فرانكفونية الخطاب في مسرحية YES GODOT)) صميم حسب الله يحيى

 

مقدمة:

لم تعد فكرة قراءة العرض المسرحي ابتداءً من العنوان جديدة، لكنها تظل فاعلة بوصفه أي العنوان عتبة حقيقية للقراءة والتفكر، في عرض مسرحية (yes godot) إعداد واخراج (أنس عبد الصمد) عن مسرحية (في إنتظار غودو) للكاتب الفرنسي (صموئيل بيكيت) تمثيل (أنس عبد الصمد، محمد عمر، صادق عبد الرضا، اليسار الربيعي، فاطمة أبو هارون)، والذي عرض ضمن فعاليات مهرجان العراق الوطني للمسرح، والذي أقامته نقابة الفنانين العراقيين بالشراكة مع الهيئة العربية للمسرح في بغداد، وحصل على الجائزة الكبرى في المهرجان.

وأول ما يمكن الذهاب  إليه في البحث عن مقترحات التفكير التي دفعت بالمخرج إلى اتخاذ عنوان (yes godot) بالرغم من أن العرض لا يبحث عن (غودو)  فالمخرج  ذهب باتجاه تبني خطاب الإطاحة الذي تجسد في طروحات (رولان بارت) حول (موت المؤلف)، فراح يؤسس فرضيته الإخراجية باتجاه استعداد شخصيات (بيكيت) للإطاحة به، لذلك نذهب إلى استعارة أفكار المخرج  ومحاولة الذهاب باتجاه تحويل العنوان إلى (yes becket) وهي إحالة دالة على الرفض، ففكرة إزاحة المؤلف تأتي ضمناً لإزاحة فكرة الانتظار نفسها، وقد عمد المخرج إلى التأكيد على تلك الفكرة عن طريق تجسيده في مشاهد عدة الرغبة في الإطاحة بالمؤلف وأفكاره، وما مشاهد (تمزيق الكتب، أو غلسها بالصابون، أو حبس الرأس البشري في قفص العصافير)  إلا محاولات لتجاوز تلك الأفكار التي وجد المخرج أنها لم تعد تتوافق مع العصر وما فيه من متغيرات، فماذا يعني أن ننتظر مخلصاً لا يأتي، لذلك نجده يعبر عن فكرة رفض الانتظار بأفعال حركية دالة وبصيغ متباينة.

النص الدرامي والنص التعبيري:

ذهب المخرج إلى اختيار نص (في انتظار غودو) لما فيه من مضامين متباينة قابلة للقراءة والتأويل، فنراه يختار القراءة العكسية لتيمة الانتظار التي طرحها (بيكيت) وعمل المخرج على رفضها وتهشيمها، والعمل على مواجهتها بوصفها فكرة تنتمي إلى زمن غابر ما عاد لفكرة انتظار المخلص حضورٌ في المجتمعات التي بدت في تحول دائم.

إن فكرة اجتراح قراءة عكسية لم تجعل من المخرج قادراً على الخلاص من أفكار المؤلف الذي سعى جاهداً إلى الإطاحة به، فنراه يستعير البيئة النصية التي اقترحها (بيكيت)، (مكان قفر، وشجرة) وهي من ثوابت النص التي راح المخرج يبحث في فعل التأكيد عليها ومن ثم رفضها. من دون أن يسعى إلى الإطاحة بالمكان المتأسس في النص، بل نراه يعمل على إنتاج فضاءه الخاص دخل فضاء النص، فضلا عن ذلك فإن المخرج عمل على مغادرة الملفوظ النصي بوصفه معطى درامي، والبحث عن منطلقات مختلفة للتعبير يأتي التعبير بالجسد وتوظيف الايماءات والتعبيرات الصوتية في طليعتها، وتحويل القليل من الملفوظ النصي إلى خطاب غير مباشر يأتي عن طريق التسجيل لشخصيات (بيكيت).

فضاء العرض الفرانكفوني:

لجأ المخرج إلى محاولة تجسير العلاقة بين فكرة الإنتظار ومضمون الإستهلاك ، فالإنتظار حالة إستهلاكية للزمن كما هي المدينة الاستهلاكية التي هيمنت عليها طائرات الآخر وبضائعه الإستهلاكية التي تمثلت في (أغطية المواد الكهربائية) والتي بدت علامة دالة تشير  إلى صناعات إستهلاكية تندرج تحت موجودات الفعل العولمي، والتي عمل المخرج على ترحيلها  في مواضع مختلفة من العرض وصولاً إلى تدميرها (أي تدمير المفردات)، وقد نختلف هنا مع المخرج  في فعل التدمير الذي سبق له وأن تجسد فعلياً عن طريق تصغير أحجام الأجهزة الاستهلاكية (المدينة الاستهلاكية)، وهو بحد ذاته فعل جمالي يحيل إلى التدمير بمعناه الرمزي، من دون اللجوء إلى خلق فوضى بصرية في فضاء العرض، لم يكن العرض بحاجة إليها فهي فعل تأكيدي على ما هو مؤكد أصلا..

من جهة أخرى فإن اختيار المخرج للعديد من المفردات التي لا تتساوق مع البيئة المحلية دفعت به إلى تأسيس فضاء مسرحي يركن إلى المنظومة الفرانكفونية، فجميع مفردات العرض بما فيها الأصوات التي تم تسجيلها وهي على ما يبدو لشخصيات انكليزية جسدت شخصيات (بيكيت)، (فلاديمير وستراغون) في عروض مسرحية سابقة، وهو أمر يدعو إلى التساؤل، لماذا لم يلجأ المخرج إلى اللغة الفرنسية؟ وهي لغة النص الأصلي، وذهب باتجاه التجسيد باللغة الانكليزية، وثمة تساؤل آخر يؤكد فكرة الإحالة الفرانكفونية التي دفعت بالمخرج إلى مغادرة النص باللغة العربية أيضاً بحثا عن التواصل العالمي وهو ما تحقق له، من دون أن يأخذ في حساباته المتلقي المحلي الذي لا ينتمي إلى الثقافة واللغة الفرانكفونية، ولم يقتصر الأمر على اللغة فحسب، بل إن المخرج ذهب باتجاه توظيف عادات وتقاليد المجتمعات الأوروبية، وما إحالة رمي البيض على صورة (بيكيت) إلا طريقة غربية للإحتجاج والرفض، لم تبدو مألوفة في المجتمع المحلي، بل هي إحالة فاعلة ومنتجة لأسلوب الرفض الفرانكفوني، وهو أي المخرج غادر على نحو قصدي أي فكرة يمكن أن يتم ترحيل (البيض) إليها سواء بوصفها (جنينا، أو مستقبلا) بل راح يؤكد على صيغة الرفض التي يتخذها الانسان الأوروبي في التعبير عن عدم إعجابه بالمقترحات التي تقدم له، ولم يكتف المخرج بصناعة عرض ينتمي إلى فضاء الآخر، بل نراه يؤكد بين حين وآخر على فكرة التكرار التي هي من متبنيات مسرح اللامعقول والتي قام عليها نص (في انتظار غودو) في محاولة منه لاستدراج المتلقي إلى فكرته الرئيسية.

الأداء التمثيلي وسلوك التعبير الحركي:

تنتمي التجربة الادائية التي اختارها المخرج والممثل (أنس عبد الصمد) إلى المزاوجة بين مجموعة من الأداءات التي تغادر الفعل اللفظي، وتعتمد على نحو أساس، على الفعل الحركي. وهو ما بدا واضحاً في سلوك الشخصيات كلها، ولم يركن المخرج إلى صيغة محددة في الأداء، بل نراه يذهب باتجاه مقترحات (هانس ليمان) في طروحاته حول (مسرح ما بعد الدراما) الذي يشكل الجسد وأفعاله الحركية فيه حضوراً طاغياً على النص اللفظي، وهو ما دفع بالمخرج إلى الاعتماد على تقنية تسجيل أصوات لممثلين، من دون أن يبحث في اختيار تجسيد الأداء الصوتي حضورياً على خشبة المسرح، وهي إحالة رفض جديدة يتبناها المخرج تجاه (المؤلف/ بيكيت).

 من جهة أخرى فإن اختيار المخرج أزياء متطابقة في اللون لشخصيات المسرحية الرئيسية التي جسدها كل من (أنس عبد الصمد، محمد عمر) يدعو إلى التساؤل حول ماهية هذا التطابق اللوني، بالرغم من الاختلاف الواضح بين الشخصيتين في السلوك الجسدي والأدائي؟ بينما نجد أن المخرج ذهب باتجاه خلق تنوع في الأزياء بالنسبة للشخصيات الأخرى التي تظهر فيها الإحالة إلى شخصيات (بوزو، لاكي) في النص الأصلي، بوصفهم شركاء الانتظار في النص وشركاء الرفض والإطاحة بالمؤلف في العرض.

وقد عمل المخرج على إضفاء صفة التأنيث عليها بالرغم من محدودية أفعالها في العرض، إلا أن العلامات التي تكشفت عنها بدت تشير إلى أن فكرة رفض الانتظار لم تعد فكرة ذكورية كما أسس لها (بيكيت)، وهي إحالة أخرى إلى المجتمع الفرانكفوني الذي يؤمن بالتعدد وحرية المرأة، على العكس من المجتمعات التي تهيمن فيها الثقافة الذكورية وسطوتها.

ويبدو أن المخرج أراد استدراك البعد الفرانكفوني الذي ذهب إليه العرض فاختار العودة إلى البيئة المحلية عن طريق توظيف الشاشة التي تبث صورا للمدن العتيقة والتي توزعت فيها صور المؤلف (بيكيت) وصار ينتمي إليها، ترافقها أغنية من التراث العراقي، وهي إحالة واضحة إلى أن الانتظار بوصفه ماضياً لا يمكن له أن يكون حاضراً، وقد بدت الأغنية التراثية بعيدة عن جنس العرض ومتبنياته البصرية التي تشير إلى نسق مغاير ينتمي إلى الفضاء الفرانكفوني شكلاً ومضموناً.

المصدر: صميم حسب الله يحيى

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح