سعيد عاهد

“في الطريق” للصديقي: الإمتاع ورقيا بعد المؤانسة مسرحيا وسينمائيا ـ المغرب

بمناسبة الدورة الرابعة عشرة للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء المنعقدة في فبراير 2008، أقدمت وزارة الثقافة على طبع نص الطيب الصديقي المسرحي الموسوم بـ «في الطريق»، ضمن منشوراتها (سلسلة إبداع).
أيامها كان بعض دعم الكتاب المغربي يتمثل أيضا في نشر الكتب مباشرة من طرف القطاع الوصي، وليس الاكتفاء بدم الناشرين مثلما آلت لذلك الأمور اليوم.
في دورة المعرض تلك، تشرفت بتقديم لقاء مفتوح مع الراحل الشامخ بمناسبة الإصدار. نوهت حينها بمبادرة الوزارة ومسؤولتها الأولى الفنانة ثورية جبران التي لم تتخلف عن حضور اللقاء مع الصديقي، مذكرا بأن الأثر المنشور هو النص الذي جُسِّد على الركح تحت عنوان «سيدي ياسين في الطريق»، مع إرفاقه بملف نقدي وإعلامي حول الشريط السينمائي الذي انبثق من العمل المسرحي تحت عنوان «الزفت». مضيفا: «وكيف لا نثمن النشر ونحن في حضرة نص مسرحي تاريخي مغربيا، بالمعنى التأسيسي لكلمة تاريخي؟»، مسترسلا:
« ثمة سؤال أول مشروع حول هذا الرحيل (رحيل النص المعني) من قارة إبداعية، هي المسرح، إلى قارة أخرى، هي السينما، سؤال العلاقة بين المسرح والسينما. بحسه العميق، يستبق الطيب الصديقي صياغة السؤال هذا من طرف متلقي الكتاب المفترض، مبرزا جوابه في الغلاف الأخير لـ «الطريق»: «في نظري أن النقطة التي تجمع المسرح بالسينما هي المشاهدة أو الفرجة لا غير. أما الأساليب الأخرى، فكل تعبير له أدواته الخاصة، بها يرى الواقع من منظاره الخاص ويستقريء كل ما هو مغلف وخفي في ظاهره المبطن بالرموز والإشارات.
«في المسرح (…) نحن أمام ممثل فوق خشبة معينة يركض هنا وهناك، «يكد» ويعرق بجسمه وعرقه (وليس بدمه) ليملأ فضاء الخشبة. أما في السينما، فالعكس تماما: هنالك الصورة. الصورة التي تعبر «بالنيابة» عن اللغة. الصورة التي تضخم أو تقلص من المشاهد والحالات والوجوه. إن الصورة، في السينما، هي التي تؤطر الوجه والجسم معا، كذلك المكان. وباعتبار أنها صامتة، فهي «تُنطِق» المواقف الإنسانية والانفعالات الداخلية والخارجية.»
«إذا كانت هذه الفقرات مستلة من نص الحوار الذي أجراه إدريس الخوري مع الطيب الصديقي بعد عروض شريط «الزفت» الأولى، وهو حوار منشور في الكتاب، فإن عرض المسرحية سبق إنجاز الفيلم بحوالي عشرة سنوات.
«ورغم أن «النظرَ في المسرح أهم من السمع»، وبناء عليه أهم من مصاحبة النصوص المسرحية وهي أسيرة مداد الورق، فقراءة نص «في الطريق» تهب متعة ولذة نادرتين، تضيفان بعدا جديدا وتفتحان أفقا رحبا إضافيا لكل من سبق له مشاهدة المسرحية أو الفيلم.
«نقرأ لوحات النص الستة مكتوبة على امتداد 59 صفحة، فتحضرنا الشخصيات وأجساد ممثلين بعينهم تحملها في الخشبة أو الشاشة. ونغوص في ثنايا الذاكرة البصرية لإعادة تشكيل المواقف والحيل وتطور الحبكة كما تمتعت بها العين…
«ومع ذلك، يمنحنا النص المكتوب حرية تمثل مغاير لما احتفظت به ذاكرة العين، إذ يقترح نفسه على قارئه، كذلك، كـ»نص مفتوح»، داعيا إياه إلى سبر أغواره بشكل مبتكَر، بعد التخلص من سلطة ذاكرة العين الموروثة عن مرحلة ما قبل طبعه.
«إن نص «في الطريق» تجسيد فعلي ملموس لما يعتنقه الطيب الصديقي مسرحيا، هو الذي سبق له أن انتفض ضد التقليد المغربي والعربي للغرب المالك لصيغ المسرح المتطورة: موضحا: «إننا بالتقليد لا يمكن أن نقدم موليير، مثلا، أحسن وأجود من الفرنسيين، أو نقدم روائع وليام شكسبير أبلغ من الإنجليز. المطلوب هو البحث عن صيغة عربية لفرجة عربية تناسب الذوق العربي، وتتلائم والخصوصيات العربية ذات الأبعاد الإنسانية.»
« لقد حقق الطيب الصديقي هذا المسعى في «في الطريق»، مثلما أعمل هذه الصيغة الملائمة والفرجة المتفردة في العديد من أعماله الأخرى بشكل راق، مهديا إيانا لحظات سعادة فرجوية انغرست في ذاكرة المغاربة والعرب الجمعية. وها هو يمنح معتنقي القراءة، الذين ينكمش عددهم يوما بعد يوم، لذة ورقية إضافية.»
ألا تستحق ذاكرة الصديقي المسرحية إذن أن تتحول إلى أثر ورقي يشكل ملكا مشتركا بين مغارب الأمس واليوم والغد؟

 

عن/ سعيد عاهد (موقع الفرجة)

عن بشرى عمور

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.