أخبار عاجلة

في المسرح المقدس، الغراب الأسود لا ينعق – أمير فريك #روسيا

مؤدي مسرحية “الغراب الاسود” – مسرح ألكسندرسكي – روسيا

في المسرح المقدس، الغراب الأسود لا ينعق – أمير فريك #روسيا

قد يكون صوت الغراب قوياً وعالياً إلا أنه لا يطرب. ولأن الأشكال تُجسد ولا تُسمع، إختار مخرج عرض “الغراب الأسود” إخراس النعيق مبكراً على خشبة مسرح ألكسندرسكي، متجاوزاً بذلك محدودية الكلمة والكلام، خدمةً للصورة والشكل الطقوسي، وترسيخاً لحقيقة أن المسرح لم ولن يكون أدباً.

رغم مرور ما يتجاوز القرن على صراعات مسرح المؤلف ومسرح المخرج، إلا أن بعض “التيارات الرجعية” لا تزال تتشبث بكل راديكالية بمختلف طرق الدجل والشعوذة اللفظية، من أجل فرض أفكار عفا عنها الزمن، وذلك بإعادة إحياء قضايا حُسم الجدل فيها منذ عقود. وبالرغم من ثبوت النتائج، لم تسفر جميع جهود وتجارب ما لا يعد ولا يحصى من المخرجين والباحثين المسرحيين خلال القرن الماضي عن تأمل أتباع تلك الأفكار في أفكارهم، وكأن مهمتهم تكمن في زرع العقبات في مسار تطوير الجانب الجمالي للمسرح في المنطقة الشرقية، فقط لإرضاء “غرور سيكوأيديولوجي” ربما.

تحديات المسرح اليوم أكبر من خرافات البحث عن أصل الفعل والفعل الأصل، لأن تلك التيارات تبعدنا عن صلب الإشكالية في كل مرة، كمن يُجادل عبثا في “أسبقية البيضة أم الدجاجة”. فأصحاب تلك العقول من الأصوليين الجدد، والمدعين المبالغين في (الوفاء لأرسطو) أكثر من وفاء الغربيين أنفسهم، لا يفرقون بين دراما الأدب ومسرح الأداء الشكلي، وغير مدركين بداية خلق المسرح أنثروبولوجياً قبل عصر النظرية، وهو في واقع الأمر ما تسبب في الركود والتأخر الإنتاجي والتنموي وتردي الذوق في المجال الفني والمسرحي في بعض بلدان الجانب الشرقي من العالم.

لم تُشيّد المسارح بجمال عمرانها وتعدد تقنياتها وتصاميم إضاءتها وكواليسها وصالاتها، للإكتفاء بقراءات أدبية على خشباتها طبعا، فقداسة الكلمة على صفحات الأدب المكتوب وقداسة الأداء على خشبة المسرح المُعاش. حتى في العصر الإليزابيثي كان شكسبير يكتب النص خصيصاً من أجل الأداء التمثيلي لا للقراءة وتمجيد الكلمة، وكان الأدب الشكسبيري حين يتجسد على الخشبة، يسمى أداءاً حياً يحيا بحياة الممثل الذي يتنفس ويرقص ويؤدي على إيقاع خاص ومختلف، تفرضه قداسة الخشبة.

نفس الشيء في روسيا بلد الأدب والأدباء، بلد تشيخوف، بوشكين، تولستوي ودوستويفسكي، وبلد جمال العبارة والتعبير اللفضي بإمتياز. فبالرغم من وفرة النصوص الأدبية وقيمة وسحر المنجز الأدبي على رفوف المكتبات، إلا أن الساحة الإبداعية تفرق جيداً بين مسرح المؤلف ومسرح المخرج، بين المسرح المقروء والمسرح المُؤَدّى على أعظم وأرقى وأفخم خشبات العرض في العالم .. وقد تم تجاوز نزاعات الأفونڤارديين وأتباع فرقة الدوق ساكس مينينجن منذ زمن بعيد، وتم محوّ أثارها الديالكتيكية تماماً من أذهان الأجيال المعاصرة، لأن المسرح اليوم يواجه مشاكل أكبر وأعمق من ذلك بكثير، ومهدد بزوال أهم ركن من أركانه والذي بإنعدامه لن يبقى أي معنى لوجود المسارح والقاعات، ولا أي حاجة للحركة والإنتاج المسرحي، ألا وهو الجمهور. هذا الأخير الذي يمثل التحدي والرهان الحقيقي لحماية هذه الظاهرة الإنسانية من الزوال والنسيان.

الجمهور الروسي يدرك جيداً مهمته ومسؤوليته أمام تحديات المسرح اليوم، لذا تجده حريصاً على الحضور إلى المسرح بأفخم ثوب وأجمل طَلّة وكأنه يستعد ويتهيأ للإحتفال، لإستقبال النشوة، لإمتاع الحواس والأحاسيس، فهو المشاهد من فعل شاهد، والمتلقي من تلقى، لأنه يتلقى ولا يُلقى عليه .. طبعاً فكيف للباحث عن الجمال أن يجده في ما هو غير جميل، في روحه وفي أفكاره وفي أفعاله .. وعليه فقد تعمد مخرج عرض “الغراب الأسود” في البحث عن كل ما هو يلمع، والركض وراء البريق حتى ولو لم يكن ذهباً، لأن البريق دليل قاطع على نفي الظلام وتأكيد وجود النور، والنور بدوره هو الكاشف الوحيد لكل الحقائق.

جماهير غفيرة دفعت أغلى الأثمان للإنتصار للمسرح الفعل، المسرح الصورة، المسرح الحركة، المسرح الشكل، المسرح الرؤية، المسرح التصميم، المسرح الإحتفال، المسرح الطقوسية. فرغم الدعم الحكومي للمسارح العديدة في روسيا لعلاقة ذلك بجوانب ثقافية، إقتصادية وسياسية، إلا أن العائد المالي الناتج عن بيع التذاكر، يشكل الجانب الأكبر لإستمرارية الإنتاج في مثل تلك المؤسسات. وعليه فقد قَبِل مسرح ألكسندرسكي التحدي لفتح الأبواب أمام الجماهير الغفيرة التي لم تتأخر عن الموعد وإلتزمت بقوانين وشروط الأمن الصحي، لمشاهدة عرض “الغراب الأسود” لمخرجه نيكولاي روشين (Nicolay Roshin)، والمستوحى عن قصة من قصص الكوميديا دي لارتي لمؤلفها الإيطالي كارلو جوزي (Carlo Gozzi). والتي تدور أحداثها في مملكة فانتازية، كان ملكها (ميلون Millon) مغرماً بالصيد. ولكن!.. في يوم من الأيام ولسوء حظه، قَنَصَ غراباً أسود اللون في مقبرة رخامية بيضاء، حوّلها دم الخطيئة إلى اللون الأحمر، فحلّت عليه لعنة الغول “مالك الطير”، والذي شرط على الملك شرطاً وحيداً يزيل عنه صفة الملعون. وهو أن يجد لنفسه زوجة شديدة سواد الشعر من سواد الغراب، شديدة بياض البشرة من بياض رخام المقبرة، حمراءٌ شفاهها من لون الدم الذي لطخ المكان. تتسارع الأحداث وتنطلق رحلة البحث مع شخصيات عديدة منها الأخ الأصغر للملك (جانّارو Gennaro)، الفتاة (آرميلا Armilla)، المساعد (بانتالوني Pantalone)، والساحر (نوراندو Norando).

كان العرض مليء بالصورة، غني بجماليات فنون (البورفورمانس)، وفيّ للأسلوب المايرهولدي في شكله وحركته البيومكانيكية، حيث توحد زيّ الممثلين رغم إختلاف أدوارهم إلى بدلة رسمية سوداء اللون وقناع مشوه يحاكي أقنعة الكوميديا دي لارتي، أضيف له شعر ذهبي كثيف. كما تخلل الأداء لحظات غروتوفسكية من ناحية تكنيك أداء الجسد العاري والمستقل، والمستعين فقط بإضاءات بسيطة، وأيضاً تلميحات آرتوية في قسوة بعض المشاهد، رغم التلطيف الكوميدي الذي كان إختياراً لإستثارة وشدّ إنتباه الجمهور، خاصة في مشهدين تعمد إختراق الجدار الرابع فيهما بمباشرتية مقصودة لضرورة سردية للقصة. أما عن الفضاء السينوغرافي فقد تشبعت الخشبة بمواد ثقيلة وضخمة من الحديد الصلب إقتداءاً بتجارب راينهارت وبيسكاتور إنطلاقاً من عشرينات القرن الماضي، في عروض الآلة والماكينات الضخمة الدالة على عصر الثورات الصناعية ووحشية الرأسمالية التي جردت الإنسان من إنسانيته وحولته إلى مجرد ماكينة إنتاجية.

وحسب تقنيات الخشبة وإمكانيات العرض الحديثة والمتطورة، يتضح تبنى أفكار المخرج الإنجليزي إدوارد كريج المؤمن بأن مسرح هذا العصر لابد أن يكون ذو تكاليف عالية ومرتفعة لتحقيق رؤية وجماليات تصميم المخرج المبدع، فقد تم توظيف الخشبة الميكانيكية المتحركة، إضافة إلى شاشات العرض الفيديوغرافي، كما تميّز التعبير الصوتي بالعزف الموسيقي الحيّ، والذي تكفل به فريق من العازفين يرتدون نفس زيّ الممثلين الموحد، والذين تواجدوا على هيكل ديكوري عمودي متنقل من مكان إلى أخر حسب متطلبات وإختلاف المشاهد.

أخيراً، سوف تتجدد الدعوة للإستقلالية الشرقية في خلق مسرح يشبهها في كل مرة، لكن هذا لن يمنع المسرحي المبدع والباحث المجتهد من تحليل وإتباع ما يجب إتباعه في التجربة الغربية، خاصة من جانب البحث العلمي والدراسات المسرحية الحديثة والمعاصرة، لإن المسرح عملية إبداعية متجددة وغير جامدة خاصة في تفاعلاتها مع العامل الزمني والإجتماعي. ولن تحظى الممارسة الشرقية بصفة التميّز إلا إذا إنطلقت من محطة وصول الآخر الغربي، إعتباراً بأنه السبّاق في وضع قواعد علمية وبحثية في المجالات المسرحية عالمياً.

من أمير فريك – روسيا

مخرج جزائري مقيم في روسيا

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح