في الذكرى المائة لتأسيس المسرح في مدينة الناصرية العراقية  إستذكار لفنانين قدموا ورحلوا –  د . راجي عبدالله #العراق

 

 

في الذكرى المائة لتأسيس المسرح في مدينة الناصرية العراقية       

                                        إستذكار لفنانين قدموا ورحلوا                                              

                                          د . راجي عبدالله                                                    

بهذه المناسبة أشعر بالفخر والإعتزاز لكل من ساهم في تأسيس حركة المسرح في مدينة الناصرية  قبل مائة عام , تلك المساهمة وتلك النشأة التي كانت بجهود فردية لم تساهم فيها أية جهة رسمية طيلة هذه السنوات , وأنا مع ذلك وقبل كل شيء  فخور أيضاً بعطاء الفنانين الراحلين الذي لولاهم لما كانت هذه النشأة التي تحتفل بذكراها مدينة الناصرية . لكن لابد من الحديث عن الكيفية التي كنت أعمل بها وماهي الدوافع الحقيقية التي جعلتني أنا وزملاني نتخطى كل الصعوبات من أجل أن يكون في المدينة نهضة مسرحية حالية يشهد لها الكثيرون , كل ذلك قد تم بجهود الفنانين  الذين أغنوا هذه المسيرة بتجاربهم الرائدة . ولأنني أحد المساهمين في مسيرة المسرح في هذه المدينة منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي .فلا بأس من إنني أستذكر بعض أعمالي في تلك الفترة كتجارب مسرحية مكملة للتجارب السابقة للمبدعين المسرحيين في هذه المدينة من الذين سبقونا  . لقد كنا  عام 1967 في مدينتنا الناصرية الحبيبة نعمل سوية من أجل المسرح , لأن المسرح كان بالنسبة لنا هو المعبد الإنساني الكبير الذي نمارس فيه طقوسنا الإبداعية . هكذا نجحنا في تقديم عرضين مسرحيين مازالا في ذاكرة المدينة هما أغنية على الممر وإنسان جديد بعد عروض كثيرة قدمتها قبل هذا التاريخ كممثل وكاتب نصوص , لكني كنت هذه المرة  المخرج وبعض الفنانين المبدعين هم الممثلون . وكنت على الرغم من صغر سني أخاً روحياً للجميع . أنتم أيها الأحباب الذين مثلتم في المسرحيتين و رحلتم عن الدنيا واحداً تلو الآخر بمرور السنين  : الفنان الراحل عادل ملا عمران , الفنان الراحل كاظم العبودي , الأديب والفنان الراحل محسن الخفاجي , وأنت يا صديقي صالح البدري  كنت آخرهم . لقد كنا صغاراً بوعينا وحبنا للمسرح العظيم وسرنا على طريقه من أجل نهضة مدينتنا التي مازلنا لا نملك مدينة في هذا الكون ببهائها وطيبتها , عندها كنا ندرس المسرح ونؤمن بأن تحقيق النفس وقيمها الروحية لا تأتي إلا من تقديسه ورفعته  من أجل أن نكون أو لا نكون . لقد بعنا ما نملك من أجل تقديم هاتين المسرحيتين بعد أن عجزنا عن الحصول على من يدعمنا إنتاجياً . ونجحنا في النهاية نجاحاً كبيراً على الرغم من كل المعوقات التي مرت علينا  في تلك الفترة . كل هذه الصور يا أخوتي آرها اليوم وكأنها حدثت بالأمس , عادل ملا عمران مازال يمثل على مسرح الجمهورية و صالح البدري يؤدي أفضل أداء أمامه , والراحل كاظم العبودي مازال يؤدي دوره بإتقان في مسرحية أغنية على الممر ومحسن الخفاجي القاص الذي أقنعناه أن يمثل معاً لأن الدور يتطلب بشرة كبشرته السمراء , والجمهور الذي ملأ الصالة بجانبيها كل يوم للنساء والرجال ,  والغبطة كلها تملأ أنفسنا ونحن نغير الديكور من عرض إلى عرض آخر بدقائق معدودات . هكذا كنا معاً أبناء بررة لفعل مقدس عظيم . إنتم  رحلتم جميعاً يا أخوتي وبقينا نحن أنا والزملاء الآخرين في مدينة ولادة للمبدعين الجدد نقف حتى آخر المدى القريب أو البعيد , لكني أشعر أن الحزن في هذه الدنيا يعصر قلبي وأنا بعيد عن المدينة التي أحببتها طوال عمري لأحتفل معكم في هذه الذكرى العطرة  . فبماذا أرثيكم يا أخوتي الراحلين وأنا الذي ودعتكم في الماضي واحداً تلو الآخر وبأية كلمات زكية أصف مسعاكم هذا الآن  وأنتم تستذكرون كل الذين قدموا في مدينتنا وتحتفلون لمسيرتها المسرحية هذه ولتأكدوا بأنها مدينة الحضارة الأولى في التاريخ , مدينة سومر وإرثها المجيد  التي أذكرها  بكل إعتزاز وفخر  طيلة هذه السنوات . الذكر الطيب الدائم للراحلين منذ التأسيس الأول للمسرح في الناصرية والشكر لكم أنتم الذين مازلتم تقدمون أعمالكم كأمتداد إبداعي لكل ما قدم في الماضي البعيد , وها هي مدينتكم تفتخر بكم وأنتم تواصلون مسيرتكم  مثلما كانت تفتخر بكل الراحلين وهم على قيد الحياة .

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح