أخبار عاجلة

في صحبة السحرة .. المنسي.. جاسم العبودي

 

 

علي حسين 

 – 1 –

أخيراً جازفت وطلبت من الأستاذ جاسم العبودي، أن يسمح لي بنشر حديث من الأحاديث التي كنت سجلتها له على أشرطة سوني، بجهاز تسجيل أهداني إياه بعد عودته من أميركا، كان ذلك عام 1982، في ذلك الوقت كنت قد أصدرت كتاباً عن الإخراج المسرحي في العراق، وكان الأستاذ قد سخر من حماستي لبعض الأسماء المسرحية، وقبلها نشرت لي مجلة الثقافة حلقات متسلسلة عن مسرح يوسف العاني، ومن سوء حظي أن  الأستاذ قد قرأ الحلقات الأولى منها ، ووجد أنني لم أولي أهمية لدوره في إخراج أولى مسرحيات يوسف العاني القصيرة “ماكو شغل و”تؤمر بيك” عام 1954 .  

قال لي معاتباً: “يجب أن تعرف أنني أوّل من وضع  الصيغة الجديدة للمسرح الشعبي العراقي”، كنت أعرف طبع الأستاذ، فهو دقيق وجاد ولايهادن أو يجامل، وقال لي يوماً حميد محمد جواد :” ياولد مالك تدور حول جاسم العبودي، انه صعب المراس”، وقتها استمعت لتعليقات الطلبة والأساتذة عنه وكلها  تحذرني من الاقتراب من هذا الرجل الذي لا يتسامح حتّى مع الخطأ البسيط في الحياة، فما بالك وأنت الشاب الصغير الذي لا تملك خبرة في الحياة ولم تعرف من المسرح إلا ما جادت به الكتب القليلة التي أتيح لك الإطلاع عليها .

الغريب أن جاسم العبودي بعد أيام، وافق على أن انشر الحوار، وهنا بدأت المشكلة، ماذا سأنشر من الحوار المطوّل، كيف أحوّل الجلسات الطويلة التي تناقشنا فيها حول الأدب والمسرح إلى حديث صحفي، لم أكن واثقاً من قدراتي على اختصار محاورات طويلة كانت أشبه بمساجلة مسرحية كنت بدأتها بسؤال عن نظرية ستانسلافسكي وهل صحيح أن جاسم العبودي هو المخرج العراقي الوحيد الذي طبّق مبادئ هذا المخرج الروسي الشهير، آنذاك نظر إليَّ وبدت على تقاطيع وجهه الصارمة ابتسامة خفيفة ليقول بعدها : ” طريقتي في إخراج العمل المسرحي تعتمد أولاً على النص المسرحي، قد يبدو هذا الأمر الآن لبعض المخرجين غير فعاّل، لكنه الوصية الأولى لستانسلافسكي، النص الجيد يمنج عملاً مسرحياً جيداً ” توقف قليلاً ثم أكمل حديثه: “المخرج يجب أن  يؤثر في المتفرجين، ويأخذهم معه حيث أراد، القضية الأخرى والمهمة بالنسبة لي، انني أساعد المتفرج على الاستمرار في متابعة المسرحية، وهذا الأمر لايأتي من دون إحراز أكبر قدر من تصوير الحياة ذاتها على خشبة المسرح”.

والحقيقة أنني ما كنت استطيع أن أبدأ مع جاسم العبودي بالسؤال واطلب الإجابة، فهو يكره مثل هذه الطريقة ، وحتّى عندما كنت احاول أن استدرجه في الحوار، كان يُحول السؤال والجواب إلى حوار.. حوار يصوّر الشخصية أكثر مما يصوّر الموقف، ويكشف دوافع الشخصية قبل أن يكشف موقفها من السؤال، وقد اتبعت معه هذه الخطة – لا أسأل – وإنما أطرح قضية مسرحية للنقاش، بينما انظر الى ملامح وجهه، فإذا به ينصت باهتمام شديد، ثم يبدأ بالكلام متدفقاً، وكنت أجد متعة وأنا انظر الى الأستاذ العبودي مندمجاً في حديث عن عشقه الأول والأخير للمسرح، إنه يطبّق طريق ستانسلافسكي حتّى في الحديث،  يتقمص، ثم يندمج، بعدها يتكلم من خلال تلوين صوته وكأنه يؤدي دوراً مسرحياً، وينسق مع الكلام حركة يديه ، وجلسته، أنه يحاول أن يستأثر بك، فتنسى موضوع الحوار وتكتفي بمتعة رؤيته وهو يتحدث.

****

انتظرت الى أن انتهى من استرساله لأقول له: ماذا يريد أن يقول جاسم العبودي من على خشبة المسرح ؟

وهنا قال جاسم العبودي: “إن كل أعمالي المسرحية لها هدف اجتماعي وسياسي أولاً، وقد تمَّ ذلك على نحو ما كان يسمح به الجو السياسي العام، العنصر السياسي يجب أن يدخل ضمن مضامين العمل المسرحي، ولهذا قبل أن أشرع في اخراج عمل مسرحي، أجلس مع نفسي لاستخراج التصوّرات الخاصّة ذات البعد الاجتماعي والسياسي الموجودة في النص المسرحي، بعد ذلك احاول أن أخفي هذه التصورات في ثنايا العرض المسرحي، لأترك في النهاية مساحة للجدل الحقيقي بين العرض المسرحي والمتفرج، كنت وما ازال اؤمن أن علينا أن لاندفع المشاهد الى هدفنا دفعاً، بل يجب أن يهتدي هو الى الهدف من تلقاء نفسه”.

يميل جاسم العبودي الى تقديم النصوص ذات القوة الدرامية، وإذا استعرضنا أشهر مسرحياته التي قدّمها سنجد “عطيل لشكسبير، البخيل لمولير، الحقيقة ماتت لعمانؤيل روبلس، كلهم ابنائي لارثر ميلر،  حفلة سمر من اجل خمسة حزيران لسعد الله ونوس، الأسوار لخالد الشواف، موتى بلا قبور لسارتر، العادلون لابير كامو “فهو مخرج جاد في اختياراته ، وهو جاد في إدارته للمسرحية : “انا لا أعبث بالنصوص ولا اتلاعب  بجمهور المشاهدين، تعلمت من أستاذي حقي الشبلي، أن المسرح خُلق ومبادئ، وأضع دائماً نصب عينيَّ أن المسرح يصنع الخير والجمال “لكن العبودي بعد سنوات سيختلف مع أستاذه الشبلي في فهمه لطبيعة الإخراج المسرحي، فعميد المسرح العراقي الذي درس في باريس، كان متأثراً بطريقة المصري جورج ابيض، وهي الطريقة التي تعتمد على تصوير المظهر الخارجي للشخصية، حيث كان الشبلي يعد المظهر ومتغيراته هو منطلق التمثيل وهو الذي يؤثر في السلوك الشخصي، ولذا كان الشبلي يهتم كل الاهتمام بطرازية الحركة وطرازية الإلقاء، حيث يتشدد كثيراً في وقفة الممثل ووضعيته الجسمانية في الجلوس والوقوف وفي طريقة مواجهته للمتفرج، وعندما سألته عن  نقاط الاختلاف بينه وبين أستاذه حقي الشبلي؟ استعدل العبودي في جلسته  ثم قال وفي عينيّه بريقٌ مثل الحنين لأيام مضت: ” كنت قد عدت من  شيكاغو عام 1953 بعد حصولي على شهادتي البكالوريوس والماجستير في فن الإخراج المسرحي، وهناك قرأت ودرست طريقة ستانسلافسكي  التي  يدعو فيها إلى دراسة الشخصية المسرحية وتحليل أعماقها ودراسة المشهد المسرحي بكل مقوماته ومكمّلاته الفنية الأخرى من ديكور وموسيقى وإنارة إضافة إلى اهتمامه بدراسة العناصر الأساسية للإخراج المسرحي، هذه العناصر التي تتحدد ضمن الأسس التي وضعها ستانسلافسكي، وهي تكون في الحركة والتصوير التخيلي والإيقاع والأداء الدرامي الصامت وهي اشياء كانت جديدة على المسرح العراقي آنذاك. 

كان جاسم العبودي يخضع المسرحيات التي يخرجها لشرطين أساسين، الشرط الأول: القيمة الفكرية للنصّ المسرحي ومدى اقترابه من هموم الناس، والشرط الثاني: قيمته الفنية: “دائماً استحضر مقولة ستانسلافسكي: (إن فن الإخراج يبدأ عندما يعبّر المخرج عن مضمون المسرحية ويكون مترجماً أميناً لأفكارها) وقد شغفت بهذه التعاليم لجدتها وحيويتها”.ووجدت نفسي مضطراً لأن أطلب من الأستاذ أن نتوقف قليلاً للحديث عن علاقته كمخرج بالممثلين، أذكر أنه سرح قليلاً ثم أجاب: “بروفاتي صارمة جداً، بشكل دقيق، أحب دائماً مفاجأة الممثل، فأنا لا اكره شيئاً اكثر من توقف الممثلين عن الاكتشاف، عندما يركنون الى بعض الطرق التمثيلية التقليدية، كنت وما أزال اسأل نفسي: كيف يتسنى للممثل، جذب المتفرج الى صفه”.

أنت تؤمن إذن أن الممثل هو صاحب السلطة الأولى في العرض المسرحي ؟ 

لم تفهمني جيداً، هكذا أجاب بكلمات مختصرة وهو ينظر الى الطلبة الذين يملأون ساحة كلية الفنون الجميلة، ثم يجيب بحزم: “المخرج هو سيّد المسرح وهو منظم العرض المسرحي وهو الذي يتحمل كل أعباء المسرحية، وينظر إلى كل مرحلة فيها نظرة تمعّن ويبذل كل جهوده لربط شخصيات المسرحية في وحدة فنية متكاملة مضيفاً إليها عنصر الإنارة والديكور والموسيقى”. 

والممثل أين تضعه ؟ 

– هو واضع البذرة الأولى في العرض المسرحي.

يعترف جاسم العبودي أن مهارة المخرج تكمن في قدرة على إعادة صياغة الممثلين: “العمل المسرحي الجيد هو الذي يستطيع فيه المخرج أن يستفز عقول الممثلين، ويستخرج منها أفكاراً تغني العرض المسرحي ، إن على المخرج أن يستخرج من الممثل كل ما موجود في مخزون أحاسيسه، ومساعدته في كشف أعماق الشخصية التي سيقدّمها، لكي يتمكن من التفاعل معها، بل مساعدته في الربط بين الشخصية والواقع الذي يعيشه الممثل”.

هل تؤمن بأن المسرح بإمكانه تغيير حياة الناس؟ 

– نعم أنني أومن بأن للفن قدرة على تجميل الحياة، الشعار عندي وقد تعلمته من أستاذي محمد مهدي البصير (قيمة الثقافة تكمن بقدرتها على الارتقاء بالناس).

اليوم نتذكر تلك الروح العذبة، النقدية حدّ التجريح، والمرحة في أوقات الصفاء، الراصد لأصعب لحظات الحياة وأدقها لتكون موضوعاً لمسرح عشقه حدَّ التماهي، لكن المسرح أصر على نسيانه.

 
———————————————————
المصدر : مجلة الفنون المسرحية –  المدى 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.