أخبار عاجلة

“في حضرة الشيخ القوقل” لكريم الفحل الشرقاوي.. وأسطرة المتن الدرامي – د.عبد الرحمن بنبراهيم #المغرب

“في حضرة الشيخ القوقل” لكريم الفحل الشرقاوي.. وأسطرة المتن الدرامي – د.عبد الرحمن بنبراهيم #المغرب

شكلت الكتابة المسرحية عبر تاريخها الممتد في الزمان نقطة ارتقاء معرفي، وعلامة تحّول رؤيوي في سعي دؤوب إلى إدراك أسرار الكون المرئي، وإلى ضبط الإيقاع الداخلي اللامرئي للكائن الإنساني، بحثاً عن أجوبة شافية لسلسلة الأسئلة اللامتناهية التي كان لابد للجماعات البشرية أن تتلمس إليها جواباً. وسوف تكون الأسطورة إلى ذلك سبيلا باعتبارها <<امتداداً لواقع فطري يتحكم في حياتنا المعاصرة، وفي أعمالنا وأقدارنا، على الرغم من انفراط عقدها؛ إذ تترسب في اللاشعور كضرب من ضروب السحر، أو كشعائر سرية، أو مأثروات فولكلورية. فالأساطير تنمو في عقولنا في المناطق التي لا تُراجع بالمنطق. ويوضح كارل يونج Jong. G Karl (1875- 1961) ذلك بقوله: “إن اللاوعي يحل المشكلات التي تستعصي على الوعي، وهو ينشط عندما يستنفد الوعي طاقته وحدوده.>>1 إن الأسطورة مجال فكري مفترض يتأسس على المعتقد الديني، ومنبع لمصادر القوة الدينية والدنيوية، بعدما تمت المواءمة بينها والتاريخ لدى الإغريق إلى درجة التطابق التام بينهما. لقد لعبت الأسطورة دوراً مؤثراً وحيّاً في حياة الإنسان البدائي إلى الدرجة التي ترسخ معها الاعتقاد بأن الأساطير جزء من الواقع، اعتباراً للدور الذي مارسته في تطور الفكر البشري، وفي تحولات تاريخ الشعوب، لكونها المصدر الأول لجميع المعارف الإنسانية، ولمساهمتها في صياغة تصورات معرفية لأسئلة إشكالية. <<فالأسطورة في الشعر الملحمي المبكر عند هوميروس تعني “القول” حتى القرن السادس ق.م.، ليتقلص استعمالها وينحصر مدلولها في نطاق الخيال، والقصص الخيالي في قصائد الشعراء.>>2 .

العلاقة بين الأسطورة والواقع لدى الإغريق هي التي أوحت لبروميثيوس هرمس Promethus Hermes بفكرة سرقة النار المقدسة من الأولمب، ليقدمها إلى الناس كجذوة ملهمة للإبداع والنقد. <<وعندما أُبعد آدم وحواء من الجنة إلى عالم الأرض، نزلا بقبس من الفردوس وأوكلاه إلى المبدعين لشق تيار الفن المتدفق منذئذ؛ بحيث يصبح الفنان المخلوق خالقا، كما يقول فولف زينجر.>>3 بهذا المعنى، فإن ما ينجزه الفنان يعتبر إنجازاً أسطوريّاً بالضرورة، لأن الأمر يتعلق بفعل تخييلي يخترق حُجُبَ الواقع، وينتهك القواعد، ويسائل الثوابث. يفكك، ويعيد تركيب ما بات مطلقاً في المخيال الجمعي بما يتناسب ورؤية المبدع التي تتجاوز المكرس المألوف إلى عوالم الميتافيزيقا واللاوعي.

وأنا آخذ قراءة النص المسرحي “في حضرة الشيخ القوقل” للمؤلف والمخرج كريم الفحل الشرقاوي، كانت صورة الفنان والمبدع الأسطوري تتشكل تلقائيا. فقد صاغ ذات النص في معالجتين مختلفتين تماماً: معالجة أولى مونودراما عبارة عن فنتازيا ساخرة، شخصيته المسرحية هي مسرور بن عاشور الكتبي بن دهشور المطبعي بن منشور الناشر بن شحرور الخطاط بن بعرور الناسخ بن قنطرور الوراق بن الفهرستاني الكبير، وشخصية مفترضة: الشيخ قوقل. ومعالجة ثانية في صيغة نص درامي متعدد الشخصيات: مسرور، الشيخ قوقل، شبشوبة المسعورة زوجة مسرور، الضابط العبوس، مولانا اللص قعبور، وعبد الجبار الجزار الذي يتاجر في لحوم الكلاب والحمير. يتعلق مضمون المسرحية بمسرور الكُتبي الذي ورث مكتبة عن أبيه عاشور الكتبي، يقيم في قبو معتم إلا من نافذة واحدة، جدرانه المائلة عبارة عن رفوف محفورة تزدحم جنباتها بالكتب والمجلدات. شبشوبة التي تشتغل في فندق هجرت بيت الزوجية لأنها ترى في مسرور زوجا فاقد الرجولة والمروؤة، وتعتبر قبوه جُحراً لا يليق بها . هذا القبو الذي تحول أيضا إلى مخزن لصناديق ملآى بقنينات الخمر التي أودعها عنده إمام المسجد الشيخ قعبور الوقور الذي يؤم الصلاة بعمال معمل الخمور القريب من الحي العشوائي الذي يسكنه مسرور، <<ويعتبرها زكاة مفروضة على صاحب معمل الخمور البخيل بموجب فتوى من فتاويه الشهيرة>>. لقد كان دكان أبيه قبلة لمريدي الكتب النفيسة… وكان أيضا من كبار مفهرسي زبونات السوق المتمرسات.

وسوف تتطور الحبكة المسرحية في اتجاه التعقيد حين تنزل السوق شريحة صغيرة… <<شريحة كشفرة الحلاقة لكنها تملك قوى سحرية خارقة، وذاكرة أسطورية ما فتئت تبتلع وتلتهم كل الكتب. .. وتمارس سحراً مغناطيسيا رهيبا على العالمين… فترى رؤوس الناس مدفونة كالنعام في الهواتف الذكية…>> وهو الأمر الذي سيثير سخرية تنم عن صدمة الكتبي مسرور: << هزلت يا ناس… لقد صار قارئ الحاسوب يتحسس مؤخرة الفأرة قبل أن يقرأ مقدمة ابن خلدون…القراءات صارت مرهونة بتحسس مؤخرات الفئران… والله إنها لمن علامات الساعة…>> وسوف تأخذ تعقيدا أكبر حين يفاجأ مسرور بقرار المحكمة القاضي بتنفيذ حكم إفراغ دكان أبيه من الكتب:<< لقد كان يوما حزينا… لقد تم اجتثاثي مني ومن ذاكرتي… لقد تم اقتلاعي من جذوري ومن كينونتي… لأتحول تدريجيا إلى كائن رصيفي… أنشر كتبي على الرصيف… وأعتصم طول النهار بحبل الرصيف… وأرحل من رصيف إلى رصيف… وما كان يؤنسني ويثلج صدري هو التفاف الناس حولي لأخذ صور سيلفي مع شخصي المنقرض…>>

ولأن الشخصية المحورية في المسرحية (مسرور) فاشلة في صنع الحدث، عاجزة عن التأثير في مجرى الأحداث، فقد تكالبت عليها النوائب ليتم اعتقاله ومصادرة كتبه بتهمة احتلال الملك العمومي. وحين امتلك قدراً من الشجاعة وطالب بإنصافه كان التهديد بإرساله إلى مشفى الأمراض العقلية. ولن يجد أمامه سوى الشخصية المفترضة الشيخ قوقل ليخاطبه بالقول: << أيها الناس… إن سبب مصائبي وغربتي واغترابي هو هذا الشيخ… غوغل… طبعا غوغل… لأنه غول متغول ومتغلغل في كل شيء وأي شيء… إنه المُصادر الأول لكل المصادر والمناهل والمراجع والمبتلع الأكبر لكل المخطوطات والمطبوعات والمجلدات والمصنفات. إنه الأشرس لكل المعارف ولكل العلوم والفلسفات والنظريات والاكتشافات الاختراعات. إنه ثقب أسود رهيب يريد أن يبتلع كل ما دوَّنه الجنس البشري منذ آدم إلى آدم الذي لم يولد بعد، وأنا واحد من ضحاياه.. واحد ممن شفطته بلوعة هذا الثقب الأسود السحيق.>>

وسوف تبلغ الأحداث ذروة التعقيد حين انبعث صوت الشيخ قوقل لأول مرة مخاطباً مسرور بالقول: <<يا مسرور، يا خاتم الكتبيين أجمعين… لقد قررنا أن نمنحك الخلود أبد الآبدين.>> لقد تبين لمسرور أنه عاجز عن المقاومة، وغير قادر على المواجهة رغم محاولاته الميؤوس منها. سيذعن صاغراً أمام الشيخ قوقل، ومستسلماً لمصيره الذي كان محسوماً: <<أيها الناس لقد قررتُ أن تكون نهايتي العلنية، ويصبح رحيلي الفضائحي… نصبا تذكاريا فجائعيا للزمن الورقي الآيل للمحو والانمحاء الآيل للموت والغياب. في المونودراما يحضر مسرور بشكل مرئي في صيغة الجمع. فقد أبان منذ الوهلة الأولى أنه شخصية مهزوزة وضعيفة، وفاقدة لاتزانها: <<عفواً يا شيخنا الجليل… سأزلزل شبشوبة بخبر تشريفك لنا… لعل هذا الخبر المبهر يمتص طوفان غضبها وتقرر العودة لهذا البيت>> كشف عن أوراقه لصوت الشيخ قوقل باعتباره آخر بائع للكتب الورقية في كل الأزمنة.

من حيث البناء تبدو الأحداث في كلتي المعالجتين مشتتة تعكس حالة التشظي في شخصية مسرور. على المستوى الاجتماعي، فهو العاجز في حياته الحميمية مع شبشوبة التي لا تقيم له أي اعتبار، والفاشل في حياته العملية كما يوحي بذلك القبو القذر الذي يسكنه. وهو المهدد بالإفراغ، واحتلال الملك العمومي، والمطارد بتهم الإرهاب. وهو المقر بذنوب والمعترف بزلات مجهولة الدوافع، والمستسلم في نهاية المطاف لقدره القاضي بتحنيطه عن طيب خاطر. وعلى المستوى النفسي فهو التائه، المحبط، المعنف من دون أن نعرف سبباً لعذابه واغترابه وانكساراته. وحده صوته الداخلي يفسر حالته المنشطرة، وجراحاته المفتوحة. سعى أكثر من مرة إلى تحميل الآخر وزر معاناته من دون إقناع. جسّد شخصيات مفترضة كثيرة بلسانه، وكان ناجحاً في رسم ملامحها، وتحديد مواقفها، بينما فشل في تأكيد ذاته، وإسماع صوته. الأمر إذن يتعلق بصراع غير متكافئ بين مسرور وقوى مستبدة ومتسلطة غير مرئية تتحكم في مصيره. وهي المسؤولة عن اغترابه النفسي النابع من فقدان التوازن بين المدركات الشعورية واللاشعورية، وعن ضياعه الاجتماعي المتمثل في حالة الانهزامية واللاإرادية التي أحالته إلى مجرد شخصية حالة.

من حيث الزمان لم يكلف المؤلف نفسه عناء تحديد حيز زمني معين، ليقينه بأن حالة مسرور منفلتة وتعيش حالة غير قابلة للإمساك بها. وفي المقابل حرص المؤلف على رسم معالم المكان بدقة متناهية، وإلى الإشارة إلى أركانه ومكوناته مرات عديدة. وفي ذلك إحالة على حالة العزلة والحصار النفسي التي يعيشه الذي إنسان هذا الزمان في عالم ضيق وغامض وموبوء، وهو ما يستلزم إعادة النظر في مفهوم الإنسان، وفي الكثير من التصورات الخاطئة السائدة عن قيم كونية كالحرية والكرامة والإنسانية… لذلك حفل خطاب مسرور بحمولات مرجعية لخطاب إنسان هذا الزمان الذي انتهى به الأمر بالاستسلام صاغراً لحالة التحنيط التي جردت الكائن البشري من إنسانيته، وأحالته إلى محض مخلوق يقرر مصيره الآخرون الذين لا يعرفهم.

لقد خاض كريم الفحل الشرقاوي تجربة رائدة في الكتابة الدرامية، تنضاف إلى رصيده الإبدعي اللامع. فالصيغتان المختلفتان اللتان اعتمدهما في كتابة نص واحد تؤكد أن الأمر يتعلق بنهج أسلوب غير مألوف في بناء النصوص المسرحية والدرامية. فقد شيد معماره الدرامي استناداً إلى ثلاث بنيات مؤسِّسة: البنية الملحمية، والبنية العبثية، والبنية الكوميدية الدامعة.

أ‌- البنية الملحمية:

يتعلق الأمر بصورة كاريكاتورية للعلاقات الفاقدة للحميمية بين الإنسان وذاته، وتتضمن سخرية وإدانة وصرخة احتجاج إلى ما سيؤول إليه مصير الإنسان المتمثل في التحنيط المنتظر. وكانت وسيلته في تبليغ رسالته التقنية الملحمية لما لها من قدرة وقوة في التأثير والتنوير. فقد ارتقي القبو إلى شخصية مسرحية فاعلة مؤثرة في صناعة الأحداث والتأثير في مجراها. واستمد فاعليته من توظيفه الذي اتخذ صيغة تغريبية تجبر المتلقي على إدراك دلالته بما لا يعكسه الواقع. والمتلقي في المسرح المعاصر يستجيب للعرض المسرحي الملحمي بالمفهوم البرشتي بناء على فكرة مؤداها أن المتفرج يتقبل الواقع إذا عُرض عليه في قالب غريب ومتغير، لأن استعداده الذهني يولد طاقة تَقَبُّلٍ قصوى قادرة على الاستجابة للأنساق البصرية السمعية التغريبية.

بـ- النزعة العبثية:

تتمثل بكل جلاء في كون مسرور في المعالجتين يعيش عزلة وجودية، ولا أمل له في استعادة علاقته الحميمية مع شبشوبة التي انتهى بها الأمر راقصة في الملاهي. لا تربطه أية صلة تذكر بالآخرين. على المستوى الدلالي تعكس الأحداث عبثية مسرور في رؤية العالم؛ فلا جدوى للزمان في النص، ولا معنى له في حياته التي تفتقد المعنى. لذلك نراه ينتهي عند النقطة التي بدأ منها: <<… إني أعترف أمامك وأمام كل القوانين والمراسيم منذ تشريعات سيدنا حمورابي طيب الله ثراه إلى اليوم… بأني مذنب في حق الحكومة والوطن والشعب… من حقك سيدي الضابط المحترم أن تعتقلني وتصادر حقوقي المُصادَرة أصلاً… لكنه ليس من حقك أن تصادر الزمخشري، وتعتقل أبا تمام، وتحبس البحتري، وتسجن المتنبي (ينصت) ماذا؟ تسألني من يكون المتنبي !!؟ إنه المتنبي يا رجل… متنبي الشعر والشعراء… المتنبي الذي قد تأتي رياحه بما لا تشتهي سفنك ولا مرسديسك…>>

جـ- النزعة الكوميدية:

حين سعى المؤلف كريم الفحل الشرقاوي إلى فكرة رسم معالم شخصية مسرور، وجد ضالته في اسمه ذي الطابع الكاريكاتوري. فهو يحيل على هويته الاجتماعية، والنفسية، والعاطفية، والوجدانية: مسرور بن دهشور بن منشور بن بعرور بن قنطور. أسماء على صيغة اسم مفعول، مما يوحي بأنها شخصية انهزامية غير فاعلة، ولا مبادرة. إننا بصدد ما يجوز أن نصطلح عليه بـ “الكوميديا الدامعة” التي <<يصبح فيها المهرج المسحوق تحت وطأة وجوده بفعل قوى ميتافيزيقية أو اجتماعية هو البطل الذي يبث فينا الإحساس بالمأساة. ولم نعد نشعر، كما في الماضي أن أبطال التراجيديا التراجيديا هم أشباه آلهة، ولا أنهم أعلى منا مستوى، بل أصبحنا نشعر بهم مثلنا أو دوننا، فنزداد توحداً معهم>>4

د- النزعة التجريبية:

يتمثل التجريب في الخروج على النمطية المبتذلة التي تعتمد في المقام الأول على رسم معالم الشخصية المسرحية في قالب واقعي، مثالي. وتعتمد على تأثيث الفضاء بالثابت من الإكسسوارات، وهي تقنيات لم تعد تُلبي انتظارات المتلقي الذي انخرط في ثقافة العلامة البصرية. <<فحين يستغرق العالِمُ في بحوثه التجريبية واستنباطاته واستقراءاته المنطقية، فإن الفنان يحلق في الخيال الأسطوري، ذلك أن حاجاته الداخلية أقوى من أن يشبعها في الحياة الواقعية، وقد رأى سيجموند فرويد أن الرسوم تمثل الرموز البدائية والكوابيس الذاتية المدفونة في الأعماق. وفي ذلك قول الفنان جان كوكتو: “إن الفن والشعر ينطلقان عند نقطة حيرة الفيلسوف والباحث الأكاديمي، ثم ينشط العلم ليشرح مكتشفاتهما.>>5 وهو ما سعى إليه ببراعة ومهارة المؤلف كريم الفحل الشرقاوي حين اعتمد الخيال الأسطوري للغوص في عوالم اللاوعي.

هوامش:
1- 3- مصطفى الرزاز، الأسطورة في الفن الحديث، مجلة عالم الفكر الكويتية، العدد4، المجلد40، السنة2012، ص149
2- محمد السيد محمد عبد الغني، نظرة الأثينيين إلى الأسطورة ، مجلة عالم الفكر- الكويت، العدد4، المجلد40، السنة2012، ص7 .
3- مصطفى الرزاز، الأسطورة في الفن الحديث، مرجع سابق، ص145
4- رياض عصمت، البطل التراجيدي في المسرح العالمي، وزارة الثقافة- الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق-2011، ص9
5- مصطفى الرزاز، الأسطورة في الفن الحديث، مرجع سابق، ص149

د.عبد الرحمن بنبراهيم – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح