فضاءات المخرج البولندي “شاينــا” الجديدة ما بين السيـنوجرافيـة والإخراج المسرحى

فى نهايات سنوات الخمسينات  كان “المسرح الشعبى – Teatr Ludowy” بحى “نوفا هوتـا – Nowa Huta” فى ضواحى المدينة القديمة “كراكوف” الواقعة فى جنوب بولندا، يتمتع بسمعة كبيرة، حيث كان يعد واحدا من أهم المسارح الطليعية فى المسارح البولندية. ففى رأى العديد ممن النقاد كان هذا المسرح المتميز يأتى – قبل كل شئ – بفضل ذلك الشاب الفنان السينوجراف “يوزيف شاينــا”، والذى كان يعمل فى معظم الأحوال فى دائرة مخرجيـّن اثنـين من مخرجى هذا المسرح. هذان المخرجان هما: “كرستينا سكوشـانكا”  و”يـيـجى كراسـوفسكى”. فى أثناء بضع سنوات استطاع “شاينـا” أن يشيد لنفسه مفهوما سينوجرافيا متفردا يعكسه فى فنه بأسلوب يتسم بالأصالة والجدة. حتى فى اللحظة التى إذا أراد فيها “شايـنـا” أن يتوقـف عن الإبداع فوق خشبة المسرح، فإنه سيبقى اسمه من بين أبرز الفنانين السينوجراف فى القرن العشرين.
وعلى الرغم من إنجازات “شايـنا” فى المسرح كانت تدخـل فى مجال التيار التـشكيلى المحاول تغيير المسرح فى تلك المرحلة، التى بدأت فى بدايات القرن العشرين،  إلا أن “شاينـا” استطاع أن يصل إلى إنجازات التغيير والتعديل بأسلوبه الفـنى الخاص المتـفرد. ونتجت هذه الظاهرة وبدرجة كبيرة – تـفرد “شــاينا” الباحث عن أسلوبه الخاص فى تغيير المسرح البولندى وتطوير لغته – من معاناة الفنان ومعايشته لما يبدعه والاستمرار بشكل دؤوب واع للبحث عن الجديد فى لغة المسرح وبمحاولاته الفردية فى التفكير فى هذا التغيير والتعديل، دون الاستعانة بإنجازات الفنانين التـشكليـيـن وبرؤى المخرجين الآخرين. فى هذه المرحلة من الزمن كانت الرؤية المعرفية حول الفن المعاصر ضئيلة فى بولندا. لقد عرف “شايـنا” المسرح الجديد فيما بعد فى أثـناء دراسته الأكاديمية، أى بعد عام 1948، وكان هذا المسرح آنذاك هو “المسرح السوريــالــى”، والذى بدأ فى الانتشار فى بولندا بعد سنوات مؤخرا، كان هذا المسرح ظاهرة قليلة الشأن. أما المعلومات التى كانت تأتى إلى بولندا عن الغرب – فى ذلك الوقت الذى كانت ترزخ فيه بولندا تحت النظام الشيوعى فى ظل منظومة معسكر شرق أوروبا- كانت هذه المعلومات تأتى عن طريق الصدفة، كانت قليلة وضئيلة وغير متكاملة. لم يكن معروفا الكثـير عن بدايات هذا الاتجاه السوريالى، ولم يكن معروفا أيضا أولئك المصلحون التـشكيلـيون الذين غيروا المسرح. يذكر لنا “شـايـنا” أنه قد سمع شيئا عن التيار المسرحى “بـاوهاوس – Bauhaus” ، وعن حلول مبدعه “كلى”. ومن المؤكد أنه لم يكن مدركا إدراكا واضحا قيمة إنجازات تيار “البنائيـين” السوفـيـيـت فى مسرح “مايورهولد” ، وتلك النظريات التى تبعت ذلك فى بدايات القرن العشرين. إن القيمة الحقيقية التى اصطبغت بها إبداعات “شاينـا” فيما، كانت من أسبابها الجوهرية التفكير السـينوجرافى للفنـانين البولنديين والتى استفاد منها من نظريات الفنانين أساتذة الفنان التشكيلـى فى أكاديمية الفنون بمدينة “كراكوف” القديمة فضلا عن تطبيقاتهم العملية فى المسرح البولندى، ومن بينهم: الورشة الفنية للفنان “كارول فريتـش – Karol Frycz” وموضوعيته الفنية والعلمية، أصالة الأستاذ المعلم والفنان “أنجـى بروناشكــو – Andrzej Pronaszko” ، الذى نحت فى اللغة البولندى الفنية مصطلح “المؤلف الثانى البلاستيـكى”، لقد ناضل البروفيسـور “بروناشكـو” من أجل وجود هذا المصلح وإحيائه فى المسرح البولندى” عن وعى بأن التطبيق وحده، وليس المخرج التقـليدى، هو الذى ينظم الفضاء المسرحى لخشبة المسرح، ويتحدد معالم هذا الفضاء وفقا للحدث المسرحى. كان من الأهمية بمكان أيضا المناخ الفنى العام الذى تخلقه المدينة القديمة “كراكوف” بتـقاليدها وتاريخها الفنى، هذا المناخ الذى تشكل – بشكل رئيسـى – وكان منبعه تقاليد تيار “مودا بولسكـا” أى “بولندا الفتية”، والتى قد تاثر بها الفنانون واعتبروها تمثل تيار “الانفصالية”، حتى فى حالة فن الشاعر والمصلح المسرحى الكبير “فيسبيانسكى”، فضلا عن محاولات البحث المتأخرة عند جماعة الفن الحديث: وتيارا “الطليعيــة” و”الشـكـليـيـن”.
لم يكن “شايـنا” على علاقة وطيدة بهم، فقد عاد من الخارج فى عام 1947، وفكرة “الطليعية” التى جاءت قبل الحرب العالمية الثانية، قد شاعت فـقط فى وسط جماعة قـليلة العدد من الفنانـين، ومن بينهم من كانوا فى عمره، والذين تلقوا تعليمهم فى أثناء زمن الاحتلال الألمانى فى الخارج. وكان على “شاينـا” – بعد عودته إلى بولندا – أن يكتشف كل شئ بنفسه، وقد نهـل من منـبع المعرفة اعتمادا على نفسه، فضلا عن أنه استغل تجاربه وما عاناه، وكذلك خبرته العملية فى إبداعاته.
تعرف الفنان فى السنوات الأولى على أسرار الورشة الفنيةن حاول أن يقوم بفعل شئ لم يكن على معرفة به، بحث عن إلهامات تشكيلية جديدة. حاول أن يخـتبر تـطبيـقات التى تلى مرحلة ما بعد “القطع الخشبية أو براتيكابلات بروناشكـو”، بجث عن حلول جرافيكية مبسط، تحمل فى داخلها علامات “شعرية – سوريـالية” تخلق أطر عروضه المسرحية، وعن بنائيـة الرمز والدلالة، عن المادة “اللا شكلية – Inform” و”البنائية – konstruktywizm”. منذ البداية – وفى داخله رؤية معرفية عنيدة، تساندها مشروع تخرجه المتأخر، والوعى العميق بتـشتت الأطر بعد نهايات الحرب العالمية الثـانية، فضلا عن الطاقة الفنية الفذة غير المستهلكة، والإيمان بحق التجريب – أثر كل هذا جميعه فى جعل “شاينـا” يسلك سلوكا راديكاليا: إنه يلفظ سريعا ما كان متعارفا عليه وموافقا عليه بعد ممارسته من قبل الآخرين. لقد سعى “شايـنـا” إلى اختراق المجهول، بل تجاوز القيم والمبادئ الفنية المتعارف عليها، وبحث بديلا عنها تعبيرا عن ما يريد إيصاله لمتـفرجه، والذى كان يعتبره الفنان “شاينـا” شيئا جوهريا: مشهد وحدة الإنســان، وضرورة وجود الحرية، إخراج العمل المسرحى من مأزق شـرط الصـراع الدرامى القائم على الحدث التـقـليدى.
أما العلامة السينوجرافية ودلالتها التى تحقق أهداف “شاينا” هى “الفضاء المسرحى”، باعتباره مكانا للحدث. وقد كـّرر الفنان – على طريقته وبشكل يتسم بالابتكار- ما قدمه مبكـرا منذ إحدى عشرة سنة المصلحان المسرحيان الكبيران “إدفارد جوردون كريج” و”أدولف أبـيـا” لعالم المسرح الجديد فى بدايات القرن العشرين. وكان المتغير الأساسى المختـلف عنهما هو أن “شاينـا” وضع لنفسه هدفا محددا وهو تشكيل الفضاء المسرحى فوق الخشبة باعتباره مهمة نظرية، مفهومة باعتبارها مهمة تـتسم بالتجريد. إن ضرورة تشكيل الفضاء المسرحى للخشبة كان هدفه إظهار الممثـل فوق خشبة المسرح وكأنه آت من الحياة نفسها – ومن تجربته اليومية البحتة. ففى “أوشفينـشـيم” – وهو من أهم معسكرات الاعتقال النازى والذى راح ضحيته الكثير من البولنديـين، من مجموع ستة ملايين بولنديا – كان “شاينـا” معتقلا ومسجونا فى زنـزانة ضيقة وصلت مساحتها إلى تسعين سم فى تسعين سم، بقى فيها “شايـنا” سجينا فى هذه الزنزانة المظلمة طوال اسبوعين كاملين منتظرا مصيره وهو تنفيذ حكم الموت، وبداخله شعور بأن هذا الموت سينفذ فى كل لحظة، لقد عانى “شاينا” شعورا عميقا بالمكان، وأحس بما يمكن أن يعانى الإنسان منه من وجوده داخل فضاء مغلق صغير. رأى من داخل جفنى عينـيه وجود فضاء داخلى عميق، منتـشرا وقد تشكل فى فضاء أبدى غير منته، على الرغم من أن المكان – الذى تـشكل من خلاله هذا الفضاء – كان ضئيلا ومحدودا. لقد ارتبطت مشاعره بالمعاناة التى عايـشها “شايـنا” داخل هذا المكان، بالشعور بالتناقض غير المبالى بما هو فيزيقى (جسدى)، وبما هو سيكلوجى (نفسى): حرية الخيال الكاملة، والذى رافـقه شعور بضرورة الموت، والضوء اللا نهائى غير المنته بالدخول إلى منطقة الدمار.
إن أفضل مكان لإظهار الفضاء الإنسانى فى العمل المسرحى، هو استخراجه من عالم الأحلام، ومحاولة الحفاظ على أصالة هذه الرؤية “الحلمية” وعلى ابتكاراتها، لتكون الرؤية أكثر أصالة من عالمها الحقيقى. لقد وجد “شـايـنا” فى المسرح مأربه ووسيلته فى التعبير عن نفسه وفنه.
كان عليه أن يتنازل لتحقيق هذا الهدف عن كل قواعد السينوغرافيا القديمة، بادئا من تجاهله لوظيفتها العامة وصولا إلى إلى مبادئ جديدة تضع الحدث المسرحى فى قلب المكان المحدد المختار من قبل الـفنان.
منذ البداية ولا يعير “شاينا” انتباهه هوامش المؤلف المسرحى المكتوبة على هامش النص المسرحى، فضلا عن أنه كان يقف بالمرصاد ضد تكونات البنية الداخلية التقليدية لنـسيج العرض المسرحى. ولذلك حاول “شاينـا” أن يشيد فضاء مسرحيا عاما يستجيب لمختلف أماكن الأحداث المسرحية وتـنويعاتها، لقد عـرّى خشبة المسرح من ديكوراتها الواقعية والمرسومة والمبنية التى تطوق المكان وتخنقه بزخمها غير المطلوب، وكذلك من المهمات المسرحية “قطع الإكسسوار” الإيضاحية والتصويرية. وبديلا عن كل ذلك أبدع “شاينـا” فراغا مسرحيا يمكن أن يتواجد الإنسان فى مركزه وحيدا متـفردا. فى عدد نادر من سينوغرافيات “شاينـا” والتى يعود تاريخها لسنوات الخمسينات، تظهر لنا عدة لوحات فنية تـنبع من عدة فضاءات مسرحية، فكان على الفنان أن يحدد بدقة مكان الحدث، عندما كان مضطرا أن يكون إما تابعا للحدث المرسوم والموصوف من قبل مؤلف النص المسرحى أو للمخرج ذاته. ونجد تأكيدا لهذه الفكرة فى عروضه المسرحية الأولى التى قدم فيها تصميماته السينوغرافـية، حيث قام بتصميم أربعة عروض مسرحية فى عام واحد 1956 هى على التوالى: “الأميرة تـراندوت” لجوزيـه”، و”رجال وفئران” لـ”شتاينـبيـك”، و”أبطال عالمنا لـ”سـينجا”، و”اليعقوبيـون والرائد” لـ”ويرفـيل”، ثم “بيت دون كيشـوت” لـ”فردى” عام 1957، و”مسميات السلطة” للكاتب البولندى “بروشــكيـيـفيتـش – Broszkiewicz”  فى العام ذاته.
إن بطل العرض المسرحى يصبح بدرجة أكبر مجرد “فراغ” او على الأحرى جزءا من الفضاء المسرحى فوق خشبة المسرح. وكان الفضاء برمته محددا عبر علامات تتصف بتواضعها واقتصادها الفنى فى صيغها المعمارية، ومعلقة فوق رؤوس الممثلين، إنها تعبر عن ثقل معبر عن فزع الإنسان الداخلى وهلعه مما يحيط به.
فى البداية يشيد “شايـنا” فضاءا مسرحيا مفتوحا واستخرج من الفضاء المسرحى مسطحات أفقية، وسـع من حدود مجالها الفضائى عبر ميل مقصود يظهر ملامح الشخصية الإنسانية ويؤكد حركتها فوق خشبة المسرح. وفى مرحلة تالية يشـيد “شايـنا” تصميما تشكيليا لفضاء مسرحى مغلق سمته التجريد المطلق، وتحديدا فى العروض المسرحية التالية: “المجنون والراهبة – Wariat I Zakonnica” للكاتب المسرحى الطليعى “فيتكيفيـتش” عام 1959، و”القفص” فى عام 1962، و”المفتـش العام” للكاتب الروسى “جوجول” عام 1963. تميزت سينوغرافية هذه العروض المسرحية بانها عكست مفهوم “شاينـا” وموقفه الذاتى تجاه العالم، حيث أظهر عبر أسلوبه الفنى الشعور بالعبودية للإنسان المعاصر، وشعوره بالخوف والـفزع الداخليـين المزمنين. لقد أضحت الخطوات الأولى للفنان بناء الفضاء الكامل، مع خلفية خالصة لملامح الإنسان المعبرة عن حريته ووحدته، وعلى أقـل تـقدير سعيه للاقـتراب منها.
كانت الفكرة المثـالية للفنان السينوجرافى – إذن – هى بناء مسرح جرافيكى منحوت، اما الضوء الذى رسقط على الخلفية الخالصة فى عدد من هذه العروض المسرحية فقد خلق تعبيرا أقرب ما يكون إلى الرسوم الجرافـيكية لملامح شخصيات متحركة فوق الخشبة. واستمر هذا الاتجاه وتواصل عند “شايـنا” حتى مرحلة الديبلاج – debalage”. وهى آخر مرحلة من مراحل إباعات “شاينا”.
فى نهايات سنوات الخمسينات والستينات، وتحديدا عندما أخرج مسرحيـتى: “العاصفة” لـ”شيكسبير” و”رومولوس العظيم” لـ”ديرينمــات” عام 1959، ومسرحيتى: “فرحة استعادة القمامة”، و”الأورستـيا” لأيسـخولوس عام 1960. وكذلك فى الكوميديات الشيـكسـبيرية، عندما أضحت مواد القماش التى وضعت كخلفية خشبة المسرح لتمثل “بانورامـا” الأفق الخلفية تتسم بوزنها الثـقـيل، لتتغير وتتحول إلى ستـائر تصمم أشكالا متجانسـة ومتنوعة، ويصبح إطار هذه الستائر وشكلها الخارجى أكثر ثراء من مواد الأقمشة، حيث يتسلل الضوء بمنافذه فى شتى الأمكنة وبشكل أكثر عمقا، تكشف عن أراض جديدة للعب التمثيلى والفضاء المسرحى المتـنوع.
إن فضائية السينوغرافيا وفراغاتها، وضرورة إدخال الحركة قد أصبح وجودها مشروطا بوجود تقنـيات خاصة بها وكيفية إعدادها فوق الخشبة. وكان لابد أن تتواجد ثمة عناصر تتسم خصوصيتها بالاستقرار والاستـتباب. كانت معدة ومصممة على الحبال والعجل (العجلات)، والشئ الطريف أن “أنجـى بروناشكو” – أستاذ “شاينا” ومعلمه قد أثنى على تلميذه، واستملح فكرته، وأعجب بها كثيرا، بعد مشاهدة العرض المسرحى الذى قدمه الفنان الشاب “شاينـا”، وشعر بالحسرة أنه طوال حياته كلها كان عليه أن يستخدم “البراتيكابلات” على عجل.
إن العمل التشكيلى الذى قام به “شاينـا” كان متنوعا، ويشعر المرء بالدهشة لثراء الأفكار والحلول السينوغرافية الجديدة التى أبدعها الفنان “شاينا” فى تـصميماته وإخراجه المسرحى. والفنان لم ينسخ أية نموذج مسبق ولم يكرره. لقج استغل شكليا الإنجازات العديدة للفن الحديث غير مستقل أى طراز منها بمفردها، غير متناس أهدافه التى كان يرمى إلى تحقيقهـا. إن أهدافه هذه قد حددت حلولا بعينها فى عمله الإبداعى. وفى المرحلة المبكرة لأعماله السينوغرافية التى كان “شاينا”يقوم بها، كانت تظهر فى خلفياتها وفى الأزياء التى يقوم بتصميمها أيضا مبادئ وأسسا إبداعية جديدة ظهرت فيما بعد فى مختلف البنيات الفنية التى تتلاءم مع أفكار “شاينـا” الجديدة والتى اتسمت بها أعماله التى قدمها فى مرحلة تالية خاصة وتحديدا فى أعماله “سيرفانـتـيس”عام 1973، وحتى فى عمله المسرحى القصير “اقـتـفاء أثر – Slady” عام 1993. واتسم تصميم أزيائه بسمة “السـمو”، خاصة فى أعماله المبكرة الأولى التى قدمها، فقد امتزجت روح البطولة بالسخرية “الجروتسيك”، والجدية بالمفارقة. كان على “الزىّ” أن يحدد السمات السيكلوجية غير المتغيرة للشخصية الإنسانية ونموذجه المتكرر فى التاريخ الإنسانى. من خلاله كان ينبغى أن يكون هذا النموذج واضحا للعين، كان عليه أن يتواصل مع الخير المتمثـل فى الحكمة، ومع الشر الذى تمثـله القوة والسلطة الغاشمة، الذى يتصارع مع الضعف الإنسانى البرئ، الذى يتمثـل أحيانا فى الرضـوخ والخنـوع.ولقد أضاف “شاينـا” إلى هذين النمطين أو النوعين من “الزىّ” إضافات تتسم بالسخرية اللاذعة. فالخيال الديـناميكى عند “شـاينـا” قد أدّى إلى إدخال العديد من الوسائط والوسائل الفنية المتعددة التى استخدمها الفنان فى مسرحه فيما بعد.
وحتى عام 1962 – خاصة فى المرحـلة الأولى لإبداعاته – لم يكن “شـايـنا” قد قـرر بعد ماهيـة “ربـيرتوار” مسرحه، كان يختـار آنذاك فـقط لـصياغة مسرحـه البلاستـيكى – التـشكيلى – الأعمال التى تقترب من فكره التشكيلى. إن تشكيله للفضاء المسرحى قد أدىّ به إلى اختيار أحداث مسرحية بعينها، وعلى الرغم من ذلك، فإنه هذا الاختيار لم يكن قائما علىاختياره لممثلين يكون عملهم الفنى قائما على الفعل والحركة، بل كان متطلبا منهم أن يكونوا موضوعا للتشكيل أكثر من كونهم موضوعا للتعبـير. وحتى نهاية التدريبات والبروفات لم يكن تصميم المهمات المسرحية – قطع الإكسسوار – نهائيا، بل لم تكن معروفة وظيفـتها بعد. كان المكان الساكن غير المتحرك والذى تقع فيه الأحداث المسرحية مجرد ظلال للحياة التى نشاهدها فوق فضاء مسرحى مهجور، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أن “شايـنا” فى العرض المسرحى “رجال وفئران” لشتاينبـيك، قد أثرى خشبة المسرح بعناصر مشاركة أخرى، معطيا إياها مسحة من “القداسـة”، الناتجة عن الصدق الفنى، والطابع المتسم بالأسرار الذى يهيمن على العرض المسرحى بأسره. أما الإطار السينوغرافى فقد تحددت معالمه وسماته عبر الحلول المتكاملة للفضاء المسرحى بواسطة مفردات لغة تتسم دلالاتها بالطابع التـشكيلى الاستعارى، تقترب من التـكثـيف الانفعالى والشعورى للعرض المسرحى، كما نرى – على سبيل المثـال – حالة الانتظار اليائسة التى نشاهدها فوق خشبة المسرح فى “المقهى” – أحد مشاهد العرض المسرحى “اليعقـوبيـون والعقـيد – Jakobian I porucznik”، حيث نرى الخطر المحدق للدمار الشامل، والذى تأكد فى ذلك التشكيل المجرد الذى اقترحه “شاينـا” فى التكوين السيـنوغرافى المعلق فى العرض المسرحى “حالة حصار” لـ”ألبـير كامو” عام 1958، أو فى العدوان العسكرى الذى نـشاهده فى فى المشهد المسرحى الرئيسى للعرض المسرحى “السعادة من قمامة الزبالة المستعادة” عام 1960، وكذلك فى حالة اللهو الجماعى المشترك ، كما نشاهد فى العرضين الشيكسبيرين “كما تهواه” عام 1962، و”حلم ليلة صيف” عام 1963. وفى مشاهد مسرحية أخرى تمنح المتفرج شعورا بتوحد البطل أو موضوعية العلاقات الإنسانية. وتتأكد هذه الأفكار وتتضح أيضا فى العرض المسرحى “باسم السلطة – W imie wladzy” للكاتب البولندى “بروشكييفيتـش” عن طريق الرسم التقنى للبراتيكلابات، ونماذج تصميم الأزياء، فمن خلال تغيـير الستارة السميكة الكثيفة، تتبدل بأخرى جديدة، مما يمنحنا فضاء مسرحيا ضبابيا، كما نشاهد فى فى العرض المسرحى “أنتـيـجون” لـ”سوفوكليس” عام 1964.
تمثـل هذه المشاهد المذكورة – بشكل واضح – تطور أفكار الفنان، والتى تـتخللها اكتشافاته التـقـنية/ التكنيكية، والتى لا تـقلل من من قيمته الـفنية الكبيرة. كان كل عرض مسرحى – على حدة – يستخدم كل هذه العناصر والاكتـشافات بأسلوب يقوم على التـشـكيل الذى ينضج ويتكامل فى أثناء العرض المسرحى نفسه.
لقد كان شاينـا” دائما ما يبحث ويختبر ويعدل. لقد استخدم مواد شديدة التنوع والاختلاف: قطع الصفيح، والوحدات الخشبية، والأوراق الحائطية، والبالونات الورقية، والأقمشة الثـقيلة، وطلقات الرصاص الفارغة، فضلا عن مختـلف أنواع الشـباك الثـقيلة. لقد استغل مختلف أنواع “السفايت” (المفرد منها: سوفيتـا) المعلقة، والآليات المتحركة والحبال، والعرائس المتحركة الضخمة، والأقنعة، والمانيكانات المتخشبة، والعناصر المتحركة التى تزحف فوق الأرض، والتى تكون أحيانا مجرد رسومات متحركة، كما نشاهد فى “أمسية الملوك الثلاثة” لشيكسبير عام 1961. لقد صمم “شاينا” أيضا تصميما سينوجرافيا يمنحنا مناخا شعوريا أحاديا، يقربنا من الشعور الجماعى والدلالة الرامزة إلى المعنى، والرامية إلى الاقتراب من الاستعارة، والتـشكيل الغنى الساخر. ويكون بمقدور الفنان فى الوقت نفسه – مستخـدما بنيته المعمارية المسرحية الذاتية – أن يبدع أطارا استعاريا للأعمال المهمة فى الثقافة البولندية، والتى يطالب من خلالها تنبها خاصا، ومن هذه الأعمال التى صمم لها سينوغراقية تتسم بخصوصيتها العرض المسرحى الكبير “الأجداد – Dziady”  لكاتبها البولندى الرومانتيكى “آدم ميتـسكيـيفيـتـش – Adam Mickiewicz”  عام 1962، أو”الكوميديا اللا إلهية – Nie Boska Komedia” للكاتب البولندى الرومانتيكى “زيجمونت كراشيـنـسـكى – Zygmunt Krasinski” عام 1959. إن هذا النوع من السينوغرافيـا – المقروءة من قبل المتـفرجين – قد اتسمت مقوماتها بمزايا تمثـل إبداعات الفنان وسمات شخصيته.
إن رسالة “شاينـا” قد تحددت معالمها فى منتصف سنوات الستينات. ولكنه منذ بدايات رحلة إبداعاته المسرحية الأولى وصولا إلى العرض المسرحى “ربليكـا – Replika”، نجد أن فكرة “نزع الأقنعة” عن الوجوه، تلك الفكرة التى تـقف فى جدل نقدى ضد الصياغات والأشكال  الفنية والثقافيـة الفارغة أو المفرغة من محتواها، فضلا عن تلك الظواهر الاجتماعية، قد احتـلت المرتبة الأولى فى هذه المرحلة من إبداعاته. وقد رافقت هذه المرحلة أيضا الحاجة إلى ضرورة إبداع عمل مسرحى جديد. إن “شـايـنا” مثـل كل فنان طليعى يرى أنه ينبغى على الفن المسرحى أن يعيد بعث التراث المسرحى، على شريطة أن يعصــّره ويجعله متوافقا مع الحضارة المعاصرة، وعلى أن تكون صياغة هذا التراث متوائما ومتلائما مع المتغيرات الإجتماعية ومتغيرات التـقنـية. إن الفن محكوم على تواجده بأن يكون هذا الوجود داخل عالم الصناعات والسلع الاستهلاكية المتمشية مع ثـقافة الجماهير المنتشرة، والتى يطلق عليها بثـقافة “quasi-artystycznych” أى السلع والمنتـجات الفنـية ذائعة الانتـشـار، لذلك عليه أن يؤكد ويبرهن على استـقلاليـته. وبعد تدمير النظم الفئوية التقليدية، وأساليب تـقارب البشر، بعد ضياع القيم، يصبح من الضرورى أن يعاد مرة أخرى تـشيـيـد البناء من أساسه.
إن فرصة إبداع صياغة فنية جديدة تتـناسب بكاملها مع المعاصرة، تجعل “شـاينـا” يلاحظ هذه الظاهرة المسرحية الفنية بعد بضع سنوات من إبداعاته السينوغرافية الأولى. وفى دراسة له تـنشر فى عام 1962 بعنوان “حول وظيفة جديدة للسـيـنوغرافيا – scenografia”، حيث يتكرر مفهوم هذه الدراسة مؤخرا العديد من المرات، تجعل من “شايـنـا” يعلن أنه فقط عبر التغيرات الجوهرية فى بنية المسرح الأساسية، يمكن اختراق تلك حواجز المفاهيم القديمة وتطبيقاتها المسرحية وتجاوزها. ينبغى أن يكون لهذا المسرح – إذن – شخصية ديـناميكية، باحثة عن حقيـقة نهائية عن هذا العالم المحيط بنا. هذا النوع من المسرح يشكل خيال المتفرج دون اقتحام الشعارات الأخلاقية، ودون تأسيس شكلى لمخيلته. مسرح كهذا لا يستسلم للتأويل النصى أو يسعى لتقديمه فـقط. هذا المسرح الجديد تـتكثف فيه وتتضافر فيه الاستخدام الفاعل للوسائط المسرحية وأدواتها وتتـفاعل فيما بيـنها – تماما كما كتب “شايـنا” فى الدراسة السالفة المذكورة: “إن مسرح متوحد، يستعيد – بشكل يتسم بالمهارة والفاعلية – الشمولية فى المعنى بواسطة استخدامه لمتغيرات “الفورم” بمختـلف أشكاله وصيغه، عن طريق المعانى أو المضامين التى تتضمنها الدلالات والعلامات التشكيلية الى ترينا الحياة باختلاف مستوياتها المتعددة فى آن واحد. إنها رؤيــا من زوايا مختـلفة، يعبر عنها عبر الاقتراب والابتعاد المهمات او الأشياء التى يستهدفها العرض المسرحى، وترينا “الشخصية الإنسانية أو المشكل (القضية)” من داخلها. مستخدما فى هذا وسائط ووسائل غير نمطية أو تـقليدية، معبرا عن الصـراع الداخلى، مؤديا به إلى الخلاصات النهائـية والذاتـية التعبـير. موضحا أسلوب حركة الصراعات الفاعلة، والتى قد تبدو غريبة عن بعضها البعض ومتـناقـضة فيما بينها، لطبيعة الحياة العبثـية والساخرة. وتسمح فى نهاية الأمر بتصادم الفعل المسرحى بتـفاعلاته.
إن جوهر مفهوم “شاينـا” وحتى صيغه قد تكررت فى دراسة تالية تحت عنوان “نحو مسرح مفتوح فقط – Tylko teatr otwarty” وقد صدر عام 1971. وقد وجدنا هذا المفهوم أيضا فى دراستين تاليتـتين – “عبر مادة العرض المسرحى – Materia spektaklu” فى عام 1978، أما الدراسة التالية فقد أعدها “شايـنا” فى سنوات الثمانينات تحت عنوان “السـرد التـشكيلى فى المسرح العضوى – Narracja plastyczna w teatrze organicznym”. هذه الدراسات المذكورة فضلا عن عدة حوارات أديرت مع الفنان فى سنوات السبعينات، قد كشفت عن تكوين فكره، ووجهات نظره عن مكانة الفن فى المجتمع ووظيفته، وطريقة تـلقى التجربة المسرحية. إن هذا كله قد سمح للفنان بأن يقوم بتحديد الطرق الجمالية والفلسفية التى آمن بها “شايـنـا” فيما بعد‍! لقد سيطرت عليه هذه المفاهيم لتـشكل طريقته فى العمل، فضلا عن تحرك العمل المسرحى للأمام والتعبير عن العمل الفنى عبر أهدافه ومسببات وجوده. إن وجهات نظر “شايـنا” التى تطورت منذ سنوات الستـينات، وعبر عشر سنوات متلاحقة، ثم بعد ذلك سنوات الثمانينـات الصارخة والمعبرة عن فنه بشكل واضح، فهذه السنوات غاية فى الأهمية لمعرفة مسرح الفنان “شاينـا” ولتـفهمه فى أهم فترة إبداعية فى حياته أى منذ الفترة التى أصبح فيها “شاينــا” مديرا للمسرح الشعبى فى مصهر نوفا هوتـا فى جنوب المدينة القديمة “كراكوف” وعندما غادر “مسرح ستـديـو – Teatr Studio”. والأمر الجدير بالذكر أن الفنان أعلن عن مسرحه الجديد ولغته المسرحية الجديدة فى عشرات من اللقاءت التى أقيمت بعد العروض المسرحية بمشاركة جمهور مسرحه عند مشـاهدته عروضه المسرحية فى بولندا أو فى مختـلف دول العالم.
إن جوهر الحلول الفنية عند “شايـنا” حول الفن المسرحى كان هو تـقيـيـم المعاصرة تقييما موضوعيا، وعلى وجه الخصوص بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فقد هيمن يقين عميق فى السياسة وفى الحياة الاجتماعية بشكل عام، أنه قد ساد شعور بالقسوة الإنسانية عند البشر. وتتسم هذه القسوة قرارات الجماعات الحاكمة، وبعض الأفراد. إن الأفعال العدوانية المتكررة إنما تدفع دفعا إلى أخطار محدقة بالحياة. فالعالم ينحو نحو تدمير نفسه، ويقترب اقـترابا حثـيثا نحو الهدم والدمار- وينطبق عليه الشعار الذى أطلقه “شـاينـا” يصف العالم به، وهو “اللا ممكن – اللا مكان – اللا شئ”. ثمة ظواهر عدة قد أفسدت الحضارة المعاصرة واصابتها بالانحلال، وكانت سببا فى تزايد فوضويتها. ولذلك فإنه فى الوقت الحاضر يبقى للفنان من صراعاته مع الوضع العالمى مع حالة الفوضى المعاصرة، أن يخلق قيما جديدة أو يدافع عن البقية الباقية من العالم القديم، لتبقى نظمه التى تـشتت عن طريق الطوفان الذى أصاب القرن العشرين.
وعلى الرغم من الكارثة التى أصابت العالم فإن “شايـنـا” قد ركز اهتمامه على مواصلة النشاط الإنسانى. خاصة ذلك النشاط الإنسانى الذى يصبح نشاطا مضادا – باعتباره تدخلا فاعلا. إن الفنان على المستوى الديالكتيكى رأى خصائص هذا الفكر، والإبداع، أو الحياة العملية، لكنه لم يقف أبدا بالمرصاد فى مواجهة الوجود البشرى فوق الأرض والسعى نحو إعادة بناء القيم الإنسانية، ولم يقف أيضا حجر عثرة فى مواجهة أمنياته وشعوره بالحرية. إن مفاهيم “شايـنـا” – مثل فنه – أمست رسائل موجهة نحو البشر. ففى الوقت نفسه كانت عملية من عمليات الفنية المعتمدة على الثـيرابى “أى المداوة والعلاج عن طريق الفن”، تدافع عن الإنسان نفسه، وهى فى ذات الوقت إشارات وعلامات تتحدد من خلالها العمل الفنى للفنان. إن طريقة تـفكير “شايـنا” وهى تحمل داخلها سمة التبشير والإبداع الفنى الخالص، إنما كانت تمثل بعدا أخر من أبعاد الفنان. لم يكن هدفه كتابة خلـفية تنظيرية لإثبات ما يقوم من إبداع. وما يثبت ذلك القدر الضئيل من التصريحات حول إبداعاته الفنية، فضلا عن بنية الكولاج، الزاخرة بالتناقضات، والأحكام الشجارية والحبكات الملفوظة، والتى تقترب فى التكوين من اللوحات المنحوتة، أى تقترب من العروض المسرحية.
ويذكرنا “شاينـا” فى عدد من النصوص باستمرار تغيرات القيم الحسية والجمالية بفئاتها ومرتباتها. إنه يحدد بنفسه الجمال باعتباره قيمة جديرة بالتذكر، كما لاحظ أن هذه القيمة قد لتعرضت للتدمير، وفقدت شكلها، وكان عليها أن ينكسر فيها أساسها البنائى، وارتبطت برباط وثيق بالتهدم والتعبـير، ويقول “شاينـا”: “إن ذلك الذى يعد جمالا، هو تمرد بعينه، أو: تلك المادة المنفصلة التى توجد وتحمل داخلها خصوصية الجمال، تلك التى خلـقتها اليونان”. وفى الوقت نفسه يعلن عن ضرورة الفعل أو النشاط الفنى داخل العمل الفنى من موقع الوقوف بالمرصاد ضد الشرور الموضوعية والذاتية – ويستطرد قائلا: ” إننى فى تنفيذى لهذا الهدف، الذى يخدم فى الدفاع عن الإنسان، إنما هو موجه ضد فساده وانحلاله، وضد توحده بها، وضد الخضوع إلى الآخرين من البشر مثله، ضد البراجماتية،والأهداف الاستهلاكية، وفى نهاية الأمر ضد ثقافة الأشياء الجامدة الميتة والارتباط بها. إن الفنان فى التعبير الفنى الذى يطرحه على متلقيه، قاصدا به أن يرينا العالم وهو زاخر بالتدمير، إنما ينبغى عليه أن يخدم ويدفع المتلقى فى مساعدته على توحد شكل هذا العالم – عليه أن يصبح قيمة انسانية حقيقية، حتى وإن حدث هذا داخل المتـفرج سيكلوجيــا.
يساعد على تحقيق هذا المنظور الفكرة المطروحة، ليست هذه الفكرة متعلقة فقط بوجود العالم، الذى لم يكن الفـنان متيقنا من قواعده، التى يمكن أن تتعلق بالقضايا الأبدية المرتبطة بالإنسان – حياته وموته، عقيدته وكفره، خير وشره. لقد أعلن “شايـنا” أنه مهتم بذلك الذى يوجد “ما بين الحياة والموت”، إنه يمثل بالنسبة له صعوبة فى إفشاء سر ذلك الذى يعد مجهولا، ومعلقا ما بين السمات المتضادة فى ازدواجية العالم وثنائية الطبيعة البشرية. إن الرغبة فى إيضاح جوهر أسرار البقاء الذاتى للإنسان والهدف من الحياة البشرية، قد وجه كل ذلك معا الفنان بدرجة متساوية نحوضرورة التعرف على الآخر، والحكم على الحياة البشرية ومتـغيراتها. يتحـدث “شايـنا” عن أعماله الإبداعية، أنه عبر هذه الأعمال يحكم على العالم ويسخر منه فى آن واحد، إنه عبر هذه الأعمال يرينا غضبه ويعبر عن سخريته منه، وفى الوقت نفسه يتحكم فى مشاعره وأحاسيسه الذاتية، معتقدا أنه من الأفضل التحكم العدوان الداخلى عن طريق التـنفيس عنها لخدمة الآخر وتدفعه ذاته نحو هدم الضغوط والخوف الداخلى الذى ينـتاب الإنسان المعاصر. وأحيانا ما ارتبط عند “شاينـا” الاحتجاج الكامل الأخلاقى بالرومانتيـكية، وتواصل بالاقتراب بذلك الذى يعد داخليا عند الإنسان.
فى معظم المقولات المسرحية لا تظهر الأفكار باعتبارها أفكارا مجردة، ولا باعتبارها مرتبة فلسفية خالصة، بل باعتبارها قضايا إنسانية محددة، وهى تبدو بشكل جوهرى فى صياغة تساؤلات مطروحة، والتى يبدو على مستوى الحياة اليومية لا يوجد لها إجابات. ودائما ما كانت هذه التساؤلات تستفز فن “شايـنا”، وصاحبها كان دوما يكرر أن ذلك الذى لديه لقوله، أهم من تقنيات العمل الفنى و”ورشته”، وأهم أيضا من الأدوات والوسائط الجمالية، بل أهم من لغة التشكيل ذانها. لقد أصبح طرح الأسئلة أهم واكثر فعالية من الصيغ الجاهزة. لقد ظهر كل ذلك فى تلك اللوحات المتتالية المنحوتة التعبيرية داخل العمل الفنى، أو تلك التى تقال ليس عبر الكلمة. قال “شايـنا” معـّرفا مسرحه بأنه لا يضع فى عروضه المسرحية أية موضوعات جوهرية تعتمد على الرسالة الكلامية، بل الجوهرى لديه هو فعل الإبداع ذاته.
إن فكر “شاينـا” – وفقا لنظريته المعلنة حول يقينه من “اختـفاء البنـيات الفكرية والصيغ الشكلية” – والتى لم تكن قادرة على قول الكثـير إلا فى حالات نادرة، عندما كانت تلمس الخطر المحدق بالوجود الإنسانى أو ترتبط بالفن. لقد تواجدت كل هذه الأطروحات على شكل تساؤلات كثيرة. لكن الموضوع الرئيسى أصبح مركزه “الإنسان” – الملاحظ من خلال مواقف شديدة الخطر على طريق حياة تؤدى إلى الموت، الإنسان فى حالة تلاشى، فى نضاله الرومانتيـكى من أجل الكبرياء. ويحدث هذا الفعل الممثل فى دفاع الإنسان عن نفسه بفضل مقومات شخصيته وموقفه الذاتى، الباحث عن الحقيقة عن نفسه من خلال الوقوف بالمرصاد ضد ضعفه الإنسانى الخاص، والتغلب على المصاعب التى يواجهها، وعبر مواجهة الذات، والبحث عن هويته، أو من خلال مسـيرة حياتـه القريبة من حياة الفنان الرومانتيكى، المتشوق إلى المغامرة والمخاطرة، والى يموت أحيانا للدفاع عن فكره، دون الانتباه إلى ما يحيط به من الجماعة التى ينعدم فيها وجود الفردية، ويظهر كل ذلك بصور متنوعة شتى فى عروض “شايـنا” المسرحية. لقد كانت عروضه الحاوية “بورتيرهات” مسرحية، سلسلة من السير الذاتية عن الفنان “شاينـا”. رافقت عمله المسرحى لوحة تشكيلية أخرى، تقترب من الذات المشتتة والمتناثرة، نرى فى وجوهها تزمت القناع وتشيؤه، وترضى بقـيم هافـتة. وعلى الرغم من الحضور الدائم لـ”شـايـنا” إلا  أنه قال عن الفن بوضوح: “الإنسان ما هو إلا شئ ويملك قدسيته” – ويستطر قائلا: “ثمة شئ غير مستمر فى الأشياء، وثمة شئ متواصل ومستمر فى البشـر”. ويؤكد “شاينـا فى الوقت نفسه أن البشر يملكون روح عبودية.
وربما يصبح المر على هذا النحو لأن “شاينـا” اعتبر الحرية تحركا بشريا يتخذه الإنسان مناقضا لما يراه، ومحاولة منه للقضاء على عقدة الشعور بالعبودية، والضغط الساعى إلى تحقيق فردية الذات. وفى فنه المسرحى كان يقترب نحو القيم، التى يمكن أن تدخل فى نسيج العمل الفنى وتكون جزءا لا يتجزأ منه.
وبمعايشته  لحريته يـصل “شاينـا” ذاته بفعل الإبداع المرة تلو المرة – وفعل الإبداع لديه هو فعل الاختيار، يقف بالمرصاد ضد الدمار ووفاء الفرد الذى يتعايش معايشة كاملة فيما يفعله. إن إبداعات الفنان – خاصة دوره الفاعل على مستوى المنظور الشمولى، لتحريك خياله وإثارته – مما يسمح بالتعبير عن نفسه بنفسه بعيدا عن مختلف أشكال الضغوط والقهر. وكان هدف “شايـنا” الفن الذى يقوم على شمولية المعنى والمحتوى، وتقيـيم العالم غير المهتم بالمعنى او الرسالة الأخلاقية الحرفية، حتى ولو اتهم الفنان هذا العالم وأدانه، وبهذا المعنى فإن هذا التقييم يسمح له تجاوز حكمه على العالم بشكل ذاتى غير موضوعى. ويلفظ الرؤى الشخصية.
لقد لاحظ الفنان “شاينــا” أن فعل الإبداع ينشأ عبر نبضات تتشكل وتتكون فى أثـناء مسـيرة العمل الفنى. ويقود الحدس الفنى أو الإلهام عبر مختلف مراحلها المتـنوعة معانيها ومحتوياتها المرتقبة، والتى كانت جزءا لا يتجزأ من تكوين العمل الفنى ويتلاءم مع فكرته التى تتصف بشموليتها وتتجاوز زمنها الآنى. إن الانشغال بالعمل الفنى إنما يشغل ذاتية الفنان بكليتها، ويرتبط هذا الأمر بمخاطرة الفنان الشخصية، للدرجة التى يصل فيه انحياز الفن إلى الموت، خاصة إذا اقتحم الفنان مناطق مجهولة. “(….) فالعمل الفنى بهذا المعنى – يستطرد “شايـنـا” – أساس لاقـتـفاء الأثر وبحث الإنسان الدؤوب عن ذاته وزمنه، الذى يحيا فيه، والعمل الفنى – عبر هذه الأطروحة – هو وسيلة لإبراز فكر ما، وفى الوقت نفسه هو تنفيس شعورى، أو التخلص من شئ، تفرضه ضرورة الإجابة عنه”. فالفنان يجمع فى أعماله الإبداعية نتـائج صراعه الداخلى – خبراته ومشاعره الذاتية. إنه يرينا حقيقة بشرية ما، ويستخلص منها نتـائجـها وأثارها المترتبة عليها، وأخيرا يطرح “شايـنـا” تساؤلات؛ وغالبا ما تكون هذه التساؤلات كثيرة أكثر من الأحكام العامة. ولتحديد التجربة الحسية والجمالية عند الفنان – يـقول الفنان: إن هذه التجربة أكثر دقة من فكرة الجمال ذاتها.
لقد أراد “شايـنا” باعتباره فنانا سيـنوغرافيـا تشكيل فضاء مسرحى داخل الفضاء الشمولى. وأصبح هذا الفضاء معارضا للاتجاه الذى يميل نحو الدمار الإنسانى – وكان يعنى هذا الشعور بـ”الآنيــة” المحددة أكثر من الشعور بـ”الديـمومة”. وقد كرر “شايـنـا” قوله بأن عمل المخرج فى المسرح هو كذلك عمل فى الفضاء المسرحى وتشكيله الزاخر بالأحداث المسرحية التى تستكمل هذا الفضاء. ولذكر منابع مسرحه ومصادره، ذلك المسرح الذى يطلق عليه فى معظم الأحوال بـ”المسرح المفتوح” أو “المسرح العضوى”، فإنه – فى المرتبة الأولى- يشكل فضاء هذا المسرح، ثم يقوم بعد ذلك – بتصميم رؤيته الفكرية الشعرية، والرؤية التصويرية (والمعنى بها التصميم المعتمد على الرسم) وتصميم المـنحوتـات. لقد كان الفضاء المسرحى – فى حد ذاته- لـ”شاينـا” إبداعا ومتغيرا فنيا، فالفضاء المسرحى – بشكل عام – مستوى هاما للتكوين الفنى للعمل المسرحى، فكرة، تحديدا لشمولية معنى الفعل المسرحى . وعلى مستوى التطبيق المسرحى، فإننا نجد أن فكرة الفضاء المسرحى لا تتعامل دوما مع عنصر مسرحى بعينه. لقد تعامل “شاينـا” مع الفضاء المسرحى باعتباره كيانا ماديا ينبغى تشكيله.
فى أقواله نادرا ما يذكر “شاينـا” غرمه الدائم بالمادة الخام التى يقوم بتشكيلها فى مسرحه، وعلى الرغم من ذلك يؤكد وجود طاقة متصارعة فى هذه المادة. وفى مراحل مختلفة يؤكد كذلك على ما تحمله هذه المادة من تأويلات متباينة. فالمادة فى حالتها الأولى أى فى حالتها الخام تـتحلل وهى حاملة للفوضى، أما فى الحالة الثانية فـيتطلب منها التـنسيق والتـشيكل، وتحدد لها وظيفة محددة، حيث تتغير لتستحيل شيئا، شيئا أقرب إلى المادة الاستهلاكية، تدخل فى نطاق المـدنية. ويعبر الفنان فى العديد من المرات عن علاقـته السلبـية تجاه هاتين الحالتـين المذكورتين. وباعتباره مبدعا فإنه يقف بجوار المادة فى حالتها غير المباشرة – المادة فى حركة، فى حدث مسرحى، فى مرحلة تشكيلها على مستوى تشكيلها فى لوحات أو فى أحداث مرسومة فوق خشبة المسرح. يضم الـفنان فى مرحلة التشكيل هذه: الكلمة، الحركة، المهمات المسرحية “قطع الإكسسوار”، الجو العام، الأصوات، الممثـل، وحتى كيانه الذاتى فى وظيفـته الـفنية باعتباره مخرجا للعرض المسرحى. بهذا المفهوم تكون “المـادة” على المستوى الـفيزيقى والسيكلوجى هى البنية الأساسية التى يقوم عليها العرض المسرحى. ويحدد “شاينـا” المسرح برمته ما هو إلا محاولة لاحتواء “المادة” وتشكيلها.
وبهذا المنطوق يفهم “شاينـا” أن تـشكيل الحدث عبر “المـادة”، ما هو إلا مسرح. ولذلك فإن مفهوم “الحدث” إنما يرتبط بكليته وفـقا لما يراه الـفنان فيها. وتعود أهمية رؤية الفنان إلى أنها تحدد عناصر مهمة تعد أساسا فى العرض المسرحى من قبيل: تشكيل الفكرة غير المحددة، “الكلمة”، التى تنبع من اللوحة المشهدية، ضرورة الفعل، التقـيـيم الفردى، وأخيرا عشق الحرية التى تقترب من روح المواجهة والتمرد، وتـتحقق بدرجة كبيرة داخل نسيج فعل الإبداع.
وفى الصناعة الفنيـة للعرض المسرحى، أى فى استـنـفار الحدث من خلال “المـادة”، والتشكيل البلاستيكى، والمـمثـل، يرى “شايـنا” قدراته الإبداعية كمخرج. كان يقول، أنه عبر تصادم الأحداث بعضها بالبعض يمكن قول الكثير من خلال العمل الفنى وبشكل أكثر اكتمالا. فالفن الزاخر بـ”الأفعال” يصبح مسرحا، ونتيجة لها يقوم السرد المرئى. وتحمل داخلها فى جوهرها النسيج الدرامى لهذه “المادة” ومسرحتها، ليس بمنطق تتابع الصراعات المركبة الدرامية المتـتالية، بل بمنطق تكاثـفها ومجموعها المركب. فالسرد المرئى – والذى يعبر عن أسلوب “شاينـا” – يظهر كذلك – بشكل واضح وفى الوقت نفسه – فى النزاع الدراماتيكى بين مختـلف الأشكال والصيغ المتطرفة: ما بين الرسم (التـشكيل) باعتباره مادة خالصة والفكرة، التـفاصـيل الدقـيقة والتجريد، الشكل (الصياغة) والفوضى، التكوين المنظم والحدث العارض. إن مسرح “شاينـا” يصبح تعبيرا لصيقا للحاجة إلى الأحاسيس والمشاعر، إلى الإلهام وانطباعات الفنان. وفى معظم المراحل الإبداعية، نجد أن مفهوم المسرح عند “شاينـا” – فى جوهره – لم يتغير. ولم تغيره مقولته الحزينة من الاستمرار فى إبداعاته ومواصلتها؛ عندما غادر مسرحه “مركز الفنون ستديو – Centrum Sztuki Studio” الذى أنشأه فى العاصمة البولندية “وارسو”: ” الآن أعرف أن العروض المسرحية ما تزال تحيا داخل نفسى وكيانى”.
لقد حدد “شاينـا” مسرحه عبر (“الحدث”- “الفعل”) باعتباره “زمنا/ فضائـيا يحدث”. وهذا “الزمن/ الفضـائى” مركز لتجميع مختـلف متـغيرات الزمن: الماضى: والذى يـشير إلى ما يحدث، والحاضر: لارتباطه بأداء الحدث فى اللحظة ذاتها، والمستـقبل المتضمن إرهاصا بذلك الذى سوف يأتى. إن حدوث الزمن/ الفضائى يرتبط أوثـق الارتباط بجوهر الإنسان فيزيقيا وسيكلوجيا فضلا عن دراما الحياة ذاتها التى تـشكل مكوناته. إنها محاولة للتـقيـيم الأخلاقى للواقع الحياتى المعـاش، تكشف الغطاء عن “المـادة”، وتؤكد وجودها ومتغيراتها، والتى تفضح كينونة الأشياء والمواد التى تكون حياتنا، والمحاطة بثـقافة حضارة الاستهلاك – وأحيانا ما يكون “فـعل” الأشياء أقوى من فعل البشر ذاته – وهى توضح الفكر الفنان “شاينـا” وهو أيضا مؤلف “الكلمة”، التى تـتـشكل فى العرض المسرحى. فالفعل المسرحى قد ترافق فكرته الذاتية: نشأة اللوحة التـشكيلية، واستمرارها، وسقوط الشكل والصياغة، والتى يمكن إيجادها وخلقها فـقط فى المسرح. إن مسرح “السرد الجديد” أو “التجسيد الجديد”، كما كان فى بدايات سنوات السبعينات والذى أسماه “شاينـا”: “اللوحة التـشكيلية المكثـفة” وقد شيده بناء جذابا عاما عن طريق الممثـلين، وحركة الأشياء والمواد التى تحوى علامات تشكيلية متباينة، وتتضمن تأويلات متـنوعة، تعرض مشكلات وقضايا متكاملة، تغيرها وتـشتـتها، وتعيد تكوينها، وتضعها فى تكوين جديد آخر. ويخلق فى المسرح قيمة غير حاضرة جديدة. لقد كان تكوين العروض المسرحية دائما بالنسبة لـ”شاينـا” محاولة لتنظيم حالة الفوضى، والتى – على الرغم من ذلك – لم تنظمها لا “المسبـبات – النتـائج”، ولا منطقية البنية وهيكلها. لقد ربط “شـايـنا” فى مسرحه “اللا منطق” بالأحداث المتصارعة المتنوعة التى تتزامن مع الأطروحة المعروضة وتصاحبها، ويمكن تغيير مكانها وترتيبها لتوضع داخل مسيرة العرض المسرحى التى تتماشى مع الخط العام له. وغالبا ما بقى فى العرض المسرحى فى علاقة متضادة، حيث أكدت هذه العلاقة الأداء المتباين، والتى سمحت بـحدوث المتـناقضات. وبمجموع هذه التـناقضات تـشكل “الكولاج المسرحى – وهى لوحة ديناميكية زاخرة بالصراعات غير المتوقـفة، والتى احتوت مختلف طبقـات المـادة المسرحية.
كان المسرح – بالنسبة للمتـلـقين غير العابئـين بـ”العرض المسرحى”- مجرد هزة من الداخل تحمل وظيفة علاجية “ثيرابـية”. إن “شايـنا” كرر مرات عديدة، أن على الحـدث المسرحى أن يكون أن يستـثير فكر المتـفرج/ المتـلقى وعقله، بأن يطالب نفسه بالحرية. وفى أثـناء تلقى العرض المسرحى يمكن لهم أن يتوحدوا مع أبطالهم، وصراعاتهم مع جماعة المـتـقنعـين” تماما مثل “شـأيـنا”.
إن التمهـيد بتقديم الحياة الشخصية للأبطال، ونضالهم مع أقدارهم، والتى عرضت بشكل مأساوى يتصف بالشمولية الإنسانية كما نرى عند “أيسـخولـوس” قد أظهرت لنا بوضوح علاقة مسرح “شاينـا” بالتقاليد أو بمعنى آخر بالتراث الإنسانى. فالـفنان قد تجاهل تماما المسرح التـقـليدى الذى يعتمد على “الربيرتـوار”، فقط، باعتباره مسرحا مصنوعا، ومقـلدا، وغير إبداعى. وقد اتهم “شايـنا” هذا المسرح بقسوة، باعتباره مسرحا تنعدم فيه روح المشاركة الجماعية – والتى يقوم عليها المسرح فى رأيه، إذا أخذنا فى الاعتبار أنّ ما نقدمه هو فن. وتجاهل “شاينـا” كذلك الأداء التمثيل التقليدى السيكلوجى. وفى مسرحه وضع – من جديد – الأسس التى يقوم عليها علاقة “المـمثـل” بجوهر العرض المسرحى. إنه يقوم بتغيير العلاقة ما بين الإنسان والشئ (المادة) واضعا فى الاعتبار فى الأساس مخيلة (خيال) الممثـل وعقليـته.
يكون الممثـل فى المسرح بطلا، لكنه عند “شاينا” يكمن وجوده – كما يقول مؤلفه ومخرجه الوحيد – ما بين “الشئ” وبين وجوده الإنسانى، أصبح موضوعا باعتباره علامة مأسوية هى المساواة بين التجمد والإنسانية. لقد أرانا “شاينـا” أن “المادة” قد دمـّر الإنسان. ويجعل من المادة بأكمل والفضاء المنحوت فوق الخشبة شركاء للممثـل – وليس فقط المهمات المسرحية (قطع الإكسسوار) والأزياء المسرحية، بل المواد المنحوتة، والأشياء العضوية مثل الأرض والمياه، أو تللك الظواهر الطبيعية – مثل الدخان. فالمواد فى عروض “شايـنـا”. ويرى النقاد فى عروض “شايـنا” – فى معظم الأحوال – بمعنى واحد باعتبارها رمزا، أو علامة، لم تكن مصاغة صياغة واحدة. كانت قريبة أشد الاقتراب من المادة التـشكيلية المعاصرة. فجسد الممثـل قد منح تـشكيلا غير طبيعى، ربطت فيما بينه وبين التعبـير عن الشئ. أما الممثل الذى ارتدى بزة عسكرية او ارتدى رداء، فإنه يقابل برموز الحضارة المستخـدمة والأفكار غير المحددة. فالشر، والبقايا، والشتات، وقوى التدمير قد ضغطت ضغطا هائلا على نفسيات البشر، وتصادم الأشياء المتواصل والموجودات الحية التى تصور لنا امتزاج الألم بالفرحة، والحياة بالموت.
لقد أكد “شاينـا” العديد من المرات أن “الكلمة” المستخدمة فى العروض المسرحية، لا تلائمها دائما مكونات هذه العروض. لكن “شاينـا” قال أيضا: “إن عروضى المسرحية لا تؤدى إلى اللوحات المشهدية، التى يمكن أن تصدم، يمكن أن تكون مثيرة للاهتمام، ولكنها قبل كل شئ استفزاز للفكر”. كانت هذه العروض محاولة لتحريك المادة واستخراج القيم من حالة الفوضى – من الأفكار، التى يصعب احتواؤها فى “الكلمات”.
ويرى “شايـنا” أن هدف الفن – فى عموميته – هو تـشيـيد قيم جديدة فى الحياة المعاصرة وإيقاظ حساسية المتـلقى، وإثارة معايشته. أما الفـنان “شاينـا” نفسه فلم يضع تـقسيما ما بين المسرح والتـشكيل. فالفن – فى رأيه – ينبغى أن تحمل داخلها – على المستوى الأخلاقى- رسائل مهمة، وتثرى المتلقى على المستوى الفكرى والشعورى، وتمهد لخلق وجهات نظر جديدة، ولكنها تلمس – قـبل كل شئ – القضايا الإنسانية التى تتسم بشموليـتها. لقد رأى “شاينـا” المحصلة النهائية التى تتعلق بالقيمة الـفنية لمسرحه، تأنى من تشييده للمتـفرجين/ المتـلقين شيئا يتجاوز وعيهم – الذاتى بواقعهم بكامله – للاستغراق الكامل داخل الواقع الـفنى الجديد للعمل المسرحى المقدم فوق خشبة المسرح.
لقد قسـّم “شاينـا” بنفسه أعماله الإبداعية إلى ثلاث مراحل، تغطى عشرة أعوام:
• المرحلة “السينوغرافية” – بداية من دراساته العلمية فى عام 1953، وصولا إلى عمله الأول كمخرج (والعمل تحت عنوان “صيام أكلى لحوم البشر – Post ludozercow”، وقدم فى “المسرح الدرامى – Teatr Dramatyczny” بمدينة “تـشيـنـسـتوخوفــا – Czestochowa”.
• مرحلة “الإبداع الفنى كمخرج” – بداية من عمله مديرا لـ”المسرح الشعبى” بضاحية “نوفا خوتـا” الواقعة فى أطراف المدينة القديمة “كراكوف”، وصولا إلى سفره إلى العاصمة وارسو فى عام 19711.
• مرحلة “الإبداع الفنى لمؤلف لعروضه المسرحية” – بداية من تـقديمه عرض الافـتـتاح المسرحى الأول الذى قدمه فوق خشبة مسرح “المسرح البولندى” بمدينة وارسو، وصولا إلى استقالته من إدارته لـ” مسرح ستديو” بمدينة وارسو فى عام 1982.
فضلا عن ذلك فإن مرحلة إبداعاته الهامة لا تكتـفى بتلك المراحل المذكورة، بل تتعداها إلى إبداعات أخرى. فبدايات مسرح “شاينـا” (التأليفى) – أى باعتباره مؤلفا لعروضه المسرحية – لا تـنحصر فقط فى كونه مؤلفا لسيـناريوهات مسرحياته المكتوبة، بل تعود كذلك إلى قيامه بإبداع متغيرات مسرحية جديدة حول أسس ومبادئ تختلف فى جوهرها عن تلك الأسس والمبادئ المسرحية التـقـليدية – ويمكن تأريخها بسهولة وتبعيتها إلى النصف الأول من الستيـنات. ولم يلاحظ أحد هذه المتغيرات الجديدة الهامة فى مسرح “شاينـا” سوى الممثل الموهوب “لودفيك فلاشين – Ludwik Flaszen” ، على الرغم من أنه كان من الممكن ملاحظة وجود تلك المتغيرات الجديدة عند تـلقى الجمهور لتجربة “شاينـا”. ومع أن “شاينـا” قد تحدث عن مسرحه بصوت عال وعن ما يحمله مسرحه من طليعية جديدة، أما موقف النقاد والصحفيون إما أنهم قد احتجوا بقدر كبير من الانفعال ضد “تمرد” ذلك السينوغراف “شاينـا”، الذى كان متعطشا فى أن يكون حرا، واقفا ضد المألوف أو التـقليدى، وإما أنهم وقعوا فى أسر جماليات مفردات لغة التـشكيل التى ظهرت فى لوحاته المشهدية، وسحره – سحر عالم “شاينـا” الـفانتـازى، غير مستخلصين من ذلك تلك الأثار المترتبة عن ذلك سواء كانت نتائج أو تنظيرات.
إن التحول المهم فى إبداعات “شاينـا” أصبح إخراجه للعرض المسرحى الكبير “أكروبوليــس” للشاعر المسرحى “فيسبيانســكى”  والتى قدمها بالتعاون المشترك فى إخراجها مع المصلح المسرحى الكبير “ييجى جروتوفسكى – Jerzy Grotowski” فى “مسرح ألـ13 صفا” بمدينة “أوبولى – Opole ” البولندية فى عام 1962.
جاء “جروتوفسـكى” إلى “شاينـا” بفكرة مبدأية لتقديم هذه الدراما، ثم بدأ فى مرحلة تالية قيامه بالتدريبات الخاصة بهذا العرض، لكن سينوغرافية هذا العرض المسرحى لم تكن مسئولية “جروتوفسكى” هذه المرة، بل كانت تكمن مسئوليته فى المفهوم المتكامل التأويلى والإخراجى له. م عند “شاينـا” خرجت فكرة المسرحية الجوهرية؛ وهى أنه من أهم  خيارات المكان وأكثرها إقناعا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والعودة إلى رمزها الدال، والممكن لوقوع أحداث هذا العرض المسرحى هو معسكر الاعتقال النازى الرهيب “أوشفنشيـم – Oswiecim”، وليس قلعة “فـافـل – Wawel” البولندية الملكية. لقد ماتـت الأساطير القديمة، ويمكن لنا تقديمها فى متاحف العالم على أفـضل الأحوال. أما الحقيقة الفاعلة فقد أصبحت ذلك الخواء القابع فى معسكرات الاعتقال النازية الريبة ، فى مقبرة أولئك الذين كانوا بالأمس أحياء، إنه يكمن فى ذلك الفضاء الذى يخلو من القداسة، وتنعدم فيه الرؤية، ويخلو من الشمس، ومن التاريخ، ومن الـقوانين الإنسانيـة؛ أى يخلو من الأخلاق. توجد فقط عمليات تعذيـب البشر الذين عليهم أن يموتوا. لقد تبنى “جروتوفسـكى” مفهوم “شاينـا”، وأقام تجريبه المسرحى وفقا لخبرة “شاينـا” ورؤيته. لقد جعل من الدراما الشعرية التى كتبها الشاعر البولندى “فـيسـبيانسكى” ذريعة ليعرض “جروتوفسكى” فوق الخشبة حياة البشر داخل هذا المعسكر الرهيب، والـذين يعرفون تماما أنهم سيموتون فيه – وأن أيامهم الحقيقية تقع ما بين النهار حتى الفجر. فالبشر من “أكروبوليس” يعملون طوال الوقت بشكل أقرب إلى الحمى، يقومون بوضع الأسوار من الأسلاك الشائكة والحديد، ليشكلوا منها الفضاء المسموح لهم بالبقاء فيه، يدفعون بالعربات بأيديهم، يحملون الأنابيب الحديدية، ويصنعون بأنفسهم الحواجز والأسوار التى تحيط بهم من كل مكان، وفى نهاية الأمر يشيدون مقبرتهم الجماعية بعد حرقهم وفى داخل هذه المقبرة يموتون. وعبر قيامهم بهذ العمليات داخل معسكر الاعتـقال الرهيب؛ يقومون بأداء ما تبقـى من ذاكرتهم. ومن هذه الذاكرة تبنـى مشاهد من نص “فيسـبيـانسـكى”.
وعبر العملية الإخراجية التى يقوم بها “جروتوفسـكى” بالتعاون مع “شايـنا” فى إخراجهما النص المسرحى “أكروبوليس”، فإن “شاينـا” ينظم هذا الفضاء المسرحى الصغير برمته، لقد أحاطها بالأسلاك الشائكة والأنابيب المعدنية، وصبغها باللون الأسود، واستغل موضع البراتيكابلات “المنصات” التى كانت معدة منذ البداية (من تصميم سينوجراف آخر هو “ييجى جورافسـكى – Jerzy Gurawski” وهو السينوجراف الذى كان يتعاون بشكل دائم مع المصلح المسرحى الكبير “ييجى جروتوفسكى”)، وقد حدد “شاينـا” مكان الأداء التمثيلى، وفى نفس المكان حدد كذلك مكان المتـفرجين، وبهذا وحد فى رابطة قوية ما بين “خشبة المسرح” و”جمهور المتـفرجين”. فضلا عن أن “شاينـا” قد حدد كذلك الأسس والعلامات التى يقوم عليها تطور الأحداث المسرحية من زاوية تـشكيـلية، وطرق استخدام المهمات المسرحية سواء كانت قطع الإكسسوار أو الأشياء المتواجدة فوق خشبة المسرح. وأخيرا – يحـدّد “شاينـا” أيضا ملامح الشخصيات المسرحية باعتبارهم معتـقـلين/ مساجـين نموذجيـين بقدراتهم البشرية المنسـحقة. لقد ألبسهم فى أجولة من الخـيش، (وهى مادة تصبح فيما بعد شائعة يستخدمها المخرجون الطليعيون فى المسرح المعاصر!!)، وتغطى أجسادهم أسمال بالية مصنوعة بزوايا غير معتدلة الأضلاع، وقبعات تغطى رؤوسهم حتى أذانهم، تـعطى انطباعا عند الممثلين بفقدان التواصل بالآخرين المحيطيـن بهم من كل جانب، ويسيرون فوق أحذية ثـقيلة يسمع لها صوت. وتـتقاسم وجوههم تـجاعيد مليـئة بالألم الداخلى القاسى، والشعور بالرعب الوحشى من أنفسهم وحول أنفسهم ذاتها. لقد كان هدف الـفنان تحديد سمات الشخوص المسرحية التى تستجيب بشكل استعارى للموقف الراهن فى معسكر الاعتـقال الرهيب، حيث تـقـف مصاعب الوجود الإنسانى من عدمه أمام أنفسهم. ما كان ينبغى فعله لتصعيبه فى المسرح هو حركة الممثـل – التى كان ينبغى أن تبين للمفرجين القابعين فوق الخشبة بجوار الممثـلين، ضرورة العمل الجماعى القهرى. ففى المعسكر نكتـشف أن الفعل الدرامى، والفعل الإنسانى، يـقتـلان البشر باسم الشعار النازى: “العمل يولد الحرية – Arbeit macht frei”.
لقد كان تصور “شاينـا” واضحا، لكن الممثـلين قد تاهوا، ولم يكن بمقدورهم فى فى هذه الظروف السينوغرافية أن يتحركوا. فضلا عن أنهم لم يعرفوا كيف يؤدون شخصيات مشوهة. لم يعثر “جروتوفسكى” مخرجا من المأزق التشكيلى الذى وضعه فيه “شاينـا”: لقد شكل السلوك المؤدى، وقد قاد حركة الممثلين تعتمد على فن التمثـيل الصامت (البانتومايم). وقـّرب مسرحه إلى أن يكون أقرب ما يكون إلى الطقس منه إلى الدراما التقليدية، ليصبح هذا هدف مسرحه المعملى.
والجدير بالذكر أن نلاحظ فى هذا المكان تناقضا جوهريا ما بين المسـببات الفـنية لكل من الفنانين،والتى تظهر على التوالى فى أعمالهما الإبداعية. إن “جروتوفسكى” فى بنائه للحدث كان يسعى لـتـشيـيد منهج مسرحى جديد، يمكن أن يؤثر فى تعديل التعبـير الشعورى المؤثر عند المـمثل. لم يكن “شاينـا” يريد فـقط القيام بترتيب “حالة الفوضى” التى تعم المجتمع الإنسانى، بل أن يبين لجمهوره الناحية التشكيلية لتقديم حالة الفوضى هذه – فأوصل هذه الحالة من الفوضى بالفعل المسرحى داخل العرض المسرحى، باعتباره جزءا لا يتجزأ من نسـيجه، يرى بشكل مرئى داخل الفضاء المسرحى، الذى يرينا بدوره ما يحدث فى الجانب غير المرئى داخل مرحلة الإبداع التصويرى (الرسم) بشكل عام. إن ذلك الذى يطلق عليه “تحرك المادة المسرحية” عند “شاينـا”، يدخل بشكل يتوحد لديه بالممثل الذى يصبح جزءا من نسيجه العضوى، لم يمكن لهذا الممثل ذاته أن يتوافق مع مرامى “جروتوفسكى”، الرامية إلى تعرية مسيرة الحـدث المسرحى، المؤدية إلى الحركة الإيقاعية للطقس المسرحى الذى يخلقه. ويمكن لنا أن نتوقع بأنه – فضلا عن مختلف الخلافات المتوقعة بين الفنانين، إلا أنه قد اتضح فيما بعد أن ثمة خلافا جذريا يكمن فى الأهداف الفنية لإبداعهما المسرحى بين الاثـنـين أوقـفهنا عن التعاون المشترك فيما بينهما.
إن إخراج العرض المسرحى “أكروبوليس” لم يصبح حدثا مسرحيا كبيرا فى الحياة المسرحية البولندية والعالمية فـقط، بل إنه أثر تأثيرا مباشرا فى اختيارات كل من الفنانيـّـن لإبداعاته المسرحية كذلك. لقد رأى “شاينـا” مبكرا، كم هو مهم بالنسبة للمخرج تـشييد الفضاء المسرحى وتـنسيقه وتـنظيمه – إن العرض المسرحى الذى كان يبدعه “جروتوفسـكى” كان يستكمله بخبرته وتجريبه بعلاقته بالممثل الذى كان يمثل له العنصر الرئسى للعرض المسرحى، فضلا عن العنصر الأول “الكلمة”، والعنصر الآخر “المتفرجون”، لكن تجربة “جروتوفسكى” تسير على نفس النهج الذى كانت يسير “شاينـا” عليه،عندما كان يتعامل مع الممثـل عبر “الزى” والمهمات المسرحية (قطع الإكسـسوار) والتى كانت لدى المبدعين تحدد ملامح الشخصيات المسرحية وسلوكها وحتى نهاية العرض المسرحى. لقد شجـّع العرض المسرحى “أكروبوليس” الـفنان المصور والسنوجراف “شايـنا” لأن يكون بالعملية الإخراجية التى كانت تعامل فى – نظره – باعتبارها استمرارا وتواصلا للتـشكيل.
ويمكن لنا أن نعتـقد كذلك أن العمل المشترك ما بينه وبين “جروتوفسكى” من خلال العرض المسرحى “أكروبوليس” قد سمحت لـ”جروتوفسكى” أن يتعرف بدقة على قدراته الإبداعية. ففى العروض المسرحية التالية نراه يتنازل فى مسرحه عن ذلك الذى طـّوره “شايـنا” – فىمجال فن التـشكيل (البلاستيكى)، متعاملا معه باعتباره قاعدة للمشاهد المسرحية. لقد اقتصر فى استخدام فن التشكيل على تعددية وظائف المهمات المسرحية (قطع الإكسـسوار) واستخداماتها الرمزية، باعتبارها تـتسم بسهولة تعرفنا عليها باعتبارها تستخدم فى حياتنا اليومية، مما يقرب المسرح من “الطقوسية” أو حالة الطقس اليومى. وبعد خبرة “جروتوفسـكى” فى العرض المسرحى “أكروبوليس”، فإنه من المؤكد لنا أن نلاحظ ما الذى ليس بمقدور الممثـلين فعله فوق الخشبة؛ وبالتركيز البحث فى مرحلة الإبداع ، اقترابا من التعرف على المكتشفات الخلاقة والهامة فى عالم التمثيل المعاصر.
إن العرض المسرحى”أكروبوليس” كان شيئا جوهريا للفـنان “شاينـا”، ليس لأنه قبل إتمام عام بعد عرض الافتتاح “أكروبوليس” قد أخرج عمله الأول بالكامل، وقرر أن يأخذ على عاتـقه مسئولية كونه مديرا لـ”المسرح الشعبى” المذكور من قبل. كانت ردود فعل المتفرجين تشير إلى موافـقتـهم لتأويلات عروضه المسرحية، ومن المؤكد أن هذا قـد أثر على مواصلة “شاينـا” استغلال تجاربه الذاتية باعتبارها موضوعا، يصبح أكثر عمـقا فى تناوله الخطر المحدق للكارثة الأخلاقية التى تنذر بدمار العالم والأثار المترتبة عليها. فى سنوات الستـينات أيضا قـّدم “شاينـا” عرضين مسرحيين قد طورا من هذا القضية المعروضة على مستوى مفردات لغة العرض المسرحى. وكان الاثـنان بكاملهـما هما نتاج خطته الإخراجية على مستوى الأداء التمثيلى، التشكيل السينوجرافى، والنص المسرحى، على الرغم من أن هذين العرضين قد قدما فوق الخشبة باعتبارهما عملين دراميـين من تألـيف كاتـبين بولنـديـين معاصرين هما: “Tadeusz Holuj” و”إرنيسـت بريل – Ernest Bryl”. وفى الحبكة المسرحية التى رسمها “تادووش هوويوى” بقلمه، – وهى “الحقـل الخالى” – نجد أن الأحداث التى تظهر فى فيلم خصص بكامله عن ما دار فى معسكر الاعتـقال النازى، وفيه لقطات رومانسية تمتزج بلقطات أخرى تعبر عن ما دار فى سجن معسكر الموت، والذى يصبح بكامله متحفا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، يصوغ “شايـنا” كل هذا فى عمله المسرحى ليصبحشاهدا ودلـيلا ووثيقة لوجود معسكر الموت. قدمت المسرحيتان فى ضاحية “نوفا خوتا” بالمدينة القديمة “كراكوف” عام 1965، حيث كان يعمل “شاينـا” مديرا ومخرجا فى هذا المسرح، لقد بقيت فقط البقية الباقية من المادة الدرامية من أصول النصين المسرحيين: بعض الحبكات الدرامية والفيلمية. أما الفنان “شايـنا” فقد استغل هذا العرض المسرحى، ليمكن له أن يرينا فقط ذلك الذى يعد ما بين السطور: العمل الشاق حتى الموت، وأفران الحرق البشرى داخل معسكر الموت.  وفى واقع الأمر لقد كتب “شايـنا” بنفسه سيناريو العرض المسرحى بأكمله. لقد كان “الحقل الخالى” لوحة بليغة تعبر عن معسكر الموت، هذه اللوحة تستسلم بشكل مباشر لفعل التـشكيل السينوجرافى بدون مقاومة، مما يسـّهل على معظم متفرجى العرض المسرحى تلـقيـه. ومما يؤكد هذه الحقـيقة أصوات النقاد المحللين العرض المسرحى. لقد استغل “شاينـا” تجربة العرض المسرحى السابق “أكروبوليس” الذى شارك “جروتوفسـكى” فى إخراجه، فقد أتى فى عرضه المسرحى بمشاهد “العمل الشاق (الذى يشبه أعمال المحكومين عليهم بالسجن المؤبد) داخل معسكر الموت، استهداف المعتـقلين ورميهم بالرصاص، إدخال الأجساد الحية من المعتـقـلين البولنديـين داخل غرف الغاز المميت لخنقها. لقد قام المخرج “شايـنا” بإخراج سيناريو العرض المسرحى عبر التوثيق الطبيعى التصويرى للتـفاصيل الدقـيقة لما حدث، وفى المقابل استخدم فناننا لغة التـشكيل للتحليل والتعليق والمواجهة. لقد قصد “شايـنا” أن يستخدم فى عروضه المواد الحقيقية التى استخدمت فى معسكر الموت لمنح ما يعرضه مصداقية ما يقدمه: عربات العمل فى البناء، مواد بنائية معلقة من الحديد، أسلاك شائكة، أزياء من الأجولة، قبعات الرأس والأحذية التى تستخدم فى السجن. وأضاف أيضا مواد جديدة: مجومة من الصور الفوتوغرافية لمساجين حقيقيـين قد ماتوا إما بالحرق أو الخنق عن طريق الغاز أو الأمراض أو من الجوع. إن بساطة الأدوات والمواد التى استخدمت داخل عروضه المسرحية قد تركت انطباعا مثيرا عند المتـفرجين – لقد ذكرت مرات كثيرة مشاهد بعينها من عروض “شاينـا”، من بينها: مشاهد دفن الموتى الضحايا المحملين فوق عربات البناء، مشاهد قـتـل المساجين برميهم بالرصاص بمساعدة استخدام كشافات الإضاءة. إن “المساحة الفارغة” فوق خشبة المسرح كانت واسعة، وقدم فوقها العرض المسرحى “شئ نوفمبرى – Rzecz Listopadowa” للكاتب المسرحى البولندى “إرنست بريل” بعد أربع سنوات، أى فى عام (1969) فى “مسرح شلونسك – Teatr Slask” بمدينة “كاتوفيـتسـا – Katowice” البولندية، ولعبت الدلالات والاستعارات دورا مهما فى النسيج الدرامى لتركيبة هذا العرض المسرحى. وكما حدث فى العروض المبكرة التى سبقت عرضه المسرحى الهام “ربليكا”، نجد أن “شاينـا” قد بتغيير المادة الشعرية فى النص المسرحى لمؤلفه البولندى “بريل”، وقدمه فى المسرح مهتما بالمعانى المخـتـفية من وراء سطور النص المسرحى أى بالمعانى التى تبطن النص من الداخل، وليس بالمعانى الظاهرية الخارجية – بجوهر فكرة النص الدرامى التى قدمت ما يحتويه العرض المسرحى حيث قدم بشكل فنى ثورة المقاومة البولندية المعروفة المعروفة بـ”ثورة وارسو – Powstanie Warszawskie” التى قام بها البولنديون ضد النازيين قبـيل انتهاء الحرب العالمية الثانـية فى عام 1944.
لقد بدأ العرض المسرحى من برولوج/ مقدمة أدخلها “شاينـا” على العرض المسرحى وهى “مشهد إطلاق النيران على البولنديـين”. فى العرض المسرحى “شئ نوفمبرى” نكتشف عناصر قديمة وجديدة سينوجرافية من “مكان إطلاق النيران”، ومجموعة من المانيكانات المتهرئة من النيران. إن تصميم هذه “المانيكانات” فى أثناء العامين المتاليـين قد أدى بالفنان إلى أن يعيد تـشكيلها أكثر تكاملا لعرض يعرض فيه حالة الإنذار قبل وقوع الخطر – وكان عرضه الهام “ربليكـا” الذى أعاد عرضه فيما بعد نتيجة هذا النضوج الواضح فى منهجه وأسلوبه.
لم يكتب “شاينــا” سيناريو للعرضين المسرحيـين: “المساحة الفارغة” ولا “شئ نوفمبرى”، كما فعل من قبل، عندما كان يكتب سيناريوهات لعروض مسرحية أخرى، صاغ لها المادة الدراماتورجية بنفسه. ولكنه – مع ذلك – لم يكتب “سيـناريوهات” جميع أعماله المسرحية، فـقد أعـدت المؤلفة البولندية “ليديا زامكوف” سيناريو العرض المسرحى “دون كيشوت” فى عام 1965، أما العروض المسرحية “الحمامات” لـ”ماياكوفسكى” و”هم” و”حرية جديدة” لـ”فيـتكاتـسى (1967)، لم يـغير فيها “شاينـا” من معظم نصوصها الأصلية. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يمكن لنا القـول بأن “شاينـا” كان “كاتب سيناريو مختـفيا” خلف جميع عروضه المسرحية، منذ بدايات إدارته لـ”المسرح الـشعبى”. لقد كان “شاينـا” يمارس صياغات “مسرح الهـواة” فى مسرحه، منذ تـقديمه العرض المسرحى “المفتـش العام” للكاتب الروسى “جوجول”، والتى قام “شايـنا” بإخراجها فى ضاحية “نوفـا هوتــا” التابعة محليا لمدينة “كراكوف” – العاصمة القديمة لبولندا، حيث قام “شاينـا” عبر رؤيته الإخراجية بالسخرية من سلطة الحكم المحلى لمـدينة “كراكوف”، حيث كانت سلطة المدينة تحافظ على نقاء التـفسير السياسى لأيديولوجـية التيار الشيوعى، وكانت النتـيجة الطبـيعية أن هذا العرض كان السبب الرئيسـى فى إقالة “شاينـا” من منصبه كمدير لـ”المسرح الشعبى” بعد ثلاثة عروض مسرحية.
لقد انشغل “شاينـا” منذ البداية بـ”المسرح السياسى”، والذى يهتم بالنـقد الاذع، خاصة بالمؤسسة السلطوية والقيم التى تمثـلها، ويمارس عن طريقها كل أنواع الضغط على البشر، فضلا عن إيضاح مختـلف أنواع الضغوطات الأخرى الموجهة تجاه البشر أصحاب الرؤى الذاتـية الفردية. ولم يلاحظ العديد من النقاد، السخرية السياسية المبطنة ظاهرة فى “سينوجرافيــة شاينـا” – والتى ظهرت فى أعماله السرحية المبكرة، حيث  كان الممثـلون فيها يحملون فوق ظهورهم أثـقال المهمات المسرحية بأشكالها المتنوعة، أو “قطع الإكسسوار” فوق رؤوسهم أو توضع فوق أزيائهم، لتصبح جزءا لا يتجزأ منها. إن النقاد الذين استـقرأوا ما قدمه “شاينـا” فوق الخشبة، وكانوا يعرفون ما الذى يقدمه، قـد انتـقدوه كثيرا ليس من ناحية المضمون، بل من ناحية الشكل – وأطلقوا على تياره المسرحى الجديد الذى استـزرعه فى المسرح البولندى وداخل منظومة حركة المسرح الطليعى فى أوروبا، ساخرين منه: “الشاينــيزم” أو “سيـنوجرافـية القمامة” أو “سينوجرافية الفوضــى”. ولم يعجب العديد من هؤلاء “المفتـش العام” لجوجول، ولا “الحمامات” لماياكوفـسكى، ولا مؤخرا “جولجوتيريا” لـ”فيـتـكاتســى” الكاتب البولندى الطلـيعى، أو العمل الذى يحمل عنوان “ماياكوفســكى”.
إن المنظور السياسى لمسرح “شايـنـا” قد نتج عن مجمل أفكارة المبكرة التى تؤرخ بها بدايات مسرحه، وقد انحصرت هذه البدايات التى ظهرت جليا فى أعماله السينوجرافية الأولى. إن شغفه بعشقه للحرية يتم داخل منظومة أعماله المسرحية عن طريق الدعوة إلى النضال، والتواجد فى معركة، أو حتى فى الوقـوف على النقـيض من الثوابت والمتجمد، ويحدث هذا بالدعوة – بشكل مباشر- الوقوف بالمرصاد ضد الظروف الخارجية المحيطة بنا من كل جانب ومواجهـتها، والتصدى للسلطة ذات النظام الشمولى، والصراع مع قـدر الإنسان ومصيره، ومع قوى الشر، ومع هذا الاستـشعار الميتـافـيـزيـقى أو الخيالى لما يمكن أن يقبع فى مخيلـتـنا، ومع واقع الحياة المـشبع بالشر، والذى كان أكبر مثـال على وجوده متمركزا فى معسكرات الموت النازية. ويمكن أن تكون اللوحة أو المشهد المسرحى التى تظهر لنا الحياة اليومية مثل تلك التى يعرضها “جوجول” فى العرض المسرحى “المفتـش العام” – الذى قدمه باعتباره بانوراما أبدية لغـباء المدن الصغيرة.
فى عروضه المسرحية يقوم “شايـنا” بتكـثـيف المشاهد المسرحية، وبحذف الجمل الحوارية، ويحيل دراما “جوجول” إلى مشهد مسرحى بلاستيكى (تـشكيلى). وبفضل هذا المشهد المسرحى التـشكيلى، يكون بمقدوره أن يأتى لنا بعقد درامية وحبكات مسرحية أخرى يضيفها إلى سيناريو إعماله المسرحية. إنه يغلق فضاء خشبة المسرح، ويحيطه بحائط من الدكك الخشبـية، غير مشكل أىّ فـضاء داخلى محدود. اما الخمسة الشخصيات الأولى من تلك الشخصيات الغارقة فى غيـبوبـتها فى هذا العرض المسرحى “المفتش العام”، فهى تـتمركز فى المستوى الأول من خشبة المسرح، وقد ألبسها “شاينـا” أزياء “سورياليـة” “جروتـيـسكية” ساخرة، وأمر ممثـليه أن يكمنوا فيها ساكنين معا فى بؤرة رفيعة متهـتكة، بالطريقة التى تجعلهم مربوطين بعضهم بالبعض، ليظهروا وكأن حركتهم نابعة من واحد منهم، تبدأ من عنده، ليواصلها الآخرون من بعده. إن أصحاب الأجساد الرفيعة، ترتـفع أجسادهم إلى أعلى؛ ثم تهبط منحدرة فوق الأرض ملتوية، وهم يؤدون جملهم الحوارية. استـفز هذا العرض المسرحى النقاد، وأثارت حفيـظـتهم صرة بطن “هورودنـيتـشى” العارية، وأغضبتـهم كذلك وضعية الممثـلين الذين كانوا فوق خشبة المسرح وكأنهم “أسفار” أو “أحمال” بعجلات، يمتطيهم الآخرون، ويبدو وكأنهم مجرد مقاعد “فوتيــل”. فضلا عن ذلك فلم يكن من المعروف لماذا وضعت فوق خشبة المسرح قطعة ديكور لماعز تبدو غبـية، كما يبدو عليها الغرور. لقد أراد “شاينـا” أن يظهر قمامة المدينة، والمدينة الصغيرة، والغباء الإنسانى، وضغوط السلطة، وكذلك مدينة “كراكوف”. لقد وضع “شاينـا” “الماعز” فوق خشبة المسرح فى هذا العرض المسرحى، وفى عروض مسرحية أخرى، وضعها باعتبارها رمزا ودلالة أبدية لاستمرار هذا الموقف الذى لاينقطع وجوده، هذا الموقف “الجروتـيسكى” الذى رسمه المؤلف الروسى. وقد وضع “شاينـا” حيوانات حية فوق خشبة عروضه المسرحية التاليـة.
لم يكرر “شاينا” إعادة تـقديم “جوجول” ثانية، لكن هذا الطراز من النـقد، الذى جاء عن طريق صياغة الـلوحة التـشكيـلية للوسط البـيئى الذى تمتد جذوره نحو السياسة. ويقترب “شايـنا” خطوة خطوة تجاه العرض المسرحى “سيـرفانــيس”، ثم العرض المسرحى التالى “القلعة” لـ”فرانز كافكا” عام 1965، لقد قام “شاينـا” بنفسه بإعداد هذا العرض المسرحى – على مستوى النص المسرحى، ويعد هذا العرض المسرحى قبل الأخير الذى قام بإخراجه “شايـنا” بضاحية “نوفا هوتا” التى تـقع جنوبى مدينة “كراكوف” – العاصمة الثـقافية الأولى لبولندا. كانت سينوجرافية العرض المسرحى “قـلعة” كافكا، فى هذه المرة سينوجرافيا ميـتـافيزيقية غير واقعية تقع داخل فضاء مغـلق على نفسه، مضاء بإضاءة مركزة نحو الأرض، تـتـخللها حزمة من أشعة ملونة متـبـاينة من اللون الأخضر، وقد قسم “شايـنا” فضاء خشبة المسرح إلى مكعبات، وقطع خشبـية، وبراتيكابلات. لقد أصبح الفضاء المسرحى مماثلا للخضوع التام لبطل “كافكـا” والإحاطة به، ووضعه فى مركز دائرة هذا الفضاء، ليصبح انعكاسا مكثـفا لوجود “البطل” اللا/ فعلى، فالمكعبات غير المتناسقة فى صياغة فضاءاتها، والتى تشكل مستوياتها قوى السلطة، تسير عبر تنوع مساراتها نحو البـشر، الذين يرضيهم استـتباب الأوضاع، وثبوتها، ولا يرغبون فى تغييرها أو تعديلها. إن “قلعة” كافكا والتىقدمت فوق الخشبة باعتبارها – كما يقول النقاد – عملا مسرحيا متسما بدقـته الشديـدة، كان – بدرجة كبيرة – محاكمة للمجتمع البولندى أكثر من كونه عملا ميتـافيـزيقيا.
لقد ظهرت عقدة دراماتورجية أيضا فى “حمامات” مايـاكوفسـكى، والتى قدمت فى عام 1967 فى “المسرح الـقـديم – Teatr Stary” بمدينة “كراكوف”. وعلى الرغم من أن “شـايـنا” لم يغير فى النص الأصلى، إلا أنه فـسره عبر لغته التـشكيلية التى تعيد صياغة فضاء مسرحه، وقسـم العمل المسرحى إلى أحداث، وأفعال، ومواقـف مسرحية، فضلا عن أنه قسمـه إلى مجموعة من الأبطال. أفراد عاديون من الشعب، ورجال من السلطة يتحكمون فى الحكم، وتحيـط بالأرض “دواليب” مقسمة إلى شقـق مسكونة من قبل البشر، وتلال من الأوراق المكـدسة. كان على أولئك البشر التغلب على هذه التلال من الأوراق عبر الاشتباك يها للوصول إلى عالم جديد يناصرونه. ونرى فى المشهد المسرحى جماعة من سواد الشعب من العمال يرتدون أردية حمراء، يقفزون عاليا إلىأعلى تدريجيا من فوق سلالم حمراء. لقد زخر هذا العرض بالدلالات والإسقاطات العصرية، تـلمس حاضر بولندا المتوقع.
وقبل عامين من هذا العرض المسرحى المتميز – كما يرى نقاده ومحللوه – يقدم “شاينـا” “حمامات” ماياكوفسكى، فى “المسرح الشعبى” الذى يقبع فى ضواحى مدينة “كراكوف” المذكورة، وذلك بمناسبة مرور عشر سنوات على نشوئه، وقد أعد “شايـنا” سناريو هذا العرض المسرحى بنـفسه. لقد تكون هذا العرض المسرحى من عدة أعمال شعرية ودراماتورجية لشعراء روس وسوفيـيـت، فضلا عن مقاطع من من اللمسرحية ذاتها “الحمامات”. لقد طور العرض المسرحى بأكمله الأفعال الدرامية به وشيدها وفقا لتصادم هذاه الأحداث بعضها بالبعض، وكان السرد التـشكيلى هو الذى يقودها ويسيرها وفـقا لمنظومة سينوجرافية الفضاء المسرحى المقترح.
فى العشر السنوات التالية – فى مسرح “مسرح ستديو” الذى أنشأه “شايـنا” بالعاصمة وارسـو، يعود الفنان ثانية إلى الكاتب الروسى “مايـاكوفسـكى”: يعود إليه عبر بطله ولكن بمنظور مختـلف هذه المرة: فالبطل هنا فى هذا التأويل الجديد – عند “شايـنا” – يوجد من خلال قوانين تـتساوى مع قوانين حياة الشخصية الأدبـية وملامحها. فالأساس الذى قامت عليها العروض المسرحية التى قدمت للكتاب الشعراء فى مسرحه فى المرحلة الزمنية السالفة، كانت التطبيقات المسرحية – عند “شاينـا” – هى التى تقترح تأويلاتها وعمليات الحذف والإضافة، لكنها – فيما بعد – لم تـقدم كنسخ طبق الأصل منها تكرر تـقديم تلك العروض المسرحية، بل عروض جديدة يقدمها البدع “شايـنـا” بتـفسيرات وتآويل مختـلفة فى أثناء إخراجه المسرحى لها.
فى سنوات الستـينات استخلص “شايـنـا” من الدرامات المسرحية، وكذلك من الأعمال الروائية الـنـثرية التى تهمه، كل ما كان يريده باعتباره مؤلفا لعروضه المسرحية، ولأنه كان مديرا لمسرحه فكانت له حرية الاختيار التى كان يقوم بها بنفسه. وبجوار تلـك الماة الدراماتورجية التى كان يختارها، فإنه كان يرسم لها مناخها المسرحى الخاص، المتـفرد، وله خصوصية تنـشأ من مفردات لغة “شاينـا”التـشكيـلية، هذا المناخ كان يضع فيه البطولة الزاعقة ممتزجة بسخريته “الجروتـسكية” التى اتسم به أسلوبه الفنى،وقد انشغل كذلك بالنصوص اهتماما كبـيرا باحثا فى البداية عن قيمها الفكرية داخلها، وصولاإلى قضاياها المطروحة داخل هذه النصوص.
فى سنوات السبعينـات وما بعدها، كان “شاينـا” يقوم بتحليل العروض المسرحية تحليلا يتسم بالعمق من منظور شخصية “الـفنانـين/ المتمـردين” المبدعين لهذه النصوص. إن التجربة السينوجرافية فى العرضين المسرحيـين “المجنون والراهبة” و” فى قصر صغير” للكاتب المسرحى البولندى الطليعى “فـيتـكاتـسى” وقد قدم العرضان فى مسرح “المسرح الدرامى – Teatr Dramatyczny” فى العاصمة وارسو عام (1969)، ويعدان عرضين مسرحيـين متكاملين من زاوية التـشكيل والإخراج المسرحى – متكاملين بدرجة كبيرة. أما العرضان المسرحيان اللذين قدما فى فترة مبكرة عن هذا التاريخ وهما “إنهم هم” و”والتحرير الجديد” لنفس الكاتب السابق، وقد قدما فى مسرح “المسرح القديم” بمدينة كراكوف عام (1967) ، ويعدان تمهيدا لتـقديم  تيار “المسرح – البورتريه” الذى أصبح رافدا اساسيا فى مسرح “شايـنـا” بمسرحه “ستديو” فى العاصمة وارسو. ويعود تاريخ “بورتريه” آخر إلى بدايات إبداعات “شاينـا” بمسرح “نوفا هوتا” الذى يقع فى إحدى ضواحى مدينة “كراكوف”. وبعدها بشهرين بعد تقديمه العرض المسرحى “المساحة الفارغة” أمام الجمهور، قدم “دون كيشوت” والذى أعد “شاينـا” له سيناريو مكتوبا ووضع له الرؤية السينوجرافية والإخراجية. لقد أصبح بورتريه العرض المسرحى “دون كيخوت” مدخلا هاما لتـقديم بورتريه العرض المسرحى “سيرفانـتـيس”، والذى قدم فيه الفنان الرؤية الأخيرة له بعد ثلاثين عاما من تقديمه له، فى مكان مولده بإسبانيا.
لقد اعجب “شاينـا” فى “دون كيشوت” بالحركة الداخلية، بعاصفة الأحداث، تباين الأفكار المسرحية لتـشكيلية الحركة الداخلية فى النص الأدبى. لقد أعجب “شاينا” بالمادة الروائية بكليتها التى يمكن إعداد سيناريو مسرحى منها. أما الجمهور فكان أقل مرتبة فى تهيئه وقبوله المقترح الفنى المقدم فوق الخشبة من قبل “شايـنـا”، ربما أقـل تهـيئة من قبول التجربة المسرحية “المساحة الفارغة”، فـفى “المفتش العام” و”دون كيشوت” يقترح فضاءات مسرحية مغايرة لما قدمه من قبل، فيما يتعلق بالسرد التشكيلى. ففى المقالات النقدية لهذا العرض الأخير لاحظ “فلاشــين” خصيصة هامة فى مسرح “شاينـا” ، وهو تطويره المستمر للغته التـشكيلية والإخراجية: حيث الصفاء التشكيلى الفنى لفضاءات خشبة المسرح، والتى تـتخلق وتتـشكل فيما بيـن أداء المـمثـل، وأداء الأشياء السينوجرافية. فضلا عن ذلك فقد إدى هذا إلى التوحد مابين الموقف الدرامى الذى يوحد الممثل بالشئ، وكأنما “تـشيــأ الممثـل!” وأصبح “الشئ ممثلا!” وكونا معا وحدة متفردة فى كيانها ونسيجها. إن “المفتـش العام” و”دون كيخوت”، و”المساحة الفارغة” و”القلعة” هى شهادة على خلق متغير أساسى فى المسرح الذى تبناه “شايـنا” وخلق نظريته فى الستينـات ألا وهو “المسرح العضوى”. هذا المتغير الجديد فى عالم المسرح المعاصر كان غير تابع، بل ومستـقل استقلالية تامة عن التغيرات التى حدثت فى فنون التشكيل (الرسم)، أو فى فنون (الإخراج) فى فترة مبكرة فى فنون الغرب.
 
———————————————————————————————————–
المصدر : مجلة الفنون المسرحية – فضاءات شاينــا المسرحية تأليف: زبيجنييــف تارانــيـيـنـكو تقديم وترجمة: د. محمد هناء عبد الفتاح متولى مراجعة: دوروتا متولى

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.