فرجة المسطحات الرقمية والبحث عن الجمهور الافتراضي في زمن الوباء – دة.نزهة حيكون #المغرب

فرجة المسطحات الرقمية والبحث عن الجمهور الافتراضي في زمن الوباء..

تجربة “مسرح/نت” للفنان المغربي عبد الفتاح عشيق.

دة.نزهة حيكون

ظهرت في الآونة الأخيرة أشكال من الفنون البصرية التي تمّ إنشاؤها على مسطحات الأنترنيت، وهي أعمال تنتمي لأجناس كالمسرح، والفيديو، وغيرها.. وهي وإن كانت نتيجة حتمية للغزو الرقمي، فهي أيضا تطور طبيعي لفنون الشارع المختلفة. وسواء كان العرض داخليا في الأروقة والقاعات، أو خارجيا في الشوارع والأزقة والساحات، أو افتراضيا على مسطحات كالفايس بوك وغيره، فالغرض منها مجتمعة الاتصال المباشر بالجمهور، وتخطي حدود التلقي الممكنة، وجدب الانتباه، أو بتعبير آخر جعل الفرجة “قوة” لا “انعكاسا”1. هي عروض تسلط الضوء على قضايا إنسانية بعينها من قبيل الحريات الفردية، والهويات الثقافية المختلفة، كما قد تعلي من شأن قيم جمالية وفنية ما.

المسطحات الرقمية والإبداع

نبدأ كلامنا عن الوساطة والوسائطية في هذا النوع من العروض بكلام خالد أمين في عتبة كتاب جماعي عن المسرح والوسائط، يقول: ” المسرح وسيط موسع يعرض وسائط أخرى. إنه يتمتع بقابلية استيعاب الوسائط الأخرى والتفاعل معها”2  قد تكون المسطحات الرقمية للتواصل الاجتماعي –الذي قد لا يُحدث تواصلا بشكل دائم وكما هو مرغوب- منصة قوية للوصول إلى أعداد كبيرة من الجمهور، لن يستطيع الفنان وصولها في أفضل ظروفه الفنية، إن الفنان الذي يقرر أن يتخذ من الرقمي والافتراضي فضاء للعرض يكون أمام اعتبارات نُجملها فيما يلي:

  • الإيمان الشديد بأن هذه المسطحات تملك القدرة على تحقيق التلقي المرجو، بل لها القدرة على زيادة وعي الجمهور بقضاياه الكبرى.
  • الفكرة التي تعتبر جمهور المواقع جمهورا المواقع جمهورا كبيرا، لا يحده الزمان والمكان، فهو يتلقى الأثر الفني في أي زمان أو مكان يختاره هو عبر لوحته الالكترونية وا هاتفه أو حاسوبه الشخصي، وردود الأفعال هي أيقونات وتعاليق يتلقاها الفنان في حينه.
  • الاعتقاد بأن هذا النوع من الوسائط يملك صبغة احتجاجية تمردية لها القدرة على تخطي سلطة الزجر التي يتعرض لها في العالم الواقعي.
  • المجانية أو رخص تكلفة الإنتاج. قد لا يستلزم عرض عمل فني ذات التكلفة الباهضة في الواقع، وبالتالي تتكافأ فُرص العرض بين الفنانين وخاصة منهم الهواة والشباب الذي يلج الاحتراف وامتهان الفن في بدايته.

تُعيدنا هذه الأعمال إلى أصول الإنسان البدائية، حيث كان يكتب على جدران الكهوف، مفترضا أن كل المارين من المكان سيقرؤون رسائله المُشفّرة، كان لزاما على الإنسان أن يترك بصمات لمروره في الزمان والمكان. في حين تُعتبر هذه العروض الآن وعلى الجدران الرقمية مظهرا آخر للفن المعاصر، فن تنعدم فيه الحدود بين الأشكال والأجناس، ويفتح الباب أمام الجميع، وهنا يكمن المنزلق الخطير الذي قد تنطوي عليه هذه الأشكال من العروض الرقمية كي لا أقول الفنون الرقمية، التي تصبح ممارستها متاحة للجميع رجالا ونساء، كبارا وصغارا، موهوبون وعباقرة، أو محبون ومهووسون فقط.

احتضنت الأنترنيت ومسطحاتها المتعددة الموهوبين، والشغوفين بشتى انواع الفنون البصرية، وفتحت أمامهم مجالات تعدّ ولا تُحصى من التطبيقات الخاصة بالصوت والصورة وغيرها من طُرق التوليف الهائلة، والوسائطية التي تفتح الباب على عوالم إبداعية كبيرة جدا، الشيء الذي سيدفعنا للتساؤل مع عز الدين بونيت في مقال له حول الوسائطية: “إذا كان تحقق الظاهرة المسرحية، هو في حد ذاته، نوع من التحقق بالوساطة، فمتى يبدأ المسرح ومتى ينتهي؟ وكيف يمكن الفصل بين ما ينتمي إلى المسرح وما لا ينتمي إليه، في كل وساطة محتملة”3

الحديث في هذا المقام يستثني العروض التي تقدم في الواقع وتنقل إلى النت، ويخص بالأساس الأعمال التي قُدّمت من البداية للعرض الرقمي فقط، وللتحديد أكثر سنحاول أن نلقي نظرة على العروض التي عرفتها قنوات اليوتوب، وصفحات الفايس بوك خلال زمن الوباء الأخير (كرونا)، وبالضبط تجربة الفنان المغربي الشاب (عبد الفتاح عشيق).

 

إبداع الأحداث العظمى

لا بأس بداية من الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين الإبداع وهذا النوع من الأحداث الكبرى التي يعرفها الإنسان على مدار تاريخه. خلّف وباء (كوفيد 19) الناتج عن الإصابة بفيروس (كرونا) مأساة عالمية لم توقف عجلة الاقتصاد فحسب، بل أربكت حسابات إنسان الألفية الثالثة، وسَخَرَت من كل تمثلاته لبداية العقد الثالث في القرن الجديد، فإلى جانب الكود والكساد العام، ودّع العالم آلاف الضحايا، وأصبح الإنسان هذا الكائن الضعيف يظهر من خلال قناع طبي، وتنبعث منه روائح المعقمات، ويُجْبَر على الابتعاد قدر الإمكان عن أقرانه. دول عظمى ركعت لسلطة الوباء، ودول لم تجد باليد حيله غير توديع أمواتها، وانتظار المزيد، لقد عاشت النفس البشرية أكثر حالاتها ضعفا، لكنها حالة تطلبت مزيدا من العمق والشفافية، لذلك لن نبالغ إذا قلنا بأن الفن والإبداع عامة هو الأقدر على النفاذ إلى جوهر هذا الوضع العصيب، واستخلاص ما به من عِبر.

كان الفن دائما مرآة لمآسي الواقع، بل واضطلع بهذا الدور عبر مختلف محطات البشرية الكبرى، وبالأخص مع الأمراض والأوبئة. وحضر المسرح في كل مرة ليجسد بكل أدواته حكاية المأساة الإنسانية وهي تصارع قوى تتجاوز المقدرة البشرية، وتتخطى التوقعات الممكنة، شكلت العروض المسرحية طبيعة العلاقة بين قتامة الواقع، وجمالية المسرح وفنونه، التي بقيت وفية لقيم المأساة، مأساة الجسد والروح معا. استطاع أبو الفنون أن يخوض في أدق تفاصيل المعاناة وأخرج للعالم دررا خيّمت عليها أجواء المرض والموت، لكنها بقيت خالدة.

ارتباطا بما سبق ذكره، وتماشيا مع مقتضيات الظرف الجديد الذي فرضه هذا الوباء، والذي جعل التباعد نمطا للعيش، قام الفنانون المسرحيون بمحاولات حثيثة لاستغلال العالم الافتراضي، وتقديم عروضهم في ظروف الحجر الصحي، ووِفق الإمكانيات المتاحة، وقبل أن نطل من نافذة المشاهد الباحث عن الفرجة، أو المتلقي الناقد للتجربة، لابد أن نعرض للظرف المسرحي الذي يعيشه المغرب، فالمسرح المغربي الذي راكم تجربة قرن ويزيد من الزمن، نجح في انتاج أشكال تستجيب لمناخه الخاص، وفرض نفسه في الرقعة العربية، عاش فترات ازدهار كان موازيا للفعل النضالي والسياسي، كما لامس خيارات فنية مختلفة قد تعود إلى تجربة ومراس، أو تكوين وتدريب مُمَنْهج، والجمهور المغربي عشق الخشبات المغربية، وارتادها بكثير من الحب لأبي الفنون، كما هجرها في فترات أخرى، وابتعد بحثا عن أشكال فرجوية أخرى، وهو الشأن بالنسبة لفناني الأداء الذين دأبوا على تقديم عروضهم في القاعات والشوارع، والفضاءات الخاصة، هم أنفسهم الذين لجأوا إلى المنصات الرقمية في زمن الوباء، لأن العالم الالكتروني “قد يضعنا في حالة فوضى إذا لم نتأقلم مع متطلباتها الجديدة”4

مسرحنت تجربة العرض الرقمي المباشر

قدم الفنان المغربي (عبد الفتاح عشيق) خلال هذه الجائحة عروضا رقمية لن أسميها عروضا مسرحية إلا بعد أن نتطرق لها بالوصف والقراءة الفاحصة، وإن كان الانطباع الأول أو الحكم الجاهز الذي قد يطفو على السطح، هو كونها أعمال فيديو بسيطة، هي ردة فعل فنان على ما يحدث، وقد لا ترقى للدراسة والتفحص النقدي، ولا يتعدى أثرها زمن الحجر الصحي، أو على أبعد حد فترة اعلان حالة الطوارئ في البلد. لذلك دعونا أولا ننفذ إلى مسار (عبد الفتاح عشيق) الفنان الشاب، والمسرحي المتطلع لمسرح ينبض بحياة الشعب، وهو ما يظهر في محطات حياته التي تسير بخطى ثابتة جهة النجاح والتفوق الذي يبتغيه بمعية فرقته (كواليس).

من هو عبد الفتاح عشيق؟

 { المدير الفني لفرقة الكواليس للمسرح، المدير الفني للمركز  النمودجي للتكوين المسرحي والفني تيط مليل، سنتين من التكوين في المعهد البليدي بالدار البيضاء سنة 2000 ، الإجازة المهنية في مهن المسرح والدراما، الحضور في العديد من التكوينات والتربصات داخل الوطن وخارجه مدير شركة  متخصصة في التنشيط والتنظيم événementiel، حاصل على دبلوم متخصص في صناعة الإشهار  infographiste، حاصل على دبلوم متخصص audiovisuel.ألف وأخرج العديد من الأعمال المسرحية من بينها :”- علاش- تالفين – ميزاجور – كوما – روسيكلاج.- تياتروبورطور (مسرح الشارع) –  باش جاي باش داير (مسرح الشارع) –  شتف هيتف (مسرح الشارع)..” }

عروض المسرح/نت؟

فكرة “مسرح/نت” وكما جاء على لسان (عبد الفتاح عشيق) نفسه هي استجابة لرغبة الجمهور في مشاهدة عروض مسرحية سبق وأن عرضت في مواسم سابقة، وتم تسجيلها، وقد طوّر الفنان الشاب هذه الفكرة لتصبح عروضا تُقدّم على صفحات الميديا بتقنية المباشر (live)، عروض جديدة تتميّز أولا بقصر مدّتها، وثانيا بكونها تعالج واقع الوباء العالمي بأسلوب ساخر، لكنه توعوي وتحسيسي، يستجيب لمتطلبات الظرفية الراهنة، “مسرح/نت” اذن عروض قصيرة على تقنية المباشر، تعقبها مناقشة مباشرة أيضا، وتفاعل في حينه، سواء مناقشة القضايا المطروحة، أو الأدوات والتقنيات الموظَّفة، وبالتالي فالوسائطية خاصية تلحق هذا المسرح5، وتصبح ملمحا واضحا له.

العروض العينة: – طابو – قلق – البطبوط الحافي – كولوار

بداية فعناوين هذه العروض “الكبسولات” تعطينا فكرة أولى قد تحيلنا على عوالم يتضح أنها ترتبط أولا بـ:

  • المنع                  –       “طابو”
  • الاضطراب          –        “قلق”
  • الحاجة والحرمان   –        “البطبوط الحافي”
  • الترقب والانتظار   –        “كولوار”

وثانيا فهي تجعلنا مباشرة في مواجهة الوضع القائم، وضع الوباء الذي أجبرنا على مجموعة من التصرفات، ومنها:

          – وضع الكمامة، ومحو ملامح وجوهنا التي اختفت كل معالم الحياة فيها خلف قطعة الثوب تلك، وضاعت معها الحاجات والرغبات الشخصية، وتوحّد  نمط العيش.

          – الانعزال والتباعد بفقدان القدرة على الوجود إلى جانب بعضنا البعض.

          – الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتأزم لفئة عريضة من المجتمع، الأمر الذي نتج عنه اضطراب نفسي، وحالات من الترقب قد تصل الهديان المحموم.

          بالعودة السريعة إلى مسار الفنان (عبد الفتاح عشيق) تفهم أن هذه موضوعات أثيرة لديه، وهي التي شكّلت خريطة أعماله، سواء أعمال القاعة، أو الشارع. ولأنه كان حريصا على طرق الأبواب المغلقة، فهو لم يتورع في هذا الظرف الكوني الخاص جدا، أن يستمر في طرقه لأبواب الممنوع، والمُحرّم، والمسكوت عنه، يبقى أن ما قد يميز هذه الأعمال التي نحن بصددها هو تقنيات عرضها، وآليات تقديم محتواها ومناقشته على مواقع التواصل الاجتماعي.

  • العرض الأول: “طابو”

رجل وامرأة يقفان في الظلام، أمام باب غرفة مفتوح ومضيء.. صوت دقات الساعة، الشخصيتان عبارة عن دميتين/مانكان، يرتديان ملابس هي التي تحيل إلى جنسيهما، أما الرأس فهو عبارة عن صحن: المرأة (الكميله)، والرجل (المقلة)، صوت خارجي يعرفنا على الشخصيتين:

  • نعيمة لكويميلة: كتسكن فالتشارك
  • عزيز لمقيلة: ظريف ولد باب الله

تتغير الإضاءة، تظهر الطبيبة التي تدخل الغرفة، ثم تخرج لتُدخل عزيز، عزيز الدمية هو نفسه عزيز الممثل الذي سنراه بعد أن ارتدى الملابس التي كانت للدمية، وفي مشهد مع الممرضة التي تحمل ورقة الأشعة، وتقرأها بتمعن، وقد وضعت نظارات كبيرة شبيهة بتلك المُخصّصة للغطس، تطلب من عزيز الجلوس، وانتظار التحاليل.

تزجر الطبيبة عزيز جراء عدم وضعه للكمامة، لكنه يشرح لها ضيق ذات اليد، وكيف أن ما أخرجه من بيته هو البحث عن لقمة العيش، فهو لا يملك أي من بطاقات التغطية الصحية، ولا يمكن أن يبقى مكتوف اليدين، ويترك ولديه الاثنين دون مأكل ومشرب طيلة فترة الحجر الصحي، يشير الحوار أيضا لكثير من الإكراهات التي تصادف شريحة الأطباء وما يعانونه قبل وأثناء فترة الوباء. تلج الطبيبة الغرفة من جديد، وتخرج وفي يدها كمامة، تعطيها لعزيز وتطلب منه مرافقتها، وتقول له ان عدد الإصابات وصل إلى الألف، تُزيل الورقة التي كتب عليها رقم الألف لتظهر ورقة كتب عليها الرقم الموالي ألف وواحد، تتغير الإضاءة من جديد، تسلط بقعة ضوء على (نعيمة لكويميلة).

  • نعيمة لكويميلة: معكم أمي نعيمة اللي كيعيطو ليها (كويميلة).. عزيز (مقيلة) ولاّ هو واحد.. ولّينا ألف وواحد.. حتى أنا كنتسنى التحليلة.. ياربي منكونش أنا ألف وزوج.. أنا غير درويشة بنت باب الله.

طيلة العرض كان التصوير بشكل عمودي، والصورة مقلوبة بشكل جانبي، وذلك عن قصد بالنسبة للمخرج، مباشرة بعد الانتهاء من تقديم العمل، تم تعديل وضع الهاتف، واستقبال آراء المشاهدين وانطباعاتهم.

  • العرض الثاني: “قلق”

الشخصية القلقة التي يقدمها هذا العمل تقف أما باب الشرفة، يظهر الشارع، ومصباح مضيء، سيارات متوقفة على الجانبين، ومساكن مقفلة يبعث منها بعض الضوء الخافت من نوافذ صغيرة. الشخص القلق يدخن مشبك الغسيل بدل السيجارة.

يقول: ندمت علاش ما تبليتش.. تبليت بالمقابط

يرتد السواد في القميص والسروال والقبعة. يخرج للشرفة، يتفقد الليل، يعرب عن ضجره وسخطه، وترقبه للشمس، وخوفه من انطفاء المصباح الوحيد في الزقاق. يجلس، يقف، حركات يد  مرتعشة، يعبر عن تأملات غريبة نتيجة هذا الوباء العالمي الذي خلخل حسابات الكرة الأرضية كلها، والتي شبهها بالعرس.

يقول: أنا كتجيني هذ الكرة الأرضية بحال شي عرس.. والعرس ما يمكنش يكمل بلا صحاب الهزة.. واذا مكانتش النكافة.. وماكانش صحاب الطيافر.. ومكانوش السرباية.. وماكانتش الطيابة.. ومكانوش السيكورتي.. والا مكناش حنا.. حنا اللي كنجلسو حدا الباش كنتسناو ربع دالخبز فيه فخد الدجاج من تحت الباش..

تُصرّح الشخصية بأنها عاجزة، لا تعرف فعل شيء، لذلك تتمنى لو كانت مدمنة على شيء ما، فتضيع الوقت في محاولة الإقلاع عن ذلك الإدمان. نسمع نداء السلطات في الخارج، والتي تُشيد بالمواطنين، وتدعوهم للالتزام، يصل الرجل إلى أنه سيصنع شمسه بنفسه، فيلصق صورة لشمس من ورق، وأخرى لطائر صغير، يصنع عالمه الخاص (شمس/طائر).

يقول: كل واحد فينا والشمس دياله.. كل واحد والفريخ دياله..

يخرج الرجل من هذا العالم الجميل الذي خلقه لنفسه على صوت زوجته تناديه دون اسم أو صفة، تذكره بنفاذ علبة حليب طفله الصغير.

الزوجة: اسميتك.. راه تقادى لحليب للدري.

يُغلق باب الشرفة، يتراجع إلى الخلف وهو يحلم باليوم الذي سيخرج ليرى نفسه وهو يسير في زجاج واجهات الأبناك. عالم قلق يدفعه للانكماش في ركن والتخلي عن كل الأحلام الممكنة.

  • العرض الثالث: “البطبوط الحافي”

طاولة فارغة إلا من رغيف خبز مغربي تقليدي (بطبوط)، كرسي خشبي، موسيقى في خلفيتها صوت رياح شديدة. ممثل يرتدي السواد، يسير جيئة وذهابا، يختلس السمع من خلف باب مغلق، ينظر من أسفل الباب أيضا، لكن لا شيء يحدث. يُحضر كأس ماء فارغ، ويجلس على الكرسي. اضطراب شديد يمتلك الشخص يدفعه إلى فرقعة أصابعه، يبدأ في أكل الرغيف، تقريبا الربع. يعود لتحركاته المرتبكة، في كل مرة يأكل بعضا من الخبز، ويُطل من أسفل الباب. يقلب الكأس في كل مرة يعود للطاولة، كأنه ساعة رملية، أو كأنه ينتظر مرور الوقت. يحمل حداءه وينتعله بسرعة، لا شيء يحدث، يستمر ارتباكه وترقُّبه، يقلّ حجم الرغيف. فجأة تُرمى ورقة من أسفل الباب، يحملها بشغف يقرأها في صمت، يخرج النقود من جيبه، نقود معدنية هي من فئة العشرين سنتيم، يصففها على الورقة، يتمم أكل ما تبقى من الرغيف. تصمت الموسيقى، يُزيل الحداء، يُعيد عد النقود.

  • يقول: ولينا بحال لمشاش.. عايشين بسبعة دالرواح.. كل نهار كتموت فينا روح.

يضع النقود على الطاولة، يحمل الورقة ويبدأ في أكلها، ينهيها وينسحب.

  • العرض الرابع: “كولوار”

موسيقى صاخبة، ممر (كولوار) فارغ إلا من كرسي خشبي، ضوء يخرج من غرفة مقابلة للكرسي، يخرج منها البطل وهو يحمل قنينة ماء، يتوجه صوب الباب المقابل يحاول فتحه دون جدوى. فجأة تتطاير ملابسه وأشياؤه من الغرفة التي غادرها سابقا، يحملها ويضعها في حقيبة ظهره دون ترتيب، يغادر المكان حاملا الحقيبة والكرسي. يسود الظلام، يظهر البطل مباشرة مع تركيز (زوم) على وجهه فقط.

  • يقول: هذا هو الكولوار اللي غادي نبقاو عايشين فيه.. نهار، يوماين، ثلث ايام.. شهر، عام، عامين.. المهم هو نبقاو عايشين فالكولوار.. حتى واحد فينا مغادي يخرج.. بقينا فالكولوار..

ينتهي العرض وتبدأ المناقشة.

بساطة الوسائل واهتمام المتلقي

          عوالم عروض (مسرح/نت) فارغة إلا من ديكور بسيط، واكسسوارات قليلة: (كمامة –قنينة رضاعة –رغيف خبز –نقود معدنية –حقيبة ظهر..)، وبالتالي فهي عنصر آخر يعزز طابع الفقر الذي يسم حياة الأبطال الأربعة. اعتمد الفنان (عبد الفتاح عشيق) وسائل بسيطة لتقديم هذه العروض، وسائل تبدأ من جهاز هاتفه الذكي، وأدواته المنزلية من كراسي وطاولات ومصابيح ضوء عادية، رافقناه من الشرفة، إلى الفناء، إلى بعض الغرف، سمعنا كلمات ابنه الصغير آدم، ورأينا زوجته الفنانة وهي تقدم يد المساعدة سواء كشخصية مُتخيّلة، أو كممثلة (عرض طابو)، أو كمحافظة تقدم خدمة تقنية.

          لم تخرج مواضيع العروض عن واقع الوباء العالمي، وما فرضه على الجميع من: – التزام بالبيوت – ارتداء الكمامات – الابتعاد عن التجمعات – توقيف الأنشطة المدرة للدخل. هذه المقتضيات التي أنتجت حالات من الاضطراب النفسي، والهلع الاجتماعي، فجاءت الشخصيات:

  • خائفة، تنتظر نتائج تحليلا قد تجعلها في خانة المصابين بالوباء.
  • قلقة، لا ترغب في الخروج وتريد البقاء في العزلة والوحدة.
  • مرتبكة راغبة في الخروج، لكنها لا تملك سببا يكفيها لتخرج، ولا دراهم كافية تجعل لخروجها معنى.
  • منبوذة، مطرودة من استقرار مزعوم، لكنها ممزقة بين رغبتها في الخروج، وترك كل شيء وراءها، وضرورة البقاء في الحجر، والتزام التعليمات.

شخصيات المشخصة لا أسماء لها، ولا ملامح واضحة، تجتمع في حالة الحرمان والتهميش، والحاجة إلى أبسط ظروف العيش الكريم، فالوضع الوبائي العالمي لم يغير فيها شيء، بقدر ما أماط عنها اللثام، وأظهرها للعيان صارخة مُستفزة. كذلك الأحداث فهي إما:

  • انتظار الحصول على نتيجة التحاليل.
  • انتظار الحصول على ورقة السماح بالخروج.
  • انتظار دعم مالي يُبعد شخصياتنا عن الفاقة والعَوز.
  • البحث عن عالم جديد، خلي من الوباء، مُشرق شمسه تضيء الأرجاء.

راهن (مسرح/نت) على المباشرة سواء في عرض العمل بتقنية (live)، أو في تلقي ردود الأفعال عبر مناقشة فورية تتلو العرض في حينه. وبالعودة إلى تلك المناقشات نرى أنها زاوجت بين:

  • أيقونات الإعجاب المعروفة التي يتيحها الفضاء الرقمي:

   (:      (-   () 

  • عبارات بلغة عامية بسيطة:

برافووو – الله يعطيك الصحة – تبارك الله عليك – بحال هاذ المبادرات لبغينا- راك فتحتلي الشهية …

  • لغة عربية فصيحة بسيطة قد تمتزج بالعامية:

” يتضح مليا أن الفكرة يوما بعد يوم وعرض بعد عرض تتطور. توظيف متناسق للاكسسورات والفضاءات الموجودة. إيقاع ونبرات الصوت كانت جيدة وبدقة. بالتوفيق ومزيدا من العطاء” –  ” مستوى العروض في تصاعد…الفكرة التي اعتمدت على (الطنز) اخذت مكانها من وقتك و وقتنا و هذا كايفرح.اظن اختيار الفضاء كان هو مربط الفرس لي خلا الفكرة تكبر و نعيشو القلق لي داز …الفكرة وصلت و ننتظر العرض القادم”

  • لغة عربية فصيحة عالمة:

” لا يوجد اسمى من الحق في الحياة والحفاظ عليها والتطرق لمفهوم الحياة كظاهرة فلسفية تقارب بعض الإجابات او المقاربات وكذلك هناك عدة نظريات تمثل قوة البحث عن الحياة …تحية من خريبكة” –  ” اما بخصوص التعبير الحسدي فرا ينقصه الكثير المرجو الاشنغال على تقنيات تحرك عن بعد” – “قلت ان الرغبة في فتح الباب هي نفسها الرغبة في البقاء حيًا في الكولوار – “في زمن الجوع لا يوجد خبز سيء جملة لمحمد شكري في سيرته الخبز الحافي التي اقتبس منها فناننا عنوان مسرحيته باستبدال الخبز بالبطبوط وأظن أنه قرأها…”

أرى أن فناني هذه السنوات الأخيرة كمن يتحدى الفن نفسه، ويحاول تجاوز امكاناته، للبحث عن أدوات أخرى تستنجد بإمكانات العالم الرقمي، وخاصياته الكثيرة لأجل إبداع مختلف، إنهم يخلقون لغة جديدة يتحدثون من خلالها مع مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، وهم شرائح تتباين مرجعياتها بشكل قد يستعصي عن الحصر، والتحديد المُطلق. وقد نجح (عبد الفتاح عشيق) في الوصول إلى مبتغاه بنسبة ليست بالهينة، وخلق نوعا من التلقي العميق لهذه الأعمال، ففي زمن الوباء، وفي موسم ثقافي مرتبك عرفه البلد، لم يكن امام الفنانين إلا العالم الرقمي الذي احتضن إبداعاتهم بل أوصلهم إلى عدد كبير من الجمهور الذي ما كان ليصله حتى في قاعات المسرح التي تشهد عزوفا واضحا من قبل الجمهور. ولن يتفق العديدون مع وجهة النظر هذه، والأمر طبيعي أكيد، فمنهم من قد يرى أن الوباء معطى جديد جدا ولا يمكن أن نتحدث عن أشكال فنية تنبثق عنه من الآن، ومنهم من يراها مبادرة تسير في نهج كبسولات اليوتوب التي تقدم فرجة مكثفة، بل قد تكون مبتذلة ولا قيمة فنية لها، وقد ينعت أي دراسة في الموضوع بفقدان الرصانة العلمية والبروتكول الأكاديمي الذي تستحوذ عليه عروض القاعات وحدها. في حين يمكن أن نقول مع حسن المنيعي: “بأن الوظيفة النقدية لا يمكن أن تكون موحدة، كما لا يمكن أن توحد بين الجميع مادام أن إنجازها يتم باسم متفرجين يعملون دوما على تفكيك وإعادة بناء ما يشاهدونه”6.

دة.نزهة حيكون – المغرب

المراجع:

  • حسن المنيعي، شعرية الدراما المعاصرة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، العدد 47، الطبعة الأولى 2017، ص9.
  • خالد أمين، عتبة كتاب المسرح والوسائط، مؤلف جماعي، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، العدد20، الطبعة الأولى 2012، ص11.
  • عز الدين بونيت، المنجز المسرحي ودينامية الوساطة، ضمن كتاب، المسرح والوسائط، ص157.
  • عبد الواحد ابن ياسر، تحولات المجتمع وتحولات الدراما، ضمن كتاب تحولات الفرجة فرجة التحولات، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، العدد20، الطبعة الأولى 2013، ص53.
  • نستعين في هذا الباب بدراسة حسن يوسفي، الفرجة الوسائطية وخلخلة المفاهيم المؤسسة للمسرح، المسرح والوسائط، ص43/51.
  • حسن المنيعي، شعرية الدراما المعاصرة، ص82.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح