غنام غنام: نعم.. المسرح الفلسطيني موجود رغم المعوقات

غنام
غنام غنام في مسرحية عائد إلى حيفا (2009)

غنام غنام: نعم.. المسرح الفلسطيني موجود رغم المعوقات 

سلطان القاسمي يدعم المسرح العربي مادياً ومعنوياً..

حاورة عبد العليم حريض

أوجد المسرحي غنام صابر غنام، (الأردني من أصل فلسطيني) لنفسه مضماراً خاصاً به، فقد عرف برائد مسرح الفرجة في الوطن العربي، وهو فن مسرحي يعتمد على سرد السير الشعبية، ولكن بمجموعة، خلاف الحكواتي الذي يكون بمفرده، ومسرحهم هو الحلقة وليست خشبة المسرح.

ولد في حيفا، وانتقل للعيش في جرش، قدم الكثير من الأعمال المسرحية تمثيلاً وتأليفاً وإخراجاً، في عدة عواصم عربية وعالمية، ونال الكثير من الجوائز والتكريمات، يعمل حالياً بالهيئة العربية للمسرح بالشارقة. وفي لقاء مع مجلة «الشارقة الثقافية»، أكد أن جائزة صاحب السمو حاكم الشارقة في مهرجان المسرح العربي تعد أيقونة المهرجان لما فيها من دعم معنوي للمبدعين العرب، مضيفاً أن المهرجان سيضع خلال الفترة القادمة استراتيجيات جديدة، تنقل المهرجان نقلة نوعية، فالكثير يعول عليه، ليكون البوصلة التي تؤشر للمسرحيين العرب.

زكي طليمات
زكي طليمات

ولفت غنام إلى أن المسرح الفلسطيني موجود وبقوة برغم كل الظروف التي تحيط به، ولكن هناك تجارب تستحق الدراسة والإشادة. وأوضح غنام أن(سأموت في المنفى _ بدل فاقد) هو عمل مونودرامي، وهو السؤال الوجودي الذي يدور بداخلي، ومكاشفة مع الذات ومع  الآخر، وأن مسرحية (ليلك ضحى _ الموت في زمن داعش) المترجمة لليابانية، قدمت لأول مرة في أيام الشارقة المسرحية (2018م)، مع فرقة المسرح الحديث، وقدمت في عدة عواصم عربية أخرى، وكتبت عنها دراسات، وفي اليابان اعتبرت أفضل عمل مسرحي للعام (2019م). 

  • غنام غنام.. كيف كانت بدايته مع المسرح؟

    أنا ابن حارة (البيادر) بحيفا، حيث ولدت، وكان لها طقوس يومية، عقد حلقة سمر مسائية، فكنت مكلفاً بالتمثيل والغناء في الحارة، إلى جانب مشخصاتية كانوا يقيمون الأعراس والحفلات في حيفا وهم: أبو أمينة، وحسن أبو زكر وأبو زكية، والذين كان لهم عظيم الأثر في مسيرتي لاحقاً.

إلى جانب الأنشطة المدرسية، كما أثرت السينما بشكل كبير في تكويني كونها النافذة الوحيدة المتاحة خلال هذه الحقبة، وأنا كنت من المحظوظين كون أريحا بها (3) دور للسينما، (هشام – رمسيس – ريفولي) وكنت حريصاً على حضور كافة العروض.

ولعبت الأسرة دوراً بارزاً في تكويني؛ فوالدي كان ذواقة وله شخصية ميالة للفنون وأكاد أجزم بأنه لولا نكبة فلسطين لكان والدي فناناً.

وبرغم أن نكبة (67م) غيّرت مسار حياتي، فإنني انتقلت من أريحا، أقدم مدن العالم، إلىجرش، وهي أيضاً من أقدم المدن التاريخية.

وفي جرش بدأت مرحلة إثبات الذات، من خلال حرصي على تقديم أعمال مسرحية وحفلات مدرسية، وعُرفت خلال هذه الفترة بأنني فنان، وقد ذاع صيتي، وراحوا يدعونني لأخرج لهم الأعمال المسرحية، ثم درست هندسة مساحة الأراضي، وخلالها درست المسرح على يد الفنان محمود أبو غريب. وأسست أول فرقة للهواة مسجلة رسمياً (جرش للهواة)، وكان شريكي وقتها في التأسيس سليمان الأزرعي، وقدمنا الكثير من العروض وكان لنا جمهور وبدأت فكرة ارتباطي بالمسرح تنضج في رأسي. بعدها عدت إلى عمان بعد عامين من العمل في الكويت، وأسعدني القدر بأن المخرج هاني صنوبر، عاد إلى الأردن في العام (1984)، وأعلن عن تقديم مسرحية بوجوه جديدة، فكنت أنا منهم. ولهاني صنوبر قصة معي، فقد كان عمري (10) سنوات حينما حضرت مهرجان البرتقال في أريحا، وكان هناك عمل مسرحي يقدم هو (تل العريس) من إخراج الفنان هاني صنوبر، وهو من مؤسسي المسرح القومي في سوريا، وعاد إلى الأردن ليؤسس أسرة المسرح الأردني عام (1964م)، ومن هنا بدأت التعرف إلى هاني صنوبر، وعشقت أيضاً الإخراج خلال هذه المرحلة. وقد صقل هاني موهبتي بشكل جيد،

جورج إبراهيم
جورج إبراهيم
  • متى بدأت خوض تجربة الإخراج المسرحي؟

     بعد أن توالت الأعمال مع الزميل خالد الطريفي، التقيت الكاتب جبريل الشيخ والموسيقار نصري خالد، وأطلقنا فرقة (موال) عام 1985م، وبصفتنا أعضاء برابطة المسرحيين، قدمنا في العام (1986م) العمل الأول (اللهم اجعله خيراً) من تأليفي وإخراج جبريل الشيخ، وقد أحدث العمل صدى استثنائياً. وهنا تشجعت لأن أطرح نفسي مخرجاً فقدمت في (1987م) رواية (ما تبقى لكم) لغسان كنفاني، ولكنها قوبلت بالرفض وتم حل الفرقة المسرحية (موال) ، وبعد (3) سنوات أعدنا تأسيس فرقة (موال) تحت مسمى (مختبر موال المسرحي)، وقدمنا في العام (1991م) أول عمل هو (الجاروشة) من تأليف الفلسطيني زينات قدسية، وإعدادي وإخراج مشترك مع الزميل ناصر عمر الذي اعتزل الإخراج مبكراً ، وقد لاقى العمل صدى كبيراً كما لاقى عمل (اللهم اجعله خيراً)،  ويرجع الفضل إلى أن جمهورنا كان يحظى بحاضنة من كافة توجهات الفكر الوطني في تلك الفترة.

ومن هنا بدأت أفكر في إيجاد مسرح لكل الناس، وقد لقيت ضالتي في (يا من هناك) للأمريكي وليم سارويان من أصل أرمني، وقدمنا (76) عرضاً في عدة أماكن، بالشارع، والحارة، والمسرح، في كل أنحاء الأردن، وكان الناس يحضرونه بشكل حلقة دائرية لمشاهدة العرض، ثم غامرت وعرضته بالقاهرة، على مسرح زكي طليمات، وقد حضرت العرض الفنانة سناء يونس، والصحافي القدير نجيب نجم، توأم الفنان والمسرحي المعروف محمد نجم، وقد خصص لي (4) صفحات في مجلة (فن)، ومن هنا بدأت علاقتي بمهرجان المسرح التجريبي بمصر.

  • ما مفهوم مسرح الفرجة.. وماذا قدمت للجمهور من خلاله؟

     مسرح الفرجة، هو ذاك المسرح الذي يتخذ من السير الشعبية والموسيقا الفولكلورية والرقص الشعبي ملاذاً له ليقدم للعالم مسرحاً قريباً منهم. والفرق بينه وبين الحكواتي، هو أنه مجموعة وليس شخصاً واحداً كما هو الحال في الحكواتي، وحينما أصدرت بياني حول مسرح الفرجة لاقى الكثير من التأييد والتحفظ من البعض، فقد صرح المسرحي الأردني الكبير جميل عواد، بأن هذا ليس مسرحاً، وبعد (10) سنوات صرح تصريحاً أثلج صدري، حينما قال: مسرح الفرجة هو المسرح الذي نريد.

وانضم لنا الممثل والمخرج الأردني محمد الضمور حينما شاهد العمل الأول (عنتر زمانه والنمر) وقال: الآن وجدت ضالتي.

وبعدها اشتغلنا على ثاني عمل وهو (سهرة مع البطل الهمام أبو ليلى المهلهل) من إخراج الضمور، والذي فاز بجائزة الدولة التشجيعية بالأردن (1995م) كأفضل عمل، والمسرحية تبدأ بمقتل الزير سالم وحرب البسوس التي استمرت (40) عاماً؛ لأننا في العمل الأول (عنتر زمانه والنمر)، كنا قد توقفنا عند مقتل كليب، فمسرح الفرجة سرد للسير الشعبية في إطار مكشوف بعيداً عن خشبة المسرح، بل يكون العرض في حلقات يستطيع الجميع مشاهدة العرض من أي زاوية.

راضي شحادة
راضي شحادة

وفي العام (2003م) قدمت تجربة (آخر منامات الوهراني) موشحة بما أبدعه الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، وقدم العمل بعدة لهجات عربية. وسبق ذلك من أعمال مسرح الفرجة: عبدالله البري، ومعروف الإسكافي، حتى كان آخر أعمال الفرجة في العام 2010م، وهو مسرحية (غزالة المزيون)، وبعد ذلك تركت الأردن وقدمت للعمل والإقامة بالشارقة.

فمسرح الفرجة منحني ثقة عالية في ما أقدم، والفضل سيظل لـ(أبو أمينة، وحسن أبو زكر، وأبو زكية).

  • حظيت مسرحية (سأموت بالمنفى) بتغطية إعلامية، وعرض العمل في أكثر العواصم العربية، ما فكرة العمل وما الذي أردت أن توصله من خلاله؟

     (سأموت في المنفى – بدل فاقد) هو عمل مونودراما (مسرح الشخص الواحد)، وهو السؤال الوجودي الذي يدور بداخلي، ومكاشفة مع الذات ومع  الآخر.

ففي العام (1992م) رأيت شاهدة قبر أخي (فهمي) وقد حملت اسم بلدتي، التي هُجّر أبي وشُردت عائلتي عنها عام (1948 كفر عانا)، واكتشفت أن الفلسطيني في المنفى يكتب اسم بلدته الأصلية في فلسطين على شاهدة قبره، وإذا كان السؤال قد باغتني عام (2011م) في مطار رفيق الحريري ببيروت، وأنا في طريق عودتي إلى عمان، فأدركت أنني عائد إلى بلدي الأردن، الذي هو بدل فاقد عن بلدي الأصلي فلسطين، وأن بيتي في عمان، هو بدل فاقد عن بيتنا في (كفر عانا) بفلسطين، وأن حياتي العملية والعائلية كلها رغم اعتزازي بها، هي (بدل فاقد) عن حياتي التي كان يفترض أن أعيشها على أرض وطني، التحم هذا مع شاهدة قبر أخي، وفجر سؤال الهوية وحقيقة الانتماء، الذي كان يعذبني ودفعت من أجله سنوات من عمري، هذا الوعي أنجب نصاً حراً بعنوان (سأموت في المنفى _ بدل فاقد)، هذا النص صار واحداً من أهم مكوناتي الفكرية والنفسية، وظل يتفاعل في داخلي من (2011م) حتى بدأت العمل عليه أواسط (2016م)، وكأنه حملٌ قد اكتمل ولا بد من ولادته، مع العلم أن سؤال الهوية لم يغب يوماً عما أعيش وأفعل في المسرح. فسأموت بالمنفى صرخة كي لا نموت بدل فاقد، أو كي لا نعيش بدل فاقد، وهو مرحلة ثانية من عمل قدمته سابقاً (عائد إلى حيفا)، وسيكون هناك عمل ثالث سأشتغل عليه قريباً.

عدنان طرابشة
عدنان طرابشة
  • لك تجربة تستحق الوقوف وهي ترجمة عملك (ليلك ضحى _ الموت في زمن داعش) إلى اليابانية.. فهل حدثتنا عنه؟

     كنت ومجموعة أصدقاء نتبادل الحديث حول خبر صغير، يحكي قصة رجل وامرأة في سوريا انتحرا قبل أن تطالهما يد الدواعش، وترك الرجل رسالة تفيد ما حصل لهما، فقلت للأصدقاء بعد عام سيكون لدي عمل مبني على هذه الفكرة فكان (ليلك ضحى – الموت في زمن داعش)، وحينما تقدمت لمسابقة في الأردن فإذا بالعمل يفوز مناصفة مع جبريل الشيخ صديقي القديم، الذي أسست معه أول فرقة وأخرج لي عملاً كتبته، فالتقط النص (الآي تي آي) الياباني أي مشروع (المسرح في مناطق الصراع) فطلبوا النص وتمت ترجمته من قبلهم، ومن ثم فتح باب للتعاون معهم، وقدمت عن العمل في طوكيو عدة ندوات، وبعد عامين تم تقديم العرض.

أما أول عرض للعمل في الوطن العربي فكان في أيام الشارقة المسرحية (2018م)، مع فرقة المسرح الحديث، وقدم في عدة عواصم عربية أخرى، وكتبت عنه دراسات، وفي اليابان فازت مترجمة “ليلك ضحى” الكاتبة اليابانية “ماوو واتانبي / Maho Watanabe” بأفضل ترجمة العام (2019م). كان يرافق العرض توزيع ورقة على الجمهور ليتعرفوا المفردات العربية والإسلامية.

  • كيف يرى غنام المسرح الفلسطيني بعيون أبنائه أو من تناوله من المسرحيين العرب؟

     أعتقد أن القضية الفلسطينية لم تغب عن المسرح العربي في كل مسيرته، وبرغم كثرة ما قدمه المسرحيون العرب، فإنه مازال يحتاج إلى الكثير من الضغط على المجتمع الدولي من خلال أعمال تقدم القضية بشكل يجعلها القضية المركزية في العالم. أما الكتاب الفلسطينيون فهم يقدمون مسرحاً مهماً وأعمالاً مغامرة، ولا يفوتني ذكر تجربة أمير نزار الزعبي الذي قدم منذ عامين (من قتل أسمهان)، وهو عمل في منتهى الروعة وأيضاً تجربة فتحي عبدالرحمن، وفؤاد عوض، وراضي شحادة، وعدنان طرابشة، وإيهاب زهدي وجورج إبراهيم، وإدوارد معلم، وغيرهم كثير، فالمسرح الفلسطيني موجود وبقوة، برغم كل الظروف التي تحيط به، ولكن هناك تجارب تستحق الدراسة والإشادة. 

  • ماذا يقول غنام غنام عن الهيئة العربية للمسرح، وخاصة مهرجان المسرح العربي؟

     كثير من الزملاء قالوا إن مهرجان المسرح العربي سد الفراغ، الذي تسببت فيه الأحداث، التي عصفت بالوطن العربي منذ (2011)، فقد توقف مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة، ومهرجان بغداد، ومهرجان قرطاج، والمهرجانات العربية في عدة مدن وعواصم عربية، ولكن ليس هذا هو سبب بروز اسمه فآليات عمل المهرجان غيرت وجهة النظر لما فيه من فتح الباب للجميع والتقديم الإلكتروني، والتعامل مع النص وليس مع البلدان، وتنقل المهرجان من بلد إلى بلد، أمر ليس بالهين على إدارة المهرجان، وهو أول مهرجان ابتدع البث المباشر للأعمال المشاركة، وتعد جائزة صاحب السمو حاكم الشارقة أيقونة المهرجان لما فيها من دعم معنوي للمبدعين العرب إلى جانب أنه الملتقى الأكبر للفنانين المسرحيين العرب.

حاوره عبد العليم حريص        (الشارقة الثقافية)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح