“فرجة المسرح في زمن كورونا وما بعدها” – د. موسى فقير #المغرب

“فرجة المسرح في زمن كورونا وما بعدها” – د. موسى فقير

إن الجدل القائم اليوم حول مستقبل المسرح في “زمن كورونا وما بعدها” ليس طرحا جديدا، ففي كل العصور والأزمان يزدان بريق هذا الفن صلابة ونموا بفعل هذه الظواهر الاجتماعية الكونية المساهمة في الحفاظ على بقائه واستمراريته والتي تطعمه بدينامية محفزة على مواصلة رسالته، حيث يغدو كأنه مولودا جديدا يرى النور بعد  كل مخاض عسير طارئ يستطيع بواسطته الوقوف على قدميه ليشب ويترعرع ليطلق العنان للمخيلة، كي تصدح وتفصح وتعبر عن ما تعرفه المجتمعات البشرية من معاناة جراء النزاعات والحروب وتفشي الأوبئة وتناسلها، فمناعة المسرح تكتسب من هذه الأوبئة والأمراض التي تجتاح العالم سنة بعد أخرى في وقتنا الراهن.

والإبداع عموما، كما هو مأثور في أقوال النقاد القدماء، وليد المعاناة، فلا شيء يأتي اعتباطا وبمحض الصدفة ما لم يمر بولادة ومخاض عسيرين، ذلك أن سعادة الإنسان بدورها مرتبطة بهذه الطرح “خلق الإنسان في كبد”. فطموحنا اليوم أن يترجم الفعل الدرامي في وقتنا الراهن تلك الظواهر الاجتماعية الكونية المخيبة للآمال البشرية على خشبة المسرح الحي المباشر، فهو وحده القادر على إعادة استنساخ ما عرفته البشرية من تطورات اقتصادية واجتماعية وفكرية وتاريخية، وكل ما طرأت عليها أيضا من انتكاسات وتراجعات سواء في زمن الماضي أو الحاضر. بيد أن هذا الاستنساخ لا يكون آليا ميكانيكيا، بل يخضع لشروط وقوانين فنية متجاوبة مع الطروحات التي قدمها النقاد، وفي نفس الآن مرتبطة بفعل الارتهان لفعل النشأة والعودة إلى الأصول، لأن الفرجة المسرحية قيمتها الأصيلة تظهر في حوارها الحي المباشر أمام المتلقي دون قيود ووساطة تقنية افتراضية الكترونية تساهم في اختزال ماهية أركان بنائه. فالعرض المسرحي الحي المباشر مثله مثل التغذية العضوية الخالية من الأسمدة الكيماوية وغير المعدلة وراثيا. لذلك، فإن ثمن العرض الدرامي الحي يكون – طبعا – باهضا ومكلفا وليس  يسيرا بأن يكون في متناول الجميع.

ولو أمعنا النظر مليا في الثقافة المسرحية الوسائطية التفاعلية – نلفيها – رغم ما حققته من  حضور لافت للنظر تساهم في خلق فجوة وشرخ كبير بين الجمهور والممثل، ويتجلى ذلك في كون شخصية هذا الممثل يبهت حضورها في العرض الافتراضي ولا يمكننا معرفته حق المعرفة هل هو المتكلم فعلا؟ أم أنه شبح يستعير تموجات حواره بفعل مونولوج مزيف تصنعه الآلة الرقمية؟

زد على ذلك أن الممثل في العرض الافتراضي لا يرى بالعين المجردة، كما هو الشأن في العرض الحي المباشر، فهو كائن غريب يزول بزوال لمسنا لزر مفتاح لوحة الشاشة الالكترونية الافتراضية، وبعبارة أخرى فهو كائن إلكتروني مفقود، يغيب عنا في رمشة عين حين حصول عطب انقطاع تيار كهربائي أو انتهاء صبيب الحاسوب وغير ذلك من التوقعات التي تساهم في تغيبه وتغريبه. على عكس العرض المسرحي الحي الذي يمكننا أحيانا حتى من مصافحة ومعانقة كل من ساهموا في بناء العرض الحي المباشر. على هذا الأساس، فالعودة إلى المسرح الحي بعد زمن كورونا تمليه الضرورة الملحة، قصد اكتشاف مكامن الخلل والمكائد التي تتربص بالإنسان التي تسعى جاهدة لسلب حريته، لأن ما قدمته الثورة الصناعية من فوائد عديدة للإنسان التي طالما كان ينشدها هذا الأخير منذ عهود خلت، لم تتكلل بالنجاح وتحقق الأحلام المرجوة والحفاظ على النوع البشري من الجائحات والكوارث،  بل إنها سرعان ما ابتكرت وطورت أسلحة ضده وجعلته ضحية في شتى الحروب العصيبة. وها هي الثورة الرقمية بدورها رغم أهميتها الهائلة وانبهارنا بخدماتها ومزاياها لم تستطع بعد القضاء عن هواجس الخوف الذي ينتاب الإنسان في حياته اليومية، وما يهدد كيانه سلطته من جراء تكاثر الفيروسات والأمراض القاتلة مثل كورونا وغيرها من الفيروسات المدمرة.

ومن ثم، يمكن القول إنه بعودة الممثل لممارسة نشاطه الفرجوي على خشبة المسرح التقليدية سيخلق نوعا من المصالحة الطبيعية الفطرية بينه وبين الجمهور، وستبقى الوسائط الافتراضية مجرد أدوات مساعدة في بناء سينوغرافيا الركح، كالديكور والإنارة والملابس وغيرها.  

د. موسى فقير

(باحث مسرحي من المغرب)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح