في الندوة الفكرية لمهرجان مسرح التجريب في مدنين: «الكتابة المسرحية بين الكاتب والمخرج، إشكاليات ورؤى» النص ليس مقدسا ويمكن للمخرج تأويله وإعادة قراءته #تونس

تتواصل فعاليات الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان مسرح التجريب بمدنين، وتعد الندوة العلمية من الركائز الاساسية للمهرجان لتفكيك مفاهيم وتقديم إشكاليات تتعلق بالفعل المسرحي

ومحور الندوة التي احتضن فعالياتها مركز الفنون الركحية والدرامية كان «الكتابة المسرحية بين الكاتب والمخرج، اشكاليات ورؤى» وامتدت على يومين.
شارك في الندوة الفكرية مجموعة من الاساتذة والباحثين وممارسي مهنة المسرح وهم محمد عبازة ومحمد الهادي فرحاني وسهام عقيل وحمادي المزي وعلي اليحياوي ومنير العرقي والاسعد بن حسين وعبد الناصر عبد الدايم وتناولت اشكالية النص بين قدسيته لدى كاتبه وتأويلات المخرج للنص المكتوب ومحاولة صياغة الفرجة المسرحية وانطلقوا من المفاهيم والمصطلحات «فالكاتب مسكون بصورة نارسيس والمخرج هو المشوه لصفاء ماء النص» حسب تعبير محمد الهادي الفرحاني وما طرح موضوع الكتابة والإخراج الا محاولة لخلخلة مفاهيم قديمة جديدة لازالت تمثل محورا للسؤال.

المسرح وليد مناخاته السياسية والاجتماعية
المسرح ليس منقطعا عن مناخاته كما يقول حمادي المزي والذي قدم مداخلته انطلاقا من تجربة السندباب، المزي تحدث عن تجربة فرقة السندباد التي تجاوزت ثلاثين عاما من الفعل المسرحي، «سأتحدث عن مفهوم المشروع،وسردية التجوال بين الورقة البيضاء والركح» دأبت الدار على انتاجاتها في اطار مسافة مع المناخات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عندما تم التفكير في تأسيس هيكل عام 1989 بعد تجربة مسرحية متنوعة شملت مسرح الهواية والمسرح المدرسي والجامعي والاحترافي والمسرح الوطني وقد رأينا الاشتغال على مفهوم التجذّر وانطلقنا في العمل على مرحلتين:

الأولى: مفهوم «الحفر في الدرامية التراثية» وكانت مرحلة السبعينات بمثابة المجال المفتوح في الجامعة للتنافس بين قطبين الاسلامي والتقدمي فكان محمد الطالبي وهشام جعيط وهشام بوقرة وغيرهم ينادون بتقديم الفكر وساهم عدد من المبدعين في صياغة اطروحة تحفز الحركات الفكرية في السياسي والثقافي.

ومن هنا ولد السؤال عن الهوية وحاولنا طرح الاشكاليات من منظور متعدد وانفتحت الجامعة على الساحات الفكرية الناقدة المبنية على السؤال وكان من المبادرين لانفتاح المادة الثقافية على الواقع المعيش توفيق بكار كما قاد الطاهر لبيب حركة ثقافية اجتماعية كانت تدعو لادماج الفن كمبحث سوسيولوجي في كلية الاداب مما سمح بتثوير المناهج المبحثية في سوسيولوجية الثقافة وشهدت تلك المرحلة اهتمام بالتنشيط الثقافي وإنتاج معاني مستحدثة في الفعل الثقافي.

المرحلة الثانية هي المواجهة: ما عاشته البلاد انذاك من غليان فكري لا بد ان يؤثر على الشان العائلي والاقتصادي ايضا فهناك مد صناعي بديل عن النمط الفلاحي بالإضافة الى ترييف المدينة وتكثفها السكاني وكل هذه المؤشرات خلقت مجموعة من العقد النفسية والاجتماعية لذلك عملنا على مسرح موغل في الحفر العلمي وانطلقنا بعدها في مدرسة الواقعية لجديدة والعمل على مسرح ينطلق من مفهوم السؤال والتجريب.
وفي اطار التجريب وثنائيتي الكتابة والاخراج تحدثت الناقدة سهام عقيل عن تجربة الثنائي فاضل الجعايبي وجليلة بكار التي جمعت الكتابة والاخراج تجربة ابداعية مختلفة ترى عقيل ان من الضروري الانتباه لها والاهتمام بها وتقديم دراسات نقدية عن تلك التجربة التي حققت نجاح منذ انطلاقها في المسرح الجديد بفقصة الى فاميليا ثم المسرح الوطني.

اساس المسرح نصّ والوزارة متهمة بقتل الكاتب المسرحي
العلاقة التي تجمع بين الكاتب والمخرج متشعبة ولكن اساس المسرح النصّ وغيابه تدريجيا يعني غياب فعل المسرح كما جاء في مداخلة الدكتور محمد عبازة، و يشير في مداخلته إلى أنّ بدايات المسرح مع ارسطو الكاتب والمعلم الاول، فكان المنظر المسرحي اخر الكتاب يلخص جل الفصول ومنذ البداية كان الاعتناء الاساسي بالنص فسيطر على العمل المسرحي على مدى قرون ثمّ جاء دور الممثل في العصور الوسطى بعدها اهتم الانقليز بالسينوغرافيا ولازال النص يحافظ على وجوده ويمكن القول ان عمر الكاتب المسرحي 23قرن بينما ظهر المخرج في القرن 19، بعدها تطور الفعل المسرحي وفي القرن 20اصبح المخرج هو الذي يمضي العرض المسرحي وكانت بدايات الاخراج او mise en scene هي «وضع الواقع على الركح» .

وفي تونس يمكن القول ان علي الزعزاع اول مخرج مسرحي في تونس وكان مناضلا مسرحيا ومبدعا، كتب أول نصين لازالا عنوانا للثورة المسرحية هما “مراد الثالث” و”ديوان الزنج” والحبيب بولعراس وعز الدين المدني كلاهما صرّح ان النص المنشور هو نص العرض فالكاتب يتخيل شخصياته تتحرك على الركح ويكتبها والمخرج يصوّرها على الركح.
ويضيف عبازة انّ العمل الناجح هو الذي ولد من نص يسمح كاتبه بتعدد القراءات بينما النص المنغلق يكتب له التلاشي، ويشير الى الخلاف بن محمد ادريس ومحمود المسعدي فادريس اشتغل على نص “حدث ابو هريرة قال” بعنوان “حدّث” لكن المسعدي حين شاهد العرض صرخ (هذا ليس نص ورفض مسرحته) ليقدم ادريس العرض باسم “حدّث” دون نصّ.
وفي المسرح النص فاعل لان الافكار لا تقدم إلا باللغة و الوصف واللغة تنقل العواطف والأحاسيس ويجب على الوزارة ان تشجع الكاتب المسرحي ولا تقتني الاعمال التي يجمع مخرجها بين الكتابة والاخراج وختم الدكتور مداخلته باتهام الوزارة بقتل الكاتب المسرحي «اعتبر ان الوزارة تتحمل المسؤولية في قتل الكاتب المسرحي في تونس، وادينها امام التاريخ لانها تسمح ان يجمع شخص واحد صفة كاتب ومخرج والوزارة تشجع على عدم وجود الاختصاصات في الفن المسرحي».

المسرح فعل مقاوم والكاتب والمخرج يتكاملان لانجاز العمل
يتغير المسرح ويتطور هكذا يقول منير العرقي المخرج والممثل في مداخلته المعنونة «من النص الى الخشبة، حوار طويل بين الكلمة والفعل، بين الورقي والحركي»، ويتساءل عن السلطة لمن أهي للكاتب ام للمخرج؟ وساتحدث بصفتي ممثلا ومخرجا، وافضل دوما ان اكون فوق الخشبة كما يقول مدير ادرة الفنون الركحية، مضيفا «المسرح فن لم تحطمه الازمات ولا الاوبئة ولا السياسات، هذا الحيز المتحرك حياة كالماء لم يتخلى عن اصوله اي الكلمة و»الشعر» وهذه الجمل التي تلقى كما القصيد تتحول الى الوان وأفعال تسمى اخراج.

ومع السيرورة الزمنية تحول النص من ادبي الى نص مسرحي له تركيبته الخاصة وعرف هذا الفعل الابداعي تحول من التراجيديا الى الكوميديا ومن ثمة اصبحت الكتابة في شكل فصول ثم تحول من حوار الى سرد لنتحدث اليوم عن مسرح مابعد الدراما فالمسرح فعل متطور، والعرض المسرحي خطاب متكامل هو نسيج متجانس من النصوص التي تتحول الى حركة وايماءات، والفضاء ايضا نص يقرأ كذلك الصمت فالنص المسرحي نص مثقوب والمقصود بالثقوب تلك الفراغات التي يملؤها المخرج بتوظيف الحركة والفعل لبناء عرضه.

ويشير العرقي في مداخلته إلى أن العلاقة بين الكتابة والاخراج علاقة معقدة هي علاقة تكامل وبناء وتواصل وانفصال، علاقة تقاطع وربما وجود كاتب يحضر تمارين العرض يسهل كثيرا انجاز العمل المطلوب لكن هذه حالة نادرة، ويمكن القول ان علاقة الكاتب بنصه تنتهي متى سلمه الى المخرج ليبدأ بعدها عمل المخرج الذي يحذف مقاطع ويضيف اخرى ويغير بعض ما يطلبه الفعل الحركي لان عمل المخرج ليبدأ بعد انتهاء الكاتب من الكتاب، فلو التزم المخرج بالنص كما كتب لكانت المدة الزمنية لمسرحية «الرهيب» التي قمت باخراجها تسع ساعات كاملة، لكنّنا اختصرنا تلك الساعات الطوال اثناء بناء العمل والفرجة لنكتفي بساعة ونصف لان الفكرة هي ما يهم المخرج ثم كيف نحول تلك الفكرة ونصوغها تشكيليا لتصبح حركة ويصبح اجتهاد المخرج لخلق مناخات مسرحية ويختم منير العرقي بالقول يحتاج المسرح الى كاتب مفكر ومخرج معا، المسرح يحتاج الى افكار وصناع عروض ليحولوا الورقي الى الروحي.

ويشاركه الراي نفسه الكاتب المسرحي الاسعد بن حسين الذي يؤكد انّ المؤلف والمخرج في المسرح كثيرا ما تحدث بينهما خلافات، ويسوق مثال فيكتور هيغو حين حضر احدى نصوصه تقدم في المسرح وأخطأت الممثلة اكثر من مرة حينها صرخ هذا ليس نصي سيدتي فتجيبه «المعذرة لكن احسست بهذه الجملة هكذا افضل» فالكاتب عادة يحيط نصه بهالة من القداسة ويرفض ان يغير فيه الممثل ولو حرفا واحدا ويمكن ان نلخص مشاكل العلاقة بين النص المسرحي والعرض المسرحي فالمسالة ليست تنازعا للملكية الفكرية والعرض ملك للجمهور، فالنص هو دودة القز ، الشرنقة التي تعطينا فراشة جميلة هي العرض المسرحي.

ويضيف بن حسين النص ملك للمؤلف مادام على الورق لكن بتحويله الى عمل مسرحي يصبح ملك للناس فهناك مثلا 100الف قراءة لنص عطيل، والكاتب والمخرج كلاهما يساهم في صنعة العرض المسرحي.

ويتحدث عن تجربته التي انطلقت مع الكتابة المسرحية في اطار الصدفة من خلال فرقة «الحلقة» التي يشرف عليها انذاك يحى يحى كانوا شغوفين بالمسرح منضبطين وعشقهم للمسرح حيّر داخلي نزعة الكتابة والانخراط في هذا العالم وبعد تجارب عديدة في الاقتباس والكتابة اكتشفت ان المشكل الاساسي في كتاب المسرح وليس المخرجين فالكاتب يصنع نصه داخل مكتبه ويكتفي ببرجه العاجي دون متابعة التمارين ومتابعة كيف تحول النص الى عرض والمسرح «حاجة تتعمل بمحبة» و المحبة تتطلب فعل المشاركة والمسرح مهنة احترافية جماعية اذ لا يمكن للكاتب الانكفاء على ذاته ثم يصرخ «هذا ليس نصي» عليه متابعة العرض منذ اول يوم قرر فيه تحويل ذاك النص الى عمل مسرحي فالنص هو الشرنقة والعرض هو الفراشة الجميلة.

علي اليحياوي:
المسرح فعل انساني كتابة وإخراجا
«الكتابة والاخراج» موضوع متفرع، هكذا يفتتح علي اليحياوي مداخلته، ويضيف «سأتحدث عن تجربتي ضمن ثلاث مؤسسات عمومية فالتجربة في المؤسسة العمومية تختلف عن الخاص لانها تتطلب الكثير من البحث وتوليفة ابداعية خاصة تنبع من ذاكرة الانتروبولوجي الذي تنتنمي له تلك المؤسسة والعمل في مؤسسة عمومية تجعلك غير مخير في فرق العمل والمناخات العامة، وفي التجارب التي خضتها لن اصف نفسي بالكاتب بل هي محاولات لسردية مسرحية اراها تتفق مع خياراتي الابداعية وتعاملت كثيرا مع جنس الرواية وكان الخيار دوما الانطلاق من فكرة تقوم على المحلي وتقديمه بروح كونية دون السقوط في التقليد.

كان الانطلاق بتجربة «نوارة الملح» في قفصة وكانت تجربة قاسية وصعبة لاني اشتغلت تحت ساطور تجربة ابداعية اسمها «عبد القادر مقداد» (تجربة مسرحية توجهت الى الكوميديا ومشاكسة السياسي وليس من السهل تقديم مسار مسرحي مختلف في قفصة) وانطلقنا في «نوارة الملح» ومحورها الهامش وبتنزيل التجربة في مسارها التاريخي فقد سقطت ورقة التوت انذاك وصار بامكان الجميع الخوض في السياسي لكن فكرة الخوض في المجتمع فذاك اكثر ايلاما للمتفرج (المتفرج تعود ان يضحك على السياسي لكن ان يكون هو وحياته وواقعه موضوع للنقاش فذاك يزعجه) ولتقديم تجربة مختلفة انطلقنا الى تجربة العجائبي.

و»نوارة الملح» عن نص اصلي لماركيز ذاك الكاتب الماهر القادر على دمج الواقعي بالسحر والعجائبي استلهمنا منه نص عملنا انطلاقا من حيّ شعبي على تخوم قفصة وركزنا على الشعر والصورة وكتب النص باسلوب شعري فكان النص مسكونا بالنقد وبقصص الهامش.

التجربة الثانية كانت في مدنين بمسرحية «كعب الغزال» التي انطلقت من نص «نزيف الحجر» لابراهيم الكوني ومن خلاله ادركت ماهية الصحراء وكنوزها، العمل انطلق من جانب ذاتي لان الرواية نطقت باسمي وخبرت معها خصوصيات جهتي وجانب موضوعي لانها تتجاوز المحلي الى الانساني فولدت كعب الغزال وتيمتها الصحراء.

التجربة الثالثة «رايونو سيتي» هي ايضا عن مأساة الهامش وانطلقنا من نص عالمي وشخصية الجندي دون رتب عسكرية الذي يتم استغلاله وزوجته من الجميع، قبل العمل اكتشفت حيّ الرايونو بمدنين، حي شهعبي يعيش ابناءه على الهامش، لتكون شخصيات المسرحية محلية لكنها تتحدث باوجاع كونية، ويمكن تلخيص التجربة بالقول انّ الانسان هو الذي يعنينا وتجاربنا تنطلق من المحلي نقدم مشاكل الانسان التونسي وتحديدا سكان الهامش لكن ذاك المحلي يتحدث بفكر انساني ومشاكل كونية وربما تجربة الاقتباس علمتنا ان الانسان واحد وعلينا انجاز مسرحي ينتصر للانساني.

عبد الناصر عبد الدايم: فرقة بلدية دوز:
النص المسرحي يقبل القراءات والتأويلات المختلفة
الكتابة المسرحية مخاض يعيشه الكاتب وحده والعرض المسرحي هو ولادة النص المكتوب وتحويله الى فرجة، ولدي ايمان راسخ ان النص المسرحي يتحمل الكثير من القراءات والتأويلات بهذه الكلمات افتتح عبد الناصر عبد الدايم مداخلته عن تجربته التي جمعت الكتابة والاخراج ضمن فرقة بلدية دوز للتمثيل، ويضيف «لا يمكن فصل تجربتي الشخصية عن تجربة الفرقة التي ولدت معها منذ عام 1985 وهي فضاء الابداع الرحب، والبداية مع الكتابة كانت في تجارب محتشمة في المدرسة مع تلاميذي ومع الوقت اكتشفت اهتمام الطفل بما يقدمه على الركح ومسرحة النص، وقد شاركت في معالجات بعض النصوص فالنص لا يؤخذ بالشكل الذي كتب عليه بداية وفي كل اعمالنا يرافقنا الكاتب من اليوم الاول للتمارين حد انجازه وتقديمه امام الجمهور وهذا من خصوصيات الفرقة.

ويضيف عبد الدايم تعرف دوز بالشعر لذلك كنا نختار التوجه الشعري في النصوص التي نكتبها ونقدمها، انا اكتب النص واتركه للمجموعة ومستعد لكل القراءات وقد اخترت نهجا خاصا في كتاباتي تتميز بمحلية ونكتة اهل الجنوب وفي الوقت ذاته تعالج مواضيع كونية كما نراوح دوما بين الكوميدي والتراجيدي في العمل ذاته مع حضور الغناء والشعر الشعبي ليكون نصنا المسرحي مختلفا ويختم عبد الدايم بالقول على الكاتب ان يكون محبا للمسرح شغوفا به وعليه الايمان ان النص اصبح ملك المخرج والمجموعة بعد ان سلمهم اياه وعليه قبول كل القراءات وان اختلفت.

 بقلم مفيدة خليل

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح