فاروق فياض.. في القلب والذاكرة. – كافي لازم #العراق

299454b12 229349

 

قد نتفاجأ عندما نتحدث عن فنان كبير واستثنائي رحل عنا منذ أكثر من ٤٠ عاماً وهو في قمة عطائه كان موته مفاجئاً للشعب العراقي والجمهور المسرحي وهو من مؤسسي فرقة المسرح الفني الحديث إلا وهو الفنان الراحل فاروق فياض.

لماذا استثنائي؟ لأنه بدأ حياته الفنية مبكراً وتعامل مع الطبقة العاملة بشكل مباشر واطّلع على معاناتهم وظروفهم المعيشية القاسية ,ولد الفنان فاروق فياض عام 1940 في مدينة الأعظمية وكان دخوله ثانوية الصناعة عام ١٩٥٩ إضافة نوعية لكي ينتظم مع صفوفهم للمطالبة بحقوقهم لأجل حياة أفضل ومكاسب أكثر إلا أن حلمه لن يكتمل إلا بالولوج الى المسرح وتجسيد فكره المتنور . دخل معهد الفنون الجميلة عام ١٩٦٣ ومباشرة اختاره المخرج الرائد جاسم العبودي للقيام بدور الكابتن للمؤلف الإسباني خسيستو بينفتس لمسرحية عنوانها(دنيا المصالح)

واشترك في مسرحية مسمار جحا من انتاجات المعهد إخراج بهنام ميخائيل و(مكبث) إخراج إبراهيم جلال و(القيثارة الحديدية) إخراج جعفر السعدي…. الخ. كما أخرج مسرحيتين (الحقيقة ماتت) و(اسكوربان(وهو في ريعان شبابه اشترك بفلمين الفيلم الاول (درب الحب) إخراج برهان الدين جاسم وعرض عام ١٩٦٦ وفيلم (شايف خير) انتاج مصلحة السينما والمسرح إخراج محمد شكري جميل وعرض عام ١٩٦٩ ومارس الإخراج في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون أخرج مسلسل عن ثورة العشرين وكان يُذاع كل عام احتفاءً بالمناسبة وكان لديه مشروع مماثل عن ثورة مايس إلا أنه لم يرَ النور. شكل مع خليل شوقي ومكي عواد وفخري العقيدي جماعة المسرح الفني وبعد أن صدر قانون الفرق المسرحية عام ١٩٦٥ أعاد إبراهيم جلال تأسيس الفرقة من جديد بأسم (فرقة المسرح الفني الحديث) حيث اجيزت في ١٣/٥/١٩٦٥ بأندماج الفرقتين المسرح الفني مع المسرح الحديث وانتخب عضواً في الهيئة الادارية عام ١٩٧٥ اذن فهو من مؤسسي فرقة المسرح الفني الحديث بهيكلتها الجديدة وكان انتماء أقرانه من الشباب آنذاك للفرقة روميو يوسف و فخري العقيدي و مكي عواد وقاسم محمد حافزاً لإنتماء الوجبة اللاحقة المتمثلة بالفنان فاضل خليل الذي اكمل الدكتوراه في بلغاريا وأصبح عميداً لأكاديمية الفنون, وفاضل سوداني الذي أكمل الدكتوراه في بلغاريا, كذلك عقيل مهدي الذي اكمل الدكتوراه أيضاً في بلغاريا وأصبح عميداً لأكاديمية الفنون الجميلة لمدة ٧ سنوات, كذلك جواد الأسدي الذي اكمل الدكتوراه في بلغاريا أيضآ فهو الآن مخرج معروف عربيآ ودولياً ,كذلك الدكتور حكمت داوود الذي حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة الفن من جامعة صوفيا وهو الآن بدرجة وزير مفوض في وزارة الخارجية.والفنان الراحل إسماعيل خليل الذي توفي في المهجر والفنان القدير مقداد عبد الرضا كل هؤلاء وضعوا أقدامهم الأولى في فرقة المسرح الفني الحديث وانطلقوا نحو عالم المسرح الأوسع. لكن زميلهم الكبير فاروق فياض أدركه الموت مبكراً وكان ممكن أن يكون له شأن كبير في هذا العالم الساحر حيث استضافته الفرقة القومية مرتين حيث مثل في مسرحية (روميو وجوليت) إخراج محسن العزاوي و(الطوفان) تأليف عادل كاظم وإخراج ابراهيم جلال.

كان الراحل يعتبر (داينمو) الفرقة ومحركها وقد اقترح على رئيس الفرقة يوسف العاني فكرة أنه لا بد من تجديد مسرح بغداد بعد أن كان يعاني من نوعية الكراسي العتيقة وعدم تدرج الامكنة في صالة المسرح وتصدع الحيطان والمرافق الأخرى قال له العاني كيف يا فاروق وأنت تعلم شُح المتيسر من النقود عندها قال فاروق : لدينا ميسورون من جمهور الفرقة ولديهم الاستعداد لكل ما نطلبه فجلسا سوية للبحث في قائمة الميسورين من أصدقاء الفرقة وجمهورها قال له العاني سر ونحن معك. تبنى هذا الفنان الموضوع على عاتقه من ألفه الى يائه وتفاجأ بحالة الحماسة لدى هؤلاء الناس الطيبين ابتدأ العمل بكل جدية كما هو معروف لدى الفرقة وكان العمل جارياً في فصل الصيف لنفتتح الموسم في بداية الشتاء مما يلفت النظر ان الفرقة عزفت سيمفونية قل نظيرها فالتمرين المسرحي مع الموسيقى متزامنا مع تجديد بناء المسرح. لم يكتفِ فاروق بذلك بل ذهب الى كلية الهندسة والتقى بطلبة الصفوف المنتهية لتقديم تصاميم هندسية لأختيار الأمثل، حصلنا على العشرات من هذه التصاميم وانتهى العمل بزمن قياسي وأقام معرضآ لهؤلاء المهندسين الشباب في باحة المسرح وكان احتفالا بهيآ شكّل ظاهرة فريدة وسابقة لم تتكرر لحد الآن وابتكر فكرة الأماكن الخاصة (اللوج) لاستقبال المسؤولين وعوائلهم كذلك أصدقاء الفرقة مع اعتراض أحد أعضاء الهيئة الادارية ومحاسبها العتيد الراحل(مجيد العزاوي) على هذه الفكرة لأنها تأخذ مساحة وتقلص عدد الكراسي وبالتالي تقليص موارد الفرقة لكن الفكرة نُفذت بأبهى صورة..

عام ١٩٧٥ اسندت الفرقة ضمن برنامجها السنوي مسرحية (القربان) للكاتب العراقي المغترب غائب طعمة فرمان لنفس العنوان قام بأعدادها الكاتب والناقد ياسين النصير، عُهد لي بأن أكون له مساعداً ومديراً للمسرح. حزمنا أمرنا نحن الثلاثة وجلسنا جلسة تاريخية في بيت الراحل استمرت حتى ساعات الفجر الاولى .تناولت الجلسة تعديل وإضافة وحذف أيضاً ، إذ ليس سهلاً أن تحول رواية الى مسرح دون الحفاظ على جوهر الفكرة مع احترام توجه المؤلف الفكري والمنهجي والمقاصد التي يحملها النص ولنا (مقال طويل سابق عن هذه المسرحية وما رافقها من أحداث( حرص الراحل على استقطاب جميع شباب الفرقة في هذا العمل كما قدم لأول مرة بطولة كاملة للممثلة الشابة حميدة العربي وكانت بمستوى راقٍ ومتألق إلا انها غادرت البلد ولم تكمل المشوار وهي الآن مغتربة في لندن. عرضت المسرحية مايقارب المئة يوم وقد حضرت العرض الفنانة الكبيرة فيروز مع الرحابنة. كان الراحل لم يهدأ له بال فقلبه النابض بالحياة والتجدد الدائم يجعله في حالة بحث عن ابتكار لما هو جديد، يومه ممتلئ بالحركة والنشاط منذ الصباح الباكر فهو يحب الحياة ويعشقها مبتدأ بدوامه اليومي في شركة التأمين الوطنية كمسؤول للإعلام فيها وناطق بأسمها بعد أن مارس الرياضة الصباحية للحفاظ على حيويته وطوله الفارع وقوته الجسدية ثم الى مبنى الاذاعة والتلفزيون ليمارس الإخراج الإذاعي والتلفزيوني بعد تناول وجبة الغداء في مطعم الدائرة

ثم بسيارته العتيقة الى فرقته الاثيرة فرقة المسرح الفني الحديث ليملئ المسرح بالمزاح بضحكته المجلجلة ليحكي آخر النكات المستجدة في الشارع العراقي. كان منظماً لجميع السفرات الاجتماعية في الفرقة كونه مسؤولاً عن النشاط الاجتماعي والثقافي فهو كما قاله صديقه ورفيق دربه الفنان القدير روميو يوسف (طاقة هائلة لا تنضب)

آخر نشاط للراحل فاروق فياض في ندوة عن إشكالية المسرح العراقي أقامتها نقابة الفنانين وفيها طلب من أخيه المؤرخ أحمد فياض المفرجي أن يكون هناك عمل فني يتضمن محاكاة لشخصية اسمها (الهامش) لشرح تاريخ المسرح العراقي من بدايته الى ما وصل اليه بأطار مسرحي .. إلا أن الذبحة الصدرية لم تمهله طويلاً وهو بلحظتها كان يقرأ كتابا عن زعيم ثورة ١٤ تموز عبد الكريم قاسم توقف قلبه عن الخفقان في الساعة التاسعة من مساء اليوم التاسع من شهر تشرين الأول سنة ١٩٧٦ وهو في السادسة والثلاثين من عمره، وداعاً فاروق كنت ملهماً للشباب في الإبداع والتألق وكنت معطاءً حتى النفس الأخير..

كافي لازم

almadapaper.net

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح