أخبار عاجلة

في رحيل عبد الصمد دينية… رثاء في مقام مديح ، كم حلت بين الناس وبينه – عبد المجيد فنيش #المغرب


في  رحيل عبد الصمد دينية…
رثاء في مقام مديح ، كم حلت بين الناس وبينه – عبد المجيد فنيش #المغرب
     ترحل يا عبد الصمد، في زمن الرحيل الهادئ، دون مراسيم في حجم الخطب، و لا سرادق عزاء يستوعب آلاف الهمم التي كان من البديهي أن تشيع الجثمان الى مثواه الاخير في الدنيا، نحو اتجاه جنة الخلد حيث النعيم جزاء لما تركت  من علم في فنون ينتفع به، و هو صدقة جارية منذ  ان قلت اول كلمة لك، وخطوت اول خطاك في الدراما المغربية، الى ان لقيت اليوم ربك الكريم.
تغادر يا عبد الصمد، و قد تركت خلفك عالما دراميا متكاملا موسوما بأصالة معرفية و جمالية مجادلة لثقافات الناس جميعا، و منفتحة عليها متفاعلة معها، وانت الذي اخرجت بعض روائع كلاسيكيات المأساة عند شكسبير( عطيل), وفي نفس الآن ، – ومع نفس الفرقة الفقيدة العزيزة المعمورة- تخرج خالدات الكوميديا الإنسانية مع العلم موليير، وذلك عبر المعلم الفقيد احمد الطيب العلج, و اخريات مقتبسات مستنبتات،  او مترجمات لآخرين.
رحلتك يا عبد الصمد في حياة الاخراج، جابت دروب مختلف اجيال وحساسيات الكتابة الدرامية المغربية لفائدة جماهير العروض الحية، مع كتاب من امثال، الفقيد عبد الكبير الشداتي…
ومع عبد الحق الزروالي كانت لك يا عبد الصمد محطة ذات معنى جميل في سياق بديع ، من خلال مسرحية *عتقو الروح * ، التي  قدمت فيها يا عبد الصمد الوجه الاخر لعملتك الدرامية ، المتمثل في مهنيتك التجريبية المتحررة من ضوابط الدراما التقليدية التي انحزت فيها اجمل اعمال المسرح المغربي واساسا مع فرقة المعمورة…
  كانت  محطتك مع عبد الحق الزروالي مؤلفا، و عبد الوهاب الدكالي ملحنا،  سنة 1997, و قد كنت انا- محدثك اللحظة –  محظوظا بالمشاركة في هاته التجربة كممثل، الى جانب عبد الله العمراني رحمه الله،  محمد بلهيسي،   لطيفة حرار، خلود البطيوي، الزروالي، ورفيقتك شريكة حياتك  الممثلة السيدة نعيمة الوادني, نسال الله لها والابناء جميل الصبر و السلوان.
ومع الفنان أنور الجندي، كانت لك يا عبد الصمد رحلة ثنائي مسرحي من جيلين، عبر تجربة متنوعة في بداية  مسار فرقة {مسرح فنون لفاطمة بنمزيان}، التي اعلنت آنذاك منحى كوميديا جديدا بناء و خطابا،  وبجيل تشخيصي جديد ، فكانت سلسلة من المسرحيات الإجتماعية الهادفة المجسدة لنبض الشارع المغربي والعربي، بطرح قضايا هامة في قالب فكاهي “الدبلوم والدربوكة” حيث قارن المؤلف بسخرية  بين العلم والشواهد ، وبين الفن الشعبي التافه، و”سعدي براجلي” و” الله يطعمنا حلال ” و” وسطار أكاذيبي”…الخ
هكذا كنت يا عبد الصمد، رجل مهام تأسيس المنظومات الدرامية في المغرب، وفي كل منظومة كانت لك الكلمة المفتاح على مدار أكثر من نصف قرن.
وقبل كل هذا – وموازاة مع بعض من هذا – و حتى من ذاك، فانك يا عبد الصمد ، كنت قد تكرمت اطفال سبعينات القرن العشرين، وانا واحد منهم – في السنوات الاولى من تأسيس التلفزة المغربية –  بأجمل فرجة تربوية حين كنت أحد أعمدة الثنائي  بوبي و جاكي، وهو ثنائي مؤسس لما سيأتي لاحقا من تجارب  رائدة في مسرح الطفل.
وانت يا عبد الصمد، هو رجل السينما والتلفزيون بكل امتياز، داخل المغرب و خارجه، من خلال اخراج العديد من الانتاجات الدرامية، الى جانب عديد الاعمال الإذاعية من مسلسلات و تمثيليات و برامج كذلك، ايام كانت اذاعتنا الوطنية حصنا و ملاذا  للدراما ، قبل حل فرقة التمثيل والتخلص حتى من البناية التي كانت تحتضنها، و ايضا تحتضن  الاجواق الوطنية للموسيقى الاندلسبة،  والعصرية و طرب الملحون.
أيا عبد الصمد، إنك  أيضا الفاعل الأصيل بلمسات الابتكار، في عدد هام من دورات اعرق مهرجان فني مغربي، و هو المهرجان الوطني للفنون الشعبية الذي تحتضنه مراكش.
وانت يا عبد الصمد ، هو ذاك الانسان الباذخ في كل نبل  معاني الفنان المرهف الأنيق السموح الخلوق  .
أيا عبد الصمد ، ولو  رحلت في زمن الحجر الصحي  و ما يفرض من تباعد، فإنك ستظل في ذاكرة الناس كواحد من الثلة المناضلة التي صمدت  في وجه نوائب الدهر الغشوم ، من اجل بناء دراما مغربية تتجانس فيها المضامين مع الاشكال، في تركيبة سحرية مثيرة، ناطقة بلسان حال الألم و الامل.
و كيف لا تكون يا عبد الصمد بكل هاته الكاريزما، و انت المغربي الذي تمتد أصولك الى أيام بهاء العرب والمسلمين في بلاد الأندلس،  التي كانت المثل الانجح  لتعايش كل الثقافات.
عبد الصمد ، إنك حين ابدعت  دراما كبار كتاب العالم، فإنك بقيت وفيا لروح الجينات التي طبعت بناء شخصيتك المغربية بكل روافدها الباسقة. “ذو الوزارتين”  {لسان الدين بن الخطيب }
 أيا عبد الصمد، كم كنت شغوفا بان تظل في  الظل بعيدا عن الأضواء،  وكم كنت تتصبب عرقا من فرط الحياء حين يتم الضغط عليك،  لتخرج عند نهاية العرض لتحيي جمهورك، وأنت الذي لا تريد من القوم لا جزاء و لا شكورا.
كلا استاذي الفاضل الجليل، ان كنت قد حلت – طيلة حياتك – بيننا و بين مديحك ، فلن تحول الان بيننا وبين رثائك ، و ان هذا الرثاء لهو مديح ، و ان كان لا يستوعب حتى الأحرف الاولى من ابجديتك التي ضمت كل احرف كل لغات الناس.
لقد ملأت الدنيا صخبا ماتعا جميلا وانت بين الناس، و ها انت ترحل لتملا الدنيا اسى  وحزنا على فراق لم يحسب له احد منا حسابا.
لك سيدي عبد الصمد، جنة الفردوس،  جزاء لروحك على احسانك للناس في دنيا الناس.  
عبد المجيد فنيش – المغرب
سلا يوم الأربعاء 3 يونيو 2020.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح