في رحلتها الأخيرة فنانة تونسية تتحول إلى زهرة “آخر فرصة.. الأمل” عرض يستعيد روح المسرحية التونسية الراحلة رجاء بن عمار. #تونس

                                                                                                                      أجساد حرة تستعيد لحظات فنية

مثلت المسرحية التونسية الراحلة رجاء بن عمار رفقة زوجها المسرحي منصف الصايم ثنائيا فنيا مؤثرا في الساحة المسرحية التونسية، حيث قدما تجارب فنية مختلفة ومجددة، طال تأثيرها المسرح العربي، وحققت لها بصمة خاصة في بنائها للحظتها الفنية على الجسد. وفي خطوة استذكارية لأهم محطات الفنانة قدم رفيق دربها الصايم أخيرا عملا مسرحيا كوريغرافيا يعيد إحياء روحها على الركح.

“كغيمة في الريح/ نازلة إلى المغرب../ ولكني إذا حاولت أن أنساك…/ حطّ على يدي كوكب”. بهذه الكلمات للشاعر الفلسطيني محمود درويش نستذكر المسرحية التونسية رجاء بن عمار.

غادرت بن عمار الفنانة الجامعة لكل الفنون، التي تجد شمسها الجميلة داخل الجسد. غادرت المدينة تاركة وقع اليقظة في الأرجاء لنستمع دوي صوتها الرافض للظلم والسكون.

غادرت ولع الجماهير الرافضة للطغيان لتترك لها أثر الريح الذي بعثر بياض شعرها المتمرد. غادرت بقلب كبير أنهكته المعارك الخاسرة والحب الكبير والفيض الغزير للحياة.

غادرت الهويات القاتلة والشر المجاني والتربة العاقرة، تاركة أثرها وزرعها وزهرها وقوامها الرشيق وفنها، بالفن نفسه في تفاصيل من مرّ بها فلامسه جنونها وجمالها الغريب.

عادت بن عمار اليوم عندما دعاها رفيق الدرب المسرحي والوجودي والإنساني والكوني المخرج التونسي منصف الصايم إلى الركح ثانية، دعاها بكل الحب -الحب الكبير- دعاها عبر طريق النحل الطاير.

دعاها في فضاء جميل بإضاءة فنية لذيذة لروح رجاء الحاضرة أمامنا وشملت الدعوة حضور من يحملون روح رجاء جسدا ولعبا وزهوا وفرحا. فشاهدنا جسد رجاء من خلالهم بكل جماله الخارق والتواق للحرية السرمدية.

استعادة للحياة

 

                                                                      العرض يُحيي رجاء بن عمار عبر الأجساد الحرة الراقصة والتي تستحضر أهم محطات الفنانة على الركح وخارجه

 

في عمله المسرحي الجديد “آخر فرصة.. الأمل” يستحضر الصايم مسرحيا “الأمل”، الأمل في عودة رجاء إلينا وقد عادت بكل كلها.

يجلس الصايم “الملاكم” على الركح، وكأنه في حلبة الوجود صامدا مقاوما رغم هول الفقد والحزن بكل قوة التاريخ بينهما، بكل الحب الثابت بينهما، بكل يقين في فكرة الجسد تلك اللحظة المتحولة والفاصلة في تاريخهما الفني.

يجلس وينتفض ويصرخ ويضرب بيديه وصوته وجسده أركان الموت.

فهل يمكن للحب أن يحتمل كل هذا الحب الذي يحمله منصف الصايم لرجاء بن عمار؟

ما أكبر هذا الحب وما أصغر الموت.

مسيرة بن عمار المسرحية احتفالية بفنون الجمال خطتها رفقة زوجها منصف الصايم في تكوين لحظة مسرحية فارقة إبداعيا وحياتيا، عبر مسرح فو ودفاعها على فضاء “مدار” الذي حولته بأظافرها من خراب إلى فضاء مسرحي وسينمائي يستقطب المولعين بفنون الرقص والسيرك والمسرح والرقص.

مسيرة فنانة

 

الفنانة عاشت مسيرة فنية
مواطنية ارتبطت فيها مسرحياتها
بمشروع نضالي وطني فكانت
منارة الجمال وسط المظاهرات والمسيرات

 

عاشت بن عمار مسيرة فنية مواطنية ارتبطت فيها مسرحياتها بمشروع نضالي وطني فكانت منارة الجمال وسط المظاهرات والمسيرات التي طالبت بإسقاط النظام القمعي.

كانت ولا زالت منارة ضوئية لمن مروا معها في وسط هذا المخاض الجمالي السياسي. وقد نهلت من الفضاء الغربي الفني إثر مباشرتها للفن المسرحي والرقص بألمانيا مع منصف الصايم، لتعود إلى تونس محملة ببهاء روحي يقترن فيه جسد الممثلة بجسد الراقصة لتنتهج مسألة إشكالية ومهمة استطاعت من خلالها تجاوز أزمة المسرح في علاقته بالجمود النصي فأحيت نصوصها بجسد حي قادر على اكتساب حقيقته الخاصة به فكانت مسرحياتها تحمل خطوطا لغوية خاصة ومتفردة.

شاهدتها في مسرحية “هوى وطني” في محافظة الكاف ضمن برنامج الاحتفال بـ24 ساعة مسرح، كانت خارقة تقدم سيرة مواطنة تونسية تهوى الوجود داخل فضاء جغرافي تريده بأكثر حرية وكرامة.

كان تقديمها للخطاب الفكري المسرحي متفردا لأنها تبعث في النص المسرحي إمدادات شاسعة عن طريق الحركة الجسدية التي تستبطن الفاعلية الجمالية في تفاصيل لغوية تبتكرها ثم تأصلها عضويا مع بنية الخطاب، ليصبح بذلك نصا معروضا بأبجديات متنوعة.

جعلت بن عمار من الفن المسرحي سبيلا ومسارا جامعا لكل اللغات ومنفتحا على روح الموسيقى والإيقاع. لم تستكن يوما لا للسلطة ومقرراراتها ولا للظلم. قاومت بكل الطرق بالصراخ، بالفجيعة، بالثبات، باليقظة، بالحب.

عايشت تجربتها الإنسانية والمسرحية وعايشت لحظات استيعابها للألوان المختلفة في الجيل الحي الذي انتمت إليه، فجعلت من الشباب المختلف والرافض فنيا وفكريا قادرا على الخلق بكل اللغات الفنية.

تستقبلنا الفنانة بقوة جامحة للفعل وحكمة شاسعة من الصايم ليرحبا بأي مقترح لمشروع ممكن. لنستأنس الطريق الموحشة بحبهما الجامح للفن.

رجاء بن عمار سخية القلب والمهجة والذاكرة، تقتسم مع من يلتقيها الضحكة والسيجارة والمشي والربيع والذكريات لتنتقل فجأة لسؤال ما الذي يجب أن نفعله الآن وهنا.

لم تهجرنا بن عمار، هذا ما يؤكده لنا الصايم في هذا العرض الذي يحيي رجاء بين أركان الركح وتفاصيل الحدث بحركة جميلة من المجموعة التي تحمل في دقائق أجسادهم حكاية حب ..حكاية رجاء بن عمار.

الفنانة خرافة امرأة رشيقة وجميلة مأخوذة بهوس الفن كتعبيرة وحيدة وقادرة على تغيير كل شيء. هي طاقة جبارة على الرفض، رفضا قاطعا لكل أشكال التماهي مع قيم الظلامية الفنية والأخلاقية والسياسية. هي معلمة لكل الطرق التي تجعل من الممثل والراقص منبرا لتعبيرة متواضعة على الأرض.

تخبرنا بن عمار دائما بضرورة الانحناء للأرض التي تحمل ذنوبنا وأجسادنا دائما لنشكرها مجددا ونشكر الشمس والصباح والفجر والمساء، لأنها مجتمعة الدليل الوحيد على وجودنا في تلك اللحظة ومن هناك يبدأ طريق الخلق والإبداع.

ارتبط النظام المفهومي لبن عمار في رؤيتها المسرحية بالطاقة الخارقة للتعبير عن المستحيل لتجاوزه، وبالجسد الذي تعتبره المحرك الأساسي لتاريخ الإنسان، الفنان، المواطن.

نؤكد دائما على أن سر المقاومة يرتبط أساسا بالجسد الحر القادر على تجاوز علاته وجموده فينطلق من لحظة الحركة والنفس ليصل إلى الأبعد من ذلك، أي حرية فنية متحركة ومتطورة من داخل ذاتها ومنفتحة على الطبيعة والعالم وعندما تتفاجأ بهول الظلمة تجد في الجسد مرة أخرى النقطة المنطلقة للضوء.

زهرة الضفة الأخرى

 

                                                                                                                          جسد ثقافي منهك بتعلات خرافية

 

“آخر فرصة..الأمل” هو عنوان اللحظة المسترجعة التي نسجها منصف الصايم وملاك الزوادي وهدى الرياحي ومريم الصياح ومروان الروين ومحمد ضياء الغربي وهشام الشبلي وعماد جمعة.

هو عنوان العرض المبشر بعودة رجاء الحاضرة دائما لأن يقين الركح لا ينسى رجاء أبدا شأنه شأن خطوات المجموعة التي قدمت ببهاء ورقة فائقة وجمال برهان الوجود الحقيقي. وجود فنانة مرت على هذه الأرض لتداعبها وتشاكس ظلامها لتحمل قوس قزح على كفيها وتحمل الوطن كهوى صوفي.

يعود العرض إلى اللحظات المتفردة لرجاء بن عمار. بينما نجد الصايم على الركح ملاكما يصارع الطيف الشكسبيري للموت. أما هدى الرياحي فترقص على وقع الأغنية الفيروزية المفضلة عند بن عمار “طريق النحل”.

رقصت بروح رجاء المزهرة والمتفطنة لجرح الجسد الثقافي المنهك بتعلات خرافية، فكانت رحلة الرياحي مع رجاء مرسومة بطريق النحل كالنحلة التي يرتهن لها وجود البشر بحركات تستحضر الحياة الجامحة والتحرر من كل شيء. يجلس وراءها الصايم جاهزا لصراع الحلبة، حلبة الوجود الحي مضمخا بحزن أسطوري.

“إذا راح تهجرني حبيبي..وراح تنساني حبيبي” على وقع هذه الأغنية الفيروزية جاءت روح رجاء محيطة بمنصف على الركح وفي تفاصيل خيوط هدى الرياحي وأسود ردائها لتخفف وطأة التراجيدي الذي يختبره لوحده. فنراه يتحدث ويغني ثملا بالحب يداعب الفقد بالأغنيات، مبتهلا لمسيرة مسرحية تعني له ولرجاء كيفية وجود.

حمل العرض إحياء رجاء عبر الأجساد الجميلة لملاك وهدى ومريم، الأجساد الحرة التي صاغت لحظاتها رجاء بفساتين تحمل الأسود كقيمة ضوئية مشعة لكل ألوان الطريق.

علاقة رجاء بالفستان الأسود ميتافيزيقة مرحة لجسد رقيق مضيء لدروب الفصول الأربعة.

تقدمت خطوة مروان ومحمد وهشام للرقص محاكاة للوقع المسرحي على الجدار، وفي أنحاء الفضاء يحيى الفراغ المهول بحضورهم الرقيق والباعث للأمل. أمل رجاء بن عمار في فكرة الفن الأخرى أن الخطوة المتحررة من الشر باعثة للجمال المطلق.

تتبع في العرض طريق النحل أين تذهب النحلة لتأتي بالحياة من الزهر عند الربيع.

في طريق النحل الباحث عن سر الوجود الغريب الذي يبحث الإنسان في جلالة وجوده عن الحياة ليغيب الإنسان مرة أخرى فيتحول إلى زهرة مثلما أخبرتنا رجاء عن رحلتها البعيدة بأنها ستتحول في الجانب الآخر من الحياة إلى زهرة تأتي إليها نحلة لتعيد صياغة الوجود مرة أخرى.

هناك حيث ترقد رجاء بن عمار. تحيا زهرة طيبة من روحها الجميلة وجسدها الأجمل.

 

                                                                                                                                   أمل في عودة رجاء إلينا

 

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح