” بعالم يكون قد تخلّص منهم بشكل نهائي لا رجعة فيه لأسباب ذاتية لا علاقة لها بجوهر الفن ومراميه ولا بتياراته ومدارسه، وإن كان سيتهجّم عليها بغير علم.

وهو ما يعطي المسرحية بعدا سياسيا، فالنائب ريمي غوتار يريد أن يعرض مشروع قانون يحمل اسمه يلغي الفن ويستأصل الفنانين من المجتمع بدعوى أنّهم غير منتجين يعيشون عالة على المجتمع ولا يقدّمون له ما يفيد، فيجد دو بروير في ذلك فرصة لتخيّل مجتمع خال من الفنانين في نوع من الديستوبيا التي تحذّر أصحاب القرار في فرنسا من مغبة تحجيم دور الفنانين.

ساعة ونصف الساعة من المواقف الطريفة والنقد الساخر

ساعة ونصف الساعة من المواقف الطريفة والنقد الساخر

وحيدا على الخشبة يؤدّي دو بروير نحو ثلاثين دورا بين صحافي ومتظاهر ومهرّج وطبيب تحليل نفسي ورضيع ونائب شعب وأقاربه ورفيقته السابقة وما إلى ذلك من أدوار يؤدّيها متنقلا من هوية إلى أخرى، دون أن يغيّر زيّه، فلا أزياء هنا ولا إكسسوار ولا ديكور، بل مجرد كرسيّ يجلس عليه البطل بين الحين والحين على خشبة عارية.

ورغم ذلك يستطيع المشاهد أن يفهم الشخصية المقصودة، ويتابع تنامي الحكايات المتداخلة عبر سيرة ذلك النائب فقط بتغيير نبرة الصوت والتنقّل على الخشبة، ويتوصّل إلى جعل المشاهد يعيش الأماكن التي يتحرّك فيها البطل من شقة عائلية إلى متحف ومن بلاتو تلفزيون إلى مظاهرة أمام البرلمان ومن عيادة طبيب تحليل نفسي إلى مكتب رئيس دولة أشبه بالملك أوبو بطل ألفريد جارّي ليخلق في النهاية نوعا من العرض الفرجوي يلتقي فيه الضحك بالتأمل الأخلاقي والسياسي.

وتنبني المسرحية رغم لوحاتها وشخصياتها المتعدّدة على بحث في سيرة نائب الشعب ريمي غوتار منذ ولادته، والمسيرة الخائبة لوالده الذي كان حسب طبيبه المتخصّص في التحليل النفسي “سيناريست فاشل، ولكن شيزوفريني عبقري”، إلى انفصاله عن زوجته التي هجرته لتعلَق فنانا “كريها مقيتا”، حسب عبارته. وبتجميع هذه القطع المربكة ندرك أسباب كره النائب ريمي غوتار للفن والفنانين، وندرك أن الرجل مضطرب نفسيا، فهو لا يحلم أبدا، وذو ذاكرة مخرومة، إذ يعترف بنفسه أنه لا يتذكّر شيئا.

تسرد المسرحية إذن سيرة ريمي غوتار منذ اللحظة التي سبقت ولادته من أمّ محبطة وأب فنان فاشل، وتصوّر مختلف المراحل التي مرّ بها من طفولته إلى شبابه حين زار أحد متاحف الفن المعاصر صحبة زميلته الطالبة التي كانت منبهرة بالأعمال الفنية المعروضة، فيما لاحظ هو أنّ “النظر إليها أعسر من رسمها”. ثم بعد أن تخرّج وأصبح مؤرّخا وانتخب نائبا في البرلمان لم ير من الأدواء التي تنخر مجتمعه سوى الفن.

ومن ثَمّ يعدّ مشروع قانون لاستئصال الفنانين جذريا من كل ما له صلة بالفن “تلك الطائفة غير المنتجة” على حدّ تعبيره، وتأهيلهم في ما ينفع الناس في حقول أخرى ذات إنتاجية ملموسة.

فينبري يدافع عن مشروعه متحاملا على زملائه وقادة حكومته الذين لا يعادون مثله الفن وأهله ولا يؤيّدون مشروعه. فكان من بين من تصدّوا له ريجيس دوفلو أحد الفنانين التشكيليين الذين تجد أعمالهم رواجا كبيرا في السوق، وقد تحدّاه في لقاء تلفزيوني مباشر ليثبت تهافت موقفه. ثم يلتقي بمهرج شحاذ يعشق بيكاسو قبل أن تنفتح المسرحية على عالم سلطوي متخيل.

المسرحية تسرد سيرة ريمي غوتار منذ اللحظة التي سبقت ولادته من أمّ محبطة وأب فنان فاشل، وتصوّر مختلف المراحل التي مرّ بها من طفولته إلى شبابه

وفضل المسرحية أنها لا تضع شخصياتها في ثنائية مانوية يواجه فيها فكر الأنوار الظلام والرجعية، بل تستغل المواقف لتبدي وجهات نظر كلّ طرف، فتستبطن نقدا خفيا للفنانين أنفسهم، وخضوع بعضهم للسوق تصنع منهم أثرياء عن أعمال مفبركة، ودور رأس المال في خلق الشهرة والجاه والحضور الإعلامي، وتكريس أسماء دون غيرها، رغم أعمالها المتواضعة.

“قانون العباقرة” هي ساعة ونصف الساعة من المواقف الطريفة والنقد الساخر، وهي أيضا تأمل عميق في مفهوم الفن وغاياته وجدواه وعواقب التعامل مع المبدعين ككيانات كمية. وهي إلى ذلك استعراض لما يحفّ بالعمل الفني كتثقيف النّاس والمساهمة في خلق رأي عام، مثلما هي نقد لاذع لانحراف بعض الفنون نحو غايات تجارية كما هو الشأن مع الفن المعاصر.

ولكن جوهرها يهدف إلى الدفاع عن الفن خاصة في هذا الظرف الصحي الذي بدا فيه أن الساسة يقلّلون من قيمة الفن ويبخسون دوره، حيث سمحت الحكومة الفرنسية للمتاجر والمعابد والمصانع والمدارس والمعاهد والمؤسسات الإدارية بمواصلة العمل، بينما يتواصل منع المسارح والمتاحف وأروقة الفنون من فتح أبوابها للجمهور، والحال أن المسرح كما قال ألفريد دو موسيّ “عالم بأسره يَحمله كلّ واحد طيّ جوانحه”.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح